تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

من وحي الشارع.. محمد محمود

محمد سلامة آدم
6 دقيقة قراءة

في يوم الجمعة الموافق ٢٥ من نوفمبر لعام ٢٠١١، الجمعة الخاتمة لأسبوع أحداث محمد محمود، و بينما كنت أقف بجوار أحد مخارج محطة مترو السادات المنتشرة كشباك العنكبوت أسفل ميدان التحرير، رأيت رجلاً يخرج من المحطة مرتديا جلباباً بُنِّياً ثقيلاً، يسأل رجلاً يمشي بجواره "أين هذا الشارع.. محمد محمود؟"

تخيلت نهار ذلك الرجل، بكل ما كنت أحمله في تلك اللحظة من "رومانسية ثورية"، حين استيقظ من فراشه في إحدى القرى الصغيرة البعيدة عن القاهرة، و حين ارتدى جلبابه و قرر أن يتوجه إلى وسط العاصمة لينظر مكان الملحمة.

تلك الرومانسية ربما جعلتني أشعر أن ثمة انتصار كبير تحقق للثورة في هذا الأسبوع، إلا أنه في لحظات الإفاقة من سُكر تلك الرومانسية أجد أن الثورة و القوى الديموقراطية و الثورية في مصر قد خسرت أهم معركة في تاريخ الثورة المصرية.

كان حراك محمد محمود هو أول حراك من نوعه في تاريخ الثورة، الذي انتفض فيه الشارع المصري متحدياً أهم قطبين للسياسة في تاريخ الدولة المصرية و هما المؤسسة العسكرية و جماعة الإخوان المسلمين، و متحدياً كذلك ذراع الدولة الأمنية متمثلاً في وزارة الداخلية.

على الرغم من الغموض الذي صاحب بداية الأحداث، كان المحرك الأساسي لغضب الناس في الشوارع هو اعتداء قوات الأمن من الشرطة و الجيش على عدد قليل من المتظاهرين اعتصموا في ميدان التحرير قرابة أسبوع قبل الأحداث.

كان المعتصمون من مصابي الثورة، و بعد اسبوع من اعتصامهم أتت عليهم مظاهرة كبيرة في يوم الجمعة السابق لسبت بداية الأحداث. المظاهرة كانت من تنظيم التيار الإسلامي و كانت ترفض وثيقة عرضها نائب رئيس الوزراء وقتها، علي السلمي، تنص على مجموعة من المبادئ "الفوق دستورية" و التي رفضها الإسلاميون.

جاء الإسلاميون و ذهبوا على المعتصمين من مصابي الثورة، لتتقدم قوات الأمن في اليوم التالي، السبت الموافق ١٩ نوفمبر، دون مبرر لفض اعتصام لا يتعدى مكونيه المائة شخص بقوة مفرطة استفزت قطاع كبير من الشعب فنزل لمواجهتها في شارع محمد محمود، المنطقة الفاصلة بين رمز الثورة وقتها، ميدان التحرير، و رمز الدولة الأمنية وزارة الداخلية.

كنا مقبلين على انتخابات برلمانية بدايتها كانت في نهاية شهر نوفمبر، على الرغم من العديد من المحاولات العديدة الفاشلة للقوى الديموقراطية و الثورية وقتها لتغيير خارطة الطريق التي رسمها نجاح الإسلاميين في إقناع الأغلبية بالتصويت بـ "نعم" على استفتاء ١٩ مارس، فصارت الانتخابات أولاً ثم الدستور.

أرادت القوى الديموقراطية و الثورية وقتها استغلال هذا الحراك لتأجيل الانتخابات التي فشلت في إقناع الرأي العام أنها ليست الطريق الصحيح لترسيخ الديموقراطية، في الوقت الذي نجح فيه الإسلاميون في إقناع الرأي العام أن الديموقراطية ما هي إلا انتخابات.

لم يكن حراك الشارع في الأساس ضد الانتخابات. العديد من المتظاهرين الذين تحدثت معهم خلال الأحداث أكدوا لي أنهم ليسوا ضد المشاركة في الانتخابات، و لكنهم في الوقت نفسه يرفضون تمكين الداخلية من ممارسة القمع من جديد. الشعب كان يحركه معنى أعمق من تلك التفاصيل التي تصارع عليها الساسة و النشطاء حول فكرة متى نجري الانتخابات. فالشعب تحرك ليضمن امتلاك الشارع و المجال العام و ليضمن أن الداخلية لن تعود إلى بطشها، تحرك بهتافات "يسقط حكم العسكر" ليعلن رفضه لاستمرار عسكرة الدولة، تحرك رغم أنف دعوات الإسلاميين للهدوء و لانتظار الانتخابات.

بدأ الشارع المصري بعد سقوط مبارك في رحلة البحث عن فصيل سياسي يمثله، فاصطدم بأقوى تيارين لديهم مشروع سلطوي، و ربما فاشي، و لكن كلا المشروعين استندا على معاني كانت أقرب إلى الشارع.

المشروع الأول كان مشروع الإسلاميين، و على الرغم من أن الشارع المصري ليس إسلامي الهوى أو أن الشعب المصري متدين بطبعه، إلا أن تركيز الإسلاميين على تلك المعاني في ضوء حراكهم و التحامهم بالشارع جعل الشارع أحيانا يجنح إليهم و يصدق أنه إسلامي الهوى. المشروع الثاني كان مشروع الجيش و الذي يستند على خطاب القومية و أن الجيش هو الكيان الوحيد الوطني الذي يعمل لصالح البلد في مصر، و على الرغم من أنه ليس حقيقياً أن الشعب المصري لا يجدي معه سوا أن يُضرب بالسياط أو أن يحكمه شخص عسكري يمشيه على خط مستقيم، إلا أن تركيز الجيش على تلك المعاني القومية و الوطنية تجعل الشارع يجنح إلى الجيش و أن يصدق أنه حقاً لا يجدي معه سوى ضرب السياط.

في محمد محمود، كان جلياً أن قطاعا كبيرا من الشارع يرفض المشروعين. و على الرغم من ذلك، فشلت القوى الديموقراطية في الالتحام مع الشارع في تلك اللحظة و إفراز معاني تعبر عنها و تلبي حاجة الشارع في مشروع جديد بعيد عن ثنائية العسكر و الإخوان المملة.

على الأرض، انتصر المتظاهرون على الداخلية في عدم تمكينها من ممارسة العنف الذي تشتهيه. سياسياً، خسرت القوى الديموقراطية و الثورية استغلال حراك محمد محمود ليكون نواة لظهور تيار ثالث حقيقي يناضل ضد سلطوية الإسلاميين و العسكر و ضد الداخلية. ثم خسرت مرة أخرى المعركة السطحية على الانتخابات التي تمت في موعدها و اكتسحها الإسلاميون. ليس ذلك فحسب، بل وجدت القوى الثورية التي قاطعت الانتخابات مبرراً جيداً لعدم خوضها الانتخابات و هو أنها انتخابات تتم على دماء شهداء محمد محمود.

ثم هدأت الحركة الاحتجاجية مع نزول جموع الشعب المصري للانتخابات، و التي اعتبرتها بعض القوى أنه قرار خاطئ من الشعب، بنفس تلك النظرة الاستعلائية من النخبة و بعض القوى المدنية التي تبرر فشلها دوماً بأن الشعب لا يستمع إلى نصائحهم العظيمة التي يقدمونها من شاشات التلفاز و من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، بينما هم في الواقع في انفصال حقيقي عن الشارع لا يؤهلهم للحديث عنه.

الشارع ليس إسلامي الهوى و ليس متيماً بحب العسكر، و لكنه لا يرى أي معنى لحراك القوى الديموقراطية و الثورية يلبي تطلعاته.

الشارع لا يرى حراك القوى المدنية إلا على أنه نضال من أجل مصالحهم و حرياتهم الشخصية، فلا يرى الشارع العلمانية إلا على أنها دعوة للانحلال و أنصارها يدافعون عن ارتداء زوجاتهم الفساتين القصيرة، و لا يرى اليسار إلا أنهم مجموعة من اللادينيين المأجورين لإشاعة الفوضى في البلاد. و سيظل الشارع هكذا لطالما ابتعد النشطاء و النخب الذين يمثلون تلك التيارات عنه، و استمروا في منادته من منبر فوقي ليحتشد وراء مطالب هو لا يدري ماذا ستقدم له.

مازال شارع محمد محمود يهزم العسكر و الإخوان في ذكراه الثانية. فتاريخ الشارع وقف وحده ضد محاولات شباب الإخوان على مواقع التواصل الاجتماعي لترويج أن الإخوان كانوا في الميدان، و ضد إعلانهم لنزول الشارع في ذكرى ملحمته، حتى أعلن" تحالف الشرعية"، الممثل لمؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، أن مظاهرات مؤيدو مرسي لن تذهب إلى شارع محمد محمود.

و وقف تاريخ الشارع أيضاً ضد محاولات الجيش و الداخلية في إظهار احتفالهم باليوم، فبعد أن نشرت وزارة الداخلية بيان تقول فيه "المجد لشهداء محمد محمود"، و ربما سقط سهواً من كاتب البيان أن يضيف عبارة "الذين قتلناهم"، تحاصر دبابات الجيش و قوات الشرطة ميدان التحرير اليوم،  تغلق شارع محمد محمود تماماً. كما بدأت منذ وقت قريب حملة إعلامية ضد التظاهر في هذا اليوم، فجائت افتتاحية جريدة الأهرام في يوم الجمعة الماضي "الطابور الخامس يتحالف مع الإخوان لإشاعة الفوضى".

ربما كان فشلنا أيضاً في الانتقال بالثورة من مركزية التحرير و شارع محمد محمود، عندما أتى إليها ذلك الرجل بالجلباب لينظر روعتها، إلى حركة لا مركزية تصل بالثورة إلى بيت ذلك الرجل أينما كان. لكان الأمر اليوم أصعب على قوات الجيش و الشرطة من مجرد غلق الميدان و الشارع.

سيبقى تاريخ هذا اليوم مرعباً للعسكر و للداخلية، و سيبقى وصمة عار تلاحق الإخوان. و ستبقى ذكراه نواة لحركة ترفض فاشية الطرفين و قمع الدولة. و سيبقى السؤال: متى تترجم القوى الديموقراطية نضالها إلى معنى يلتحم بالشارع و ينشئ حراكا مغايراً؟ ربما تأتي الإجابة في الذكرى الثانية لمحمد محمود.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

نقد النقد الذاتي

«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).