من داخل الاستباحة: أسئلة عن العفو والعدالة
كان يوم خميس عاديًا، وهو على الطرف الآخر في محادثة على تطبيق للمواعدة. ساورني بعض الشك عندما أصر على أن نتقابل في منزله على حافة عشوائيات المدينة، وكلما أصر أكثر، كلما زاد شكّي فيه. لم يأتِ هذا الشك من التمييز الطبقي المعتاد اللجوء إليه في مجتمع الميم بحثًا عن الأمان، فكلما تقاربت مع الطرف الآخر اجتماعيًا وتداخلت الدوائر بينكما كلما تراجعت فرصة أن يكون مخبرًا أو لصًا أو مجرد شخص يبحث عن الابتزاز. أحسست بالذنب لأني ربما أكون مارست تلك الفلترة الطبقية، وقررت تجاوز ذلك التردد والذهاب لرؤيته.
وصلت عنده، وفي أقل من ساعتين أدركت كثير من الأمور، جلّها كنت أعلمه بالفعل، لكني قررت مشاركة بعضه فقط، تلك الأمور التي نادرًا ما يتم الحديث عنها.
لا أريد الخوض في تفاصيل تهديدي بالسلاح الأبيض وتصويري عاريًا وسرقة متعلقاتي ونقودي. أود الحديث عن أمور أخرى، عما أفصح عنه «الشخص» واثنان آخران ظهرا معه. أكدوا منذ البداية على رغبتهم في إيذائي، وأشاروا إلى أنهم ينفذون هذه «العمليات» كنوع من الردع لمجتمع الميم وبتنسيق ما مع السلطات، ولو بشكل غير رسمي. بالطبع لا أحد يمكنه التأكد من ذلك. الكثير من الأصدقاء والمعارف الذين تعرضوا لمواقف مشابهة، أخبرهم المعتدون أنهم ينسقون مع السلطات. على الأغلب يبتز أحد المخبرين شابًا لديه سوابق جنائية أو عليه أحكام قضائية للتعاون معه في استدراج أو الإيقاع بأفراد مجتمع الميم من خلال تطيبقات المواعدة.
جلست على حافة السرير، عاريًا، شبكت يداي في بعضهما، ولم أخفِ توتري. بدأ زعيمهم يسألني سلسلة من الأسئلة الشخصية متقمصًا دور وكيل النيابة، بينما كان يتفحص هاتفي ويقرأ رسائلي الخاصة ويتطلع إلى صوري الشخصية. تراوحت أسئلته بين التهكم: «ما أنت عندك صحاب نسوان أهم، أمال بتعمل القرف اللي بتعمله ده ليه»، والشك: «يعني أنت أهلك عارفين اللي انت بتعمله ده؟»، والمناقشة الودودة: «ايه ده، انت بتسافر بره؟».
منذ طفولتي اضطررت للتعامل مع غضب وكراهية والإحساس الرهيب بالاستحقاق لدى الرجال الغيريين. هؤلاء الذين لا يرون بدًا من إسقاط كل مشاعر الغضب على الآخرين، على أن يكون ذلك موجهًا للطرف الأضعف. كنت أعرف جيدًا ما عليَّ فعله. هذه المواقف لا تحتمل مقاومة أو عدوانية، فقط عليك أن تستسلم وتخضع وتندم. لا جدوى من محاولة إظهار رفضي أو عدم خوفي أو إحساسي بأني لم أفعل شيئًا يستدعي شعوري بالذنب أو «العار». أظهرت العكس تمامًا، قدًرا لا بأس به من الندم (كنت نادمًا فعلًا، ليس على مثليتي وإنما على تجاهل الاحتياطات اللازمة)، وبيّنت قدرًا كافيًا من الخوف (وكنت خائفًا فعلًا، لا من الفضيحة أو الابتزاز، وإنما من الأذى المعنوي الذي سيصيب أهلي إذا حاول هؤلاء ابتزازي). إن ما يرضي رجل غاضب، مُدعٍ، لديه شعور عارم بالاستحقاق، هو هذا الانسحاق وفقط.
لم تستمر معاناتي كثيرًا. أطلقوا سراحي بعد سرقة الهاتف والنقود، وأعطوني بطاقتي الشخصية وما يكفي من المال للمواصلات. وهذا لو تعلمون إنجازًا كبيرًا. أدركت أني كنت محظوظًا. على الأقل لم يُعتدَ عليَّ جسديًا، ولم أُسلم للسلطات، ولم يُنكل بي مثل الكثير من معارفي وأصدقائي من مجتمع الميم. بعضهم تعرض للضرب المبرِّح وتكسرت ضلوعهم وشُوهت وجههم. أنا بحسب ما يتعرض له هذا المجتمع في مصر من القلائل المحظوظين.
أدركت أيضًا أن هذه لن تكون المرة الأخيرة التي يقوم بها هؤلاء الشباب أو غيرهم باستدراج آخرين مثلي، وإنزال أحط وأبشع أنواع الاعتداء والاستباحة من أجل هاتف محمول وبعض أو كثير من المال. وأدركت أيضًا أن أحدًا لن يستطيع أن يتحدث أو يبلغ السلطات أو أن يلجأ للشرطة. هذا فيه احتمال كبير للملاحقة الأمنية والسجن، وقدر لا بأس به من الفضح والتشهير، الذي يطول الشخص وأسرته وعائلته. والعجز هذا هو أداة الضغط الأساسية التي يعتمد عليها أولئك «الصيادون».
كنت، كشخص يتم الاعتداء عليه معنويًا وماديًا، في معضلة شديد المأساوية. فأدرك كما أدركت سلمى الطرزي، أني أنا وهؤلاء في موقف شديد العبثية والظلم. فهم أيضًا لا يستطيعون قتلي، حتى لو كنت «شاذ ودمي حلال»، فالقتل كدرجة من الاستباحة لا تزال تكاليفه السياسية والاجتماعية عالية نسبيًا (خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار عامل الطبقة الاجتماعية)، وفي نفس الوقت أدرك أني أستطيع الإبلاغ عنهم جميعًا، وفي تلك الحالة قد ينتهي بهم الحال بالسجن المشدد على أقل تقدير، ولكني أدرك أيضًا أنه قد ينتهي بي الحال في قسم الشرطة ويتم عرضي على الطب الشرعي، بما يشمله ذلك من انتهاكات بشعة للتأكيد أني «غير مُستخدَم»، وربما يتبدل موقعي من ضحية جريمة ابتزاز إلى متهم بـ«اعتياد ممارسة الفجور»، التهمة الجاهزة للتنكيل بالمثليين على الرغم من غياب أي قانون يجرم المثلية بشكل واضح وصريح في مصر.
تتشابه هذه القصة في بعض من جوانبها مع قصص تكلم عنها الكثير من النسويات عن العنف الجنسي، وبالفعل فإن مجتمع شديد الذكورية كمجتمعنا يضع تعريف الرجل بشكل أساسي من خلال مجموعة من المزايا والحقوق الجنسانية والعملية، والتي يستمد منها أكثر الرجال الغيريين معنى رمزي لدورهم ووعيهم بذواتهم، يكاد يتجاوز المعنى الديني نفسه وقد يتناقض معه أيضًا. فعلى سبيل مثال، وبافتراض أن حرمانية المثلية الجنسية شرعًا، فلا تزال السرقة والتجسس وتتبع عورات الغير حرامًا، ومن المفترض ألا يجوز «تصحيح» ذنب بارتكاب أربعة أخرى. ولكن من أجل الحفاظ على ذلك التجانس الرمزي والمعنوي، يمكن التضحية بأي شيء، وتلفيق قدر لا بأس به من الأفكار، أفكار ساذجة بشكل مفرط، لكنها شديدة العنف.
كان الاعتداء عليَّ شكلًا آخر من استغلال الموقف الشائك لمجتمع الميم كذريعة، ليس فقط لممارسة أشكال بدائية وبائسة للسلطة الأخلاقية، ولكن كذلك لـ «إعادة توزيع الموارد». ربما يندهش البعض من استخدام هذا المصطلح. لكن نعم، هؤلاء الشباب نفذوا عملية، بدائية وعشوائية وغير أخلاقية بالطبع، لإعادة توزيع الموارد في ما يرونه وضعًا ظالمًا تمييزيًا. كانوا بالكاد يستطيعون القراءة والكتابة، يسكنون على أطراف المدينة، منهم عاطل عن العمل، وآخر يعمل في وظيفة لا توفر حياة كريمة. ربما يعتقد القارئ/ة أني أتماهى مع من اعتدوا عليَّ، وأحاول أن أجد نوعًا من التبرير لما فعلوه. على العكس، ما أحاول القيام به هو التأكيد على أن الجريمة أو الاعتداء لا يحدث إطلاقًا في معزل عن وضع سياسي واجتماعي واقتصادي، يشكل ويتشكل بأفعال وقرارات أفراده، وأن ما فعله هؤلاء الشباب لا يمكن، ولا يجوز الدفاع عنه أو تبريره، ولكن يجب علينا، بشتى الطرق، محاولة فهمه.
ماذا يعني أن يكون أحدهم منعدم المهارات وحبيس طبقة اجتماعية يحتقرها ويضطهدها الجميع، بمن فيهم السلطة بجميع مؤسساتها؟ وماذا يعني أيضًا أن يقرر أحدهم أنه سأم تحرش السلطة به (على سبيل المثال، تم الضغط عليه بسجل جنائي سابق له أو لأحد من أسرته) وأنه سيتعاون مع نفس السلطة، ولو بشكل غير رسمي، فيما يعتقده هو نوعًا من التأديب والإصلاح الاجتماعي؟ ولا مانع في الوقت نفسه من الاستيلاء على بعض الموارد التي يرى أنه حُرم منها.
بعد تعرضي لذلك الحادث، تملكتني رغبة محمومة بأن أعيد التفكير مرة بعد الأخرى في ما إذا أُتيحت لي الفرصة للانتقام من هؤلاء، فهل سأنتقم؟ وما نوع الانتقام الذي، كما يقولون، يشفي غليلي منهم؟ الغضب الذي أشعر به ليس فقط من أجل سرقتي، وهذا بالتأكيد شيء مخيف، ولكن بالأساس من الاستباحة التي مارسها أولئك ضدي، ليس فقط بالكلام المهين، ولكن بالتعامل مع جسدي وكأنه يمكن النيل منه دون أدنى إحساس بالتردد أو التساؤل. نزع آدمية أحدهم هو نزع آدمية الشخص المُعتدي ذاته. لحظة الاعتداء هي لحظة ذات نتائج متوازية وغير متكافئة. كلا الطرفين يفقد ما يئُنسن ذاته مع حدوث خسائر معنوية ومادية جسيمة للطرف المُعتَدى عليه. لم يتورع هؤلاء وغيرهم عن تبرير كل الأسئلة التي يمكن أن نسألها، بكليشهات محفوظة ومعروفة لكل أفراد مجتمع الميم منذ قديم الأزل: المثلية مرض، (حديث «هز عرش الرحمن» لم أتمالك نفسي عندما أخبرني أحدهم بذلك الحديث وأجبته بكل أمارات الضجر أنه حديث ضعيف على أحسن حالاته!)، السرقة والانتهاك والضرب هي علاج لمرض «الشذوذ» لأن المثليين يستحقون المعاناة والاستباحة نتيجة للفساد الذين يبغونه في الأرض، وأن الشخص المفعول به هو «راجل فاقد رجولته»، ما يعني استباحته بالكامل ومن الجميع.
لا أخفي عليكم أني فكرت كثيرًا في فكرة الانتقام، وما يمكن أن أُحدثه من ألم نفسي ومعنوي لمن فعلوا ذلك بي وبغيري. الأمر ليس فقط لأننا ضحايا، بل لأننا ضحايا أصحاب صمت مضمون. أنا وغيري من مجتمع الميم لا نملك رفاهية اللجوء للعدالة، ولا نملك رفاهية ألا نبقى جاهدين في محاولات الإفلات من الاعتقال والعرض على مصلحة الطب الشرعي أو التشهير بنا في وسائل الإعلام، وما يتبعه ذلك من فضح وإيذاء معنوي لأسرنا وأهلنا. نحن محاصرون بين المطرقة والسندان، يمارس جميع الأطراف ضدنا شتى أشكال السلطوية والعقاب، ولا يوجد سبيل من حمايتنا من ذلك، ولا يوجد سبيل لأي نوع من العدالة، ولو عدالة شكلية.
أردت ألا أحمل كراهية وغضب هؤلاء الرجال تجاهي، ورغبتهم الملحة في القتل والانتهاك والاستباحة. حقًا لا أستطيع أن أمضي في حياتي أحمل في جسدي وعقلي آثار تلك التجارب المملؤة بقدر هائل من النوايا السيئة الكريهة. ولا أعرف معنى أو جدوى لفكرة العفو في ظل سياق تنعدم فيه العدالة. فعندما نفكر في العفو يكون دائمًا مرتبطًا بوجود عدالة أخلاقية تنطوي على نوع من العقاب وما يُسمى بفعل تصحيحي، مادي، يعزز من المسؤولية المادية للمعتدي، والتي من شأنها التأكيد على أن لفعل الإنسان آثارًا مادية يجب عليه مواجهتها ومحاسبته عليها. ويبقى العفو هو فعل معنوي بالأساس، حق أصيل لمن تم الاعتداء عليه أو النيل منه، يمنحه إذا شاء، في ظل إنفاذ العدالة.
لكن ماذا عن سياق تغيب فيه العدالة بشكل دائم ومنهجي؟
يشترط العفو اعتراف المعتدي بجرمه، ويشترط كذلك الرغبة في تصحيح آثار ما فعله، وفي لحظة الاعتراف هذه يصبح هناك سبيل أو معنى للعفو. فلا معنى للعفو عن شخص لم يدرك، ولا يريد أن يدرك، تبعات ما فعله. ولا معنى لعفو من أجل التخلص من تبعات العنف والمعاناة التي أحدثها الجاني. هذا ما يسميه البعض «العفو الأناني». يعفو بعضهم للتخلص من حالة شعور ثقل وقائع فعل الاعتداء أو الإيذاء. ولكني حتى غير قادر على العفو الأناني. أمضيت عمري أتفنن في الهروب من كم هائل من الأذى المعنوي والمادي الذي يهوى الرجال إلحاقه بي المرة بعد الأخرى، وسئمت من الحيل النفسية والذهنية التي يجب عليَّ التفنن فيها حتى أنجو بحياتي من كل هذا الأذى.
أعرف جيدًا أن مثلي كثيرين.
لن أشيطن أحدًا. وأعي جيدًا ماذا يعنيه أن تعيش في سياق مثل هذا، ولن أسوغ التبريرات، لكني لن أتنازل عن حقي أن يعترف جميع هؤلاء بأن ما فعلوه لا يمكن تبريره، وأنه شر مطبق، وأنه حتى في أحلك الظروف المادية والمعنوية يبقى لدينا قدرة على الاختيار فيما يمكن أن نفعله من أذى أو ضرر ضد الآخرين. لا سبيل غير الاعتراف بأن العلاقات الحميمية الرضائية بين بالغين ليست جريمة، ولا يمكن استخدامها كتبرير للتنكيل وشيطنة الغير، وأن السلطة الأخلاقية التي يمنحها كثير من الرجال الغيرين لأنفسهم، لممارستها بأشكال شديدة العنف والانحطاط، ضد الأطراف الأضعف دائمًا، وبتواطؤ من الدولة، هي سلطة في جوهرها تفتقر أبسط قيم الأخلاق، ذات الأخلاق التي يدعي هؤلاء أنهم «يحاربون» من أجلها.
أنا أصر على ضرورة الاعتراف وإدراك الفعل، فعل التعدي. لأني أصر، وبدون كليشهات، على الاحتفاظ بإنسانيتي وإنسانية المعتدين. التمسك بإنسانيتنا معًا هو الضمان الوحيد لتحملهم مسؤولية أعمالهم. هم وأنا نعلم جيدًا أن فعلتهم تنتقص من تلك الإنسانية، حتى لو كانت تمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة والتفوق، ونعلم كذلك أن فعلهم هذا لم يأتِ في وقت غاب عنهم الإدراك والوعي. وحينها فقط، في لحظة الإدراك، يكون للعفو معنى.
آراء أخرى
نسويات «سيئات»: نقد ذاتي في أزمة «العيش والحرية»
«في هذه اللحظة فشلنا في تطبيق ما رددناه نظريًا لسنوات طويلة، أن: «القضايا النسوية هي قضايا سياسية»»
من وراء الشاشة: النسوية والأمل في 2020
«التشابه بين حدث 2011 وما يحدث الآن من تحرك وضغط نسوي هو فقط الشعور بالأمل والاحتمالات الممكنة.»
شهادات الانتهاكات الجنسية: أي مؤامرة وأي اغتيال؟
«يتحوّل اتهام الرجل المُنتهِك إلى معركة بين داعمي كل طرف، فيضيع حق الجميع، وتضيع فرصتنا في الحوار الجاد»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد