شهادات الانتهاكات الجنسية: أي مؤامرة وأي اغتيال؟
كتبت الأستاذة كريمة كمال قبل أيام مقالًا عنوانه «الاغتيال» الذي اشتبكت فيه مع موجة البوح والمواجهة التي تعيشها مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام، والتي تتضمن نشر شهادات ضحايا / ناجيات تعرّضن للعنف الجنسي والانتهاك الجسدي من قِبل فنانين ونشطاء مؤثرين.
«هذه الضجة التي أُثيرت لم يكن المقصود بها الحصول على حق مَن تمّ التحرش بهن بقدر ما كان المقصود بها الاغتيال المعنوي والانتقام من هذا الشخص.. كان مقصودًا الفضح والتشهير والاغتيال». هكذا رأت الأستاذة كريمة توجيه شهادات متواترة تتهم المخرج «إ.ع.» بالتحرش والاعتداء الجنسي، بالتزامن مع عرض فيلم له في مهرجان القاهرة السينمائي. بَنَت أستاذة كريمة حكمها على أن «الحملة» تلك حرمت المتهم من حقه في الدفاع عن نفسه، ونصّب الجمهور فيها نفسه مدعيًا عامًا ومحققًا وقاضي.
تجادل الأستاذة كريمة في مقالها بأن تلك الشهادات ليست حقيقة نهائية؛ تقول: «من المهم هُنا أن نركز على أن هذه الشهادات من وجهة نظرهن [هن الضحايا والناجيات]، أي أن هذا هو تصورهن عما حدث وليس حقيقة ما حدث». تعتمد كذلك على واحدة من الشهادات المنشورة ضد المخرج، وتقول: «وأخرى جلست معه تحتسي الخمر والمخدرات حتى فقدت الوعي وفوجئت عندما أفاقت أنه مارس معها الجنس.. أليست جلسة من هذا النوع تعني بالضرورة الرضا؟».
ربما تكون الأفكار المطروحة في المقال منطقية، لو طُرحت بصورتها المجردة، لو تغاضينا عن أننا أمام واقعة محددة متعلقة بالاتهامات الموجهة لمخرج سينمائي محدد، ولو ناقشناها كذلك بمعزل عن واقع البلد الذي نعيش فيه.
المنطق المُحتمَل هذا يُفقد تمامًا عندما تشير الأستاذة كريمة إلى معايير القبول والرضا. لا يوجد مساحة للقبول والرفض أثناء النوم، كذلك لا توجد فرصة للتعبير عن الرفض وقت التعرّض للإغماء، بغض النظر عن سبب ذلك؛ إذا ما كان لتناول الخمور أو غيره. لنتمادى أكثر في المنطق التقني، أليست ممارسة الزوج الجنس مع زوجته النائمة يُعد اغتصابًا زوجيًا يُعاقب عليه القانون في دولٍ أخرى؟ وكيف يمكن اعتبار تناول مشروب، أو تعاطي مخدر، يعني دعوة لممارسة الجنس؟ هل علينا التسليم بفكرة أن العلاقة بين أي رجل وأي امرأة هي علاقة جنسية بحتة؟ ومن ثم يجب أن تعلن النساء عن موقفها من العلاقة الجنسية طوال الوقت بداعٍ وبدون داعٍ؟
نحن النساء نعلم جيدًا زيف فكرة أن كل اقتراب عاطفي أو جنسي يكون فيه مساحة للعرض والقبول.
لا نستطيع حصر النساء المنتهكات، وكاتبة هذه السطور من ضمنهن. تتعرّض النساء هنا للانتهاكات في أماكن خاصة ومغلقة، وأيضًا في أماكن عامة، انتهاكات قد تحدث أحيانًا أثناء تناول الخمور، وتحدث كثيرًا في الصباحات حين تكون أجسادنا فائضة بالكافيين وأمام أعين الآخرين.
تجاهل مقال الأستاذة كريمة تواتر خمس شهادات منشورة ضد المخرج السينمائي، مركزًا على شهادة واحدة كانت الخمور أو المخدرات حاضرة بها. ولا أعرف لما يتمّ هذا التجاهل لشهادات تخص وقائع لم تكن حاضرة بها خمور أو مخدرات؟ أم لأنها شهادات عن انتهاكات جنسية أقل حدة؟ درجة الحدة لا تنفي كونها انتهاكات جنسية. هذه الشهادات تؤكد وجود نمط أو أسلوب متكرر يستخدمه المتهم مع نساء مختلفات، وهو ما يمنح هذه الشهادات مصداقيتها. تجاهل المقال أربع شهادات لأربع ضحايا / ناجيات قلن بوضوح «لا»، هي نفس الـ«لا» التي قالتها صاحبة شهادة الخمور والمخدرات -التي أشارت إليها الأستاذة كريمة- قبل أن تفقد وعيها.
تؤسس الكاتبة تصوراتها حول ما تسميه بـ «وجهة النظر»، و«تصور ما حدث»، تقول إنها لا تكذّب ولا تصدّق، لكنها في الحقيقة لا تواجه إلا النساء فقط: تنتقي من الشهادات وتفسّرها وتحاول تأويلها. هذا غير تصوير الأمر وكأن (المرأة لا تفهم ما هو انتهاك لها)، أريد أن أسأل: وهل يعرف الرجل ما هو الانتهاك؟ التحرش والاغتصاب؟ لماذا يتمّ افتراض ضبابية الرؤية عند النساء عندما يكن ضحايا / ناجيات، ولا يتمّ افتراضها لدى الرجال عندما يكونوا متهمين؟ إذا كان المقال قاصدًا مناقشة آليات تطبيق العدالة، وهو ما أؤيده بشدة، لكن ذلك لا بد أن يحدث بشكل أكثر تجريدًا من مناقشة اتهامات محددة ومتهمين محددين.
هنا من الهام تقديم اعتذار عن استخدام تعبير خانني: «نمرمط بيه الأرض»، في معرض تعبيري عن دعم باقي فريق عمل الفيلم. يبدو أن التعبير العنيف أثار غضب كبير لدى نساء يحترمهن جيلي من النسويات ويقدر ما فعلنه لقضايا النساء. لكنّي أؤكد أن هذا التعبير نُزع من سياقه في مقال الاستاذة كريمة، حين استُخدم لاتهام داعمات المجني عليهن بالـ«فاشية». وكذلك، استخدمه المخرج المتهم بإخراجه عن سياقه في محاولته الدفاع عن نفسه.
هل الآلية المُستخدمة الآن لمواجهة / فضح المتحرشين جنسيًا أو المغتصبين من الرجال هي آلية مثالية؟ بالطبع لا. وجميعنا نعلم بأنها تعاني العديد من المشاكل، وتضعنا جميعًا في مآزِق أخلاقية وعملية لا تنتهي. لكن -بكل أسف- فإن الكثير من الجرائم الجنسية في العالم كله صعب إثبات وقوعها. وإن نظرنا إلي واقعنا المحدد، فسنجد أنه عند غياب دولة العدالة والقانون، تصبح كل الخيارات إشكالية. على سبيل المثال نحن نعاصر الآن مشهدًا يتلخص في سجن شهود قضية اغتصاب جماعي (قضية الفيرمونت)، ومنع آخرين منهم من السفر. ونشاهد أيضًا تهديدات بتشويه جسد امراة قامت بالتبليغ علي جريمة تحرش جماعي كانت هي ضحيتها، بل والخوض في عرضها وتهديدها بالسجن. وبسبب ما يُسمى هذه الأيام «قيم الأسرة المصرية»، نجد نساءً يُسجن بسبب نشر مقاطع فيديو راقصة.
وبالرغم من ذلك، علينا أن نتذكر أن التحذير بشأن أو فضح متهمين بعينهم، دون أي تحقيق رسمي، ليس فعلًا مستحدثًا. فقط كان الأمر مقتصرًا على تحذير الدوائر المحيطة بالمتهم، وذلك قبل أن تكون أداة النشر المُتاحة لكل البشر موجودة، قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وتطورها لما عليه الآن.
علينا إذًا الانتباه إلي تطور الآلية وعلاقتها بتطور الأدوات المستخدمة، وحتمية وجود ثغرات كثيرة بها، فهي تخضع لعملية بناء وتطوير مستمرين. ومن الضروري هنا التأكيد على تعبير «حتمية».. فحين تصل أزمة مجتمعية لذروتها بعد تجاهلها لعقود، فهي في النهاية تنفجر في وجه الجميع، ونصبح جميعًا مسؤولين عن عواقبها السلبية والإيجابية، وعن نقاط القوة والضعف في آليات مواجهتها، وعن ضرورة إيجاد حلول حقيقية بعيدًا عن تفضيلاتنا الشخصية، ودون نزع هذا الانفجار عن سياقه وتاريخه. ودون أن نتناسى سؤال في غاية الأهمية إذا أردنا فهم ما يحدث بشكل موضوعي: كيف وصلنا إلى هنا؟ نحن جميعًا أمام أمر واقع، إما أن نشتبك معه بهدف تطويره، بغض النظر عن هوية المتهم ومَن هو، أو أن نصرّح برفضنا لأي مواجهة، ولأي نقاش حقيقي، ونطالب النساء بالتوجه إلي نظام قضائي / سياسي هو بطبيعته منحاز، فندفع جميعًا الثمن.. واقع أكثر مرارة مما نعيشه.
ما العمل؟ كيف نستطيع إيقاف المتحرش جنسيًا، أو المغتصب ومنعه من انتهاك أجساد نساء أخريات؟ كيف نستطيع تحذير الجميع؟ كيف يمكننا حماية المُبلغات من العقاب المجتمعي أو الأسري أو من عقاب أصحاب العمل؟ كيف ننجز كل هذه المهام بشكل «مثالي» بينما نحن في وضع أبعد ما يكون عن المثالية؟
بعضنا يتملكه في أوقات كثيرة إحساس بأن (الضرب في الميت حرام)، ويشعر بالاشمئزاز من تحوّل بعض القضايا والأزمات لنوع من أنواع النميمة. أحيانًا يبدو الأمر وكأننا نعرض مقطع ممنوع رقابيًا لإثارة الجماهير، فتذهب الشهادات إلى مسارات أخرى منفصلة عن صاحباتها وأهدافهن. وأمام هذا المشهد نسأل أنفسنا كثيرًا قبل إعادة نشر أي شهادة.. ماذا إن كانت غير حقيقية؟ وماذا عن أهل المتهم؟ وإن كان الاتهام مبني علي واقعة مفترض حدوثها منذ زمن بعيد، يظهر تساؤل آخر وهو أليس من الممكن أن يكون الشخص المتهم قد تغيّر؟ وكلها أسئلة ضرورية ومهمة.
نعم.. الشهادات مجهلة. والقائمون على مدونة «دفتر حكايات» المعنية بنشرها لا نعرفهم، وذلك لحماية الطرفين، مما يضع المتلقين من أمثالي في أزمة تصديق أو تكذيب اتهامات صادرة عمَن لا نعلم هويتهم، أو اختيار ثالث ببساطة أن نتجاهل ونقف على الحياد. هناك أيضًا اختيار رابع: التعامل بجدية مع هذه الشهادات، أن تؤخذ كل واحدة منها على حدة بجدية، وهذا مختلف جذريًا عن (التصديق العمياني)، فإن كنت أعرف المتهم أو صاحبة الشهادة، أو المحيطين بأي منهما، أقوم بدوري في التقصي. وهو بالطبع تقصي يأخذ في الاعتبار الثقة الشخصية في صاحبة الشهادة، أو في أصدقائها، أو بناءً على المعرفة الشخصية بالمتهم وتاريخه، دون تجاهل وتيرة الشهادات وتكرار نمط الانتهاك، وأيضًا دون تجاهل رد فعل الشخص الذي يتمّ اتهامه.
لا يخفى على أحد أن أغلب قصص الانتهاك، تحرش واغتصاب، لا تُنشر أصلًا، بل تظل محصورة في نطاق مواجهات شخصية ما بين المتهم ومَن تمّ الشكوى لهم. وهم في أغلب الأحيان أصدقاؤه، لأسباب مختلفة ومتنوعة، أهمها قرار الضحية / الناجية المعنية، لكن أيضًا لأن لكل قصة تفاصيلها وخصوصيتها واختلافها، وما بين التحرش والاغتصاب تقع مئات الدرجات من الانتهاكات. وهناك فرق بين رجل أخطأ مرة، وآخر له تاريخ من الأخطاء التي يرفض الاعتراف بها وتحمل مسؤوليتها، وبين هذا وذاك يوجد مئات ومئات من أنواع الرجال.
في بعض الأحيان نستيقظ جميعًا على شهادات تتهم شخصًا معروفًا للكثيرين، وبسبب مناسبة محددة. فنجد الاتهام المقابل جاهزًا.. إنها مؤامرة، في حين أن الموضوع أبسط من فكرة المؤامرة، بل متعلق بجدوى النشر في لحظة محددة، وبالذات إن كان المتهم يتمتع بنفوذ ما؛ شخص مشهور، غني، لديه سلطة عمل، ينتمي إلى قطاعات لها تأثير مجتمعي أو إعلامي.. إلخ. أو مشارك بفيلمه علي السجادة الحمراء في أهم مهرجان سينمائي في بلده مثلما هي الحالة التي تتحدث عنها الأستاذة كريمة كمال. وهنا يتحوّل النشر العلني إلى حملة، وأداة وحيدة، ليست بالضرورة الأفضل، لوقف الإيذاء، ولحماية المزيد من الضحايا / الناجيات المُحتملات.
مثلما تؤرقنا أسئلة ما قبل النشر، تؤرقنا أسئلة ما بعده.. إلى ما هو أوسع وأشمل. لماذا نحصر الأزمة في مسألة الآليه وفقط؟ أو في توقيت النشر؟ أو في الهدف الخفي ورائها؟ أو سمعة كيان أو عائلة أو رد فعل العامة؟ بينما تتعلق الأزمة في الحقيقة بامتيازات الرجال، واستغلالهم لها، وهو ما أدى بنا إلي ما نحن فيه.
وقت تصاعد موجات البوح يلتفت الجميع ليسدد النقد والتبرير أحيانًا، وعندما تتراجع الموجة، يهتم قليلون بالمشاركة في نقاش ما بخصوص الموضوع. يتغاضى الكثيرون عما تكتبه نساء ورجال من تساؤلات وعدم يقين وعن إشكاليات كثيرة. لا أهتم بفضح آخر أو سجنه، سبب النضال هو البحث عن الأمان الشخصي، لي ولغيري من النساء، وفي هذا السبيل اهتم بتفكيك الآليات وتطويرها أو اختراع غيرها.. نبحث عن كل الاقتراحات وننتظرها.
تذكر الأستاذة كريمة جائزتين كانت لجان تحكيم مهرجان القاهرة السينمائي ستمنحهما للفيلم الذي تمّ اتهام مخرجه بالشهادات المذكورة، وتكشف عن معلومة جديدة، بأن الجائزتين حُجبتا. صرح المهرجان في بيان رسمي عن عدم حجب الفيلم، مقابل إلغاء المؤتمر الصحفي الخاص به فقط، وهو موقف دعمته كثير من النساء الداعمات للضحايا / الناجيات، وكان المطلب عدم حضور المتهم في محيط المهرجان. إذًا: السؤال لا بد من توجيهه للمهرجان نفسه، هل يجوز التدخل في عمل لجان التحكيم ومنع جوائز لفيلم لم يتمّ حجبه بقرار مُعلن من المهرجان؟ لا أرى في هذا الموقف غير المعلن أي معنى أو مصلحة لأحد، ولا يتحمل مسؤوليته داعمات ضحايا المخرج، بل إدارة المهرجان وحدها.
لم يمنع أحد أي متهم من سرد وجهة نظره للوقائع المنسوبة له، وليس لدى أي منّا سلطة على مَن يريد دعم أو تصديق أي رجل. هذا الوضع الذي نعيشه لم تخلقه الضحية / الناجية، ولم يخلقه الداعمات لها، ولا المدونة التي تنشر. هو وضع يتأزم أكثر في كل مرة، ليتحوّل اتهام الرجل المُنتهِك إلى معركة بين داعمي كل طرف، فيضيع حق الجميع، وتضيع فرصتنا في الحوار الجاد حول تطوير الآليات أو هدمها أو بناءها. من الممكن والجائز أن ندعم النساء، وفي نفس الوقت نناقش إشكاليات الآلية المستخدمة. ومن الممكن أيضًا تكذيب شهادات بعينها، دون الهجوم الكامل علي حراك له أهميته، وإن كان ليس مثاليًا، بهدف تطويره.. الآن وهنا..في مصر. هذا هو السبيل الوحيد كي ننقذ أجسادنا وأرواحنا.
آراء أخرى
نسويات «سيئات»: نقد ذاتي في أزمة «العيش والحرية»
«في هذه اللحظة فشلنا في تطبيق ما رددناه نظريًا لسنوات طويلة، أن: «القضايا النسوية هي قضايا سياسية»»
من داخل الاستباحة: أسئلة عن العفو والعدالة
«لا سبيل غير الاعتراف بأن العلاقات الحميمية الرضائية بين بالغين ليست جريمة»
من وراء الشاشة: النسوية والأمل في 2020
«التشابه بين حدث 2011 وما يحدث الآن من تحرك وضغط نسوي هو فقط الشعور بالأمل والاحتمالات الممكنة.»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد