تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

من البوح للإنصاف.. الإزعاج وحده لا يكفي

إلهام عيداروس
15 دقيقة قراءة
من البوح للإنصاف.. الإزعاج وحده لا يكفي

ارتحتُ كثيرًا حين علمت بحكم المحكمة الاقتصادية بالقاهرة يوم 22 أبريل 2022 ببراءة الناشطة السياسية والصحفية والكاتبة، رشا عزب، من تهمة سب وقذف وتعمد إزعاج المخرج السينمائي، إسلام العزازي. لكن الارتياح حل محله الإحباط بعد أن استأنفت النيابة العامة على الحكم وتحدد 20 يونيو القادم لنظر الاستئناف. 

ما القصة أصلًا؟ 

القصة بدأت عندما نشرت مدوَنة نسوية تُسمى «دفتر حكايات» بين 7 و11 ديسمبر 2020 شهادات من ست نساء مُجهَّلات الهوية عن وقائع عنف جنسي متنوعة أقدم عليها المخرج المذكور، وهي الشهادات أرقام 16 و17 و18 و 19 و20 و21. تضمنت الادعاءات في الشهادات صورًا مختلفة من العنف الجنسي من التحرش اللفظي والجسدي والاعتداء الجسدي، وصولًا للاغتصاب تحت تأثير المخدر. كل صاحبات الشهادات إما رغبن في دخول مجال السينما، أو عاملات فيه بالفعل كممثلات أو كاتبات. هذه الشهادات ستة فقط من أصل 41 شهادة منشورة على المدونة حتى الآن، نُشرت الأولى منها في يوليو 2020، واشتهرت المدوَنة بشعار «نصدق الناجيات». وفي نفس تلك الفترة نُشرت شهادات شبيهة عن أشخاص آخرين من خلال وسائط معلومة ومُجهَّلة.

تنوعت ردود الأفعال على هذه الشهادات في الأوساط السينمائية خاصة أن فيلم «عنها» للمخرج المذكور كان مشاركًا في المسابقة الرسمية للدورة الثانية والأربعين، لمهرجان القاهرة السينمائي، التي كانت فعالياتها قد بدأت قبل نشر الشهادات بأيام. ناقش الكثيرون في الأوساط النسوية والحقوقية، وليس في وسط صناعة السينما فقط، إشكالية مصداقية وسيط مُجهَّل ينشر شهادات لنساء مُجهَّلات. لكن في حالتنا هذه، بعض الشخصيات المعروفة ذكرت بوضوح علمها بصدق بعض الشهادات، وأخص بالذكر المخرجة سلمى الطرزي التي كتبت في 8 ديسمبر أنها «شاهدة على صحة حادثتين من حوادث الناجيات/الضحايا اللي انتهكهم إسلام». يمكن قراءة الكثير من المنشورات الداعمة لصاحبات الشهادات والمهاجمة للمخرج تحت وسوم (#المخرج_المغتصب #عنه)  تضمنت أيضًا مطالبات للشركة المُنتجة ومهرجان القاهرة السينمائي باتخاذ موقف من العزازي. وفي المقابل، هاجم آخرون وأخريات الشهادات وصاحباتها والمدونة، مدافعين عن المخرج المتهم، بدعوى أن ما يحدث معه نوع من الاغتيال المعنوي، أو أن الشهادات لا تتضمن دليلًا على عدم الرضا، أو أن توقيتها سيئ للسينما المستقلة التي نجحت أخيرًا في التواجد بقوة على الساحة، مؤكدين أن هذه حملات تشهير «يغذيها غضب مكبوت وعنف جماعي» وأنه يجب «التحقيق فى هذه الوقائع قبل القفز للإدانة».

في رد المخرج على هذه الشهادات، في 10 ديسمبر 2020، دعا صاحباتها إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة «من أجل فتح تحقيق رسمي»، وحرص على نفي الشهادة الثانية التي أسماها بـ«حادثة التخدير والاغتصاب»، وهذا أمر لافت، حيث إن بعض المدافعين عنه في تعليقاتهم على هذه الشهادة، اعتبروا أن جلوس صاحبة الشهادة معه «تحتسى الخمر والمخدرات حتى فقدت الوعى» يعني أن هناك رضا من قِبلها. أما باقي الشهادات فرفض المخرج أن تتم إدانته بها «دون إفساح المساحة اللازمة للدفاع والتمحيص بأنصاف»، مؤكدًا على حقه في الدفاع عن نفسه أمام «جهة محايدة».

لم تعلن أي جهة قضائية أو سينمائية أي تحرك متعلق بالأمر سوى مهرجان القاهرة السينمائي، الذي أصدر بيانًا أكد فيه احترامه الكامل للمرأة، لكنه لن يغيّر شيئًا في ترتيبات عرض الفيلم ومشاركته احترامًا للجمهور والقواعد، أما «إذا ثبتت أي من الشهادات المُقدمة ضده، أو قُدمت ضده بلاغات رسمية تشير إلى صحة الواقعة سيجري استبعاد الفيلم من المنافسة في المسابقة الدولية». مسؤولان من المهرجان اتصلا أيضًا بالمخرجة سلمى الطرزي وسألاها عمّا تعرفه، وألغى المهرجان مؤتمرًا صحفيًا عن الفيلم بعد التنسيق مع صنّاعه. فسّر البعض فعل المهرجان هذا بأنه لتجنب المشاكل، وليس لإنصاف الضحايا. لا يمكن أن نعرف الدوافع على وجه اليقين، لكن المهرجان يبقى الجهة الوحيدة التي اتخذت موقفًا. كذلك نقلت الصحف أن فريق الفيلم اعتذر عن ندوة بعد عرضه دون توضيح الأسباب.

بعد عام كامل من نشر الشهادات، أعلنت المخرجة عائدة الكاشف، ورشا عزب، في 16 ديسمبر 2021، أن العزازي تقدم ببلاغ يتهمهما فيه بالسب والقذف والتشهير، وأن النيابة تحقق في الأمر. لاقت السيدتان الكثير من التضامن النسوي، يمكن قراءة بعض منه على وسوم منها (#مش_هتسكتنا#التضامن_النسوي_مش_جريمة). تضمنت الأفعال التضامنية قيام عدد من السيدات بالتوجه للنيابة في 28 ديسمبر 2021 ليقلن إنهن أيضًا نشرن الشهادات ضد العزازي وتضامن مع ضحاياه في محاولة لتوضيح أبعاد القضية وتصحيح مسارها أمام النيابة، لكي لا يتم تصيد عزب والكاشف وحدهما. وفي 29 ديسمبر 2021، أصدر اتحاد نقابات المهن التمثيلية والموسيقية والسينمائية بيانًا حول ضوابط القيام باختبارات أداء الممثلين (الكاستنج) مناشدًا جهات الإنتاج والأعضاء الالتزام بها.

أوضح العزازي لاحقًا أنه لم يتقدم بالشكوى ضد عزب والكاشف فقط، وإنما ضد «سبعة أشخاص». أحيلت عزب وحدها إلى المحاكمة، وحُدد لبدء محاكمتها موعد 26 فبراير الماضي أمام المحكمة الاقتصادية المُختصة بجرائم الإنترنت، وذلك بتهم السب والقذف وتعمد الإزعاج. اختلف المهتمون في تفسير أسباب إحالة عزب وحدها بين مَن يرى إن هذا بسبب نشاطها السياسي المعارض، ومَن يرى أن الألفاظ التي استخدمتها يمكن تكييفها قانونيًا كسباب أكثر من غيرها، لكن ضمن الآخرين الذين اتهمهم العزازي مَن لديهن نشاط سياسي معارض أيضًا، ويمكن تصنيف المنشورات التي هاجمته كلها على الأقل بالتشهير وتعمد الإزعاج حتى لو لم تتضمن سبًا. 

بعد الإحالة للمحاكمة، وحتى صدور حكم البراءة في 23 أبريل 2022، اتسعت حملة التضامن بشدة مع رشا عزب من أفراد ومجموعات نسوية وحقوقية مصرية ومن المنطقة العربية، وكذلك شخصيات ومجموعات سياسية مصرية كـ«الاشتراكيين الثوريين» وحزب «العيش والحرية» (تحت التأسيس) وصفحة «الموقف المصري» وشهدت جلسات محاكمتها حضور عدد كبير من المتضامنات، وأُضيف لوسوم التضامن (#نتعمد_الإزعاج) ردًا على التهمة الموجهة إليها بـ«تعمد إزعاج أو مضايقة [الغير] بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات».

الإحباط الذي أصابني عند معرفة خبر استئناف حكم البراءة لا يعود فقط إلى الخوف من تعرض رشا عزب للحبس أو الغرامة، وإنما أيضًا لأنه أعاد القضية لنقطة الدفاع عن امرأة متضامنة مع الناجيات من الوقائع المذكورة في الشهادات بدلًا من العمل على محاسبة المخرج وتحقيق العدالة والإنصاف لهؤلاء الناجيات. فماذا عطّل عملية المحاسبة هذه؟ لماذا لم يؤدِ الإزعاج الذي مارسته عزب ورفيقاتها إلى الإنصاف؟ 

ماذا كان يمكن أن يحدث في حالة المخرج؟ 

الكل يقول إن الإدانة تحتاج لتحقيق وتقصٍ، سواء داعمو المتهم أو داعمو الشاكيات/الناجيات. مدونة دفتر حكايات التي نشرت الشهادات أصلًا تؤكد في مبادئها وقواعدها التي تبنتها منذ إطلاقها أن «تصديق الناجيات هو شكل من أشكال الدعم [للضحايا] وليس دليل إدانة [للمتهم]» وإنهن صنعن هذه المساحة للنساء «لانتزاع حقنا في البوح.. آملات أن تكون هذه المساحة جزءًا من تعافينا» مؤكدات أنهن لسن «جهة تحقيق» ومسؤوليتهن «في حال رغبت الناجية في الوصول للدعم النفسي أو القانوني أن نوفر لها معلومات بالجهات.. التي يمكنها التواصل معهم» كما حذرن، في الوقت نفسه، من تبعات البوح النفسية والاجتماعية.

مِن المدافعين عن المخرج في بداية الأحداث مَن طوَّر خطابه لاحقًا بالتأكيد إلى ضرورة إيجاد «آلية للتحقيق فى أي واقعة تحرش بحيث تكون آلية متوازنة تعطي لكلا الطرفين حقه»، وأنه يمكن «أن يتم اللجوء إلى المجتمع المدنى لإجراء تحقيق»، خاصة بعد ما «حدث في قضية الفيرمونت من القبض على الشهود… وهو ما يضرب مواجهة قضية التحرش في مقتل». 

لكن لم يقل أحد مَن عليه مسؤولية إنشاء أو تحريك هذه الآلية؟ عائدة الكاشف التي اشتكاها المخرج أيضًا دون أن تُحال للمحاكمة كتبت ردًا على مَن طالبوا الشاكيات باللجوء للقضاء بأننا «جميعًا أمام أمر واقع، إما أن نشتبك معه بهدف تطويره... أو أن نصرّح برفضنا لأي مواجهة، ولأي نقاش حقيقي، ونطالب النساء بالتوجه إلي نظام قضائي/سياسي هو بطبيعته منحاز».

بالنسبة للآليات الرسمية الخاصة بالدولة، كان من الممكن أن تُفعّل الجهات القضائية الكثير. فأولًا: ما زالت الدولة لا تستجيب بشكل حاسم إلى محاولات المجتمع المدني لتطوير منظومة التعامل مع هذه القضايا، سواء بتبني مشروع القانون الموحد ضد العنف، والذي تطرحه قوة عمل مكونة من عدة منظمات نسوية، ويتبنى تعريفات وآليات مختلفة، أو بتطوير منظومة حماية الشهود والمبلغين تطويرًا حقيقيًا، وتكتفي بدلًا عن هذا بتغليظ عقوبات العنف الجنسي.

لكن، حتى في إطار نفس المنظومة القانونية القائمة، ودون استحداث تشريعات جديدة، كان هناك ما يمكن فعله. فالنيابة تجاهلت بلاغات المتضامنات الأخريات، ولم تحقق فيها، ولم تفتح تحقيقًا في الشهادات المنشورة أصلًا ضد المخرج. صحيح أن هذه الشهادات منشورة بصفة مُجهَّلة ولم تتقدم أي من صاحباتها بشكوى رسمية، لكن النيابة العامة من حقها فتح تحقيق في أي موضوع واستدعاء كل مَن له علاقة به من أجل جمع الأدلة، خاصة أن هذا أصبح يسيرًا بعد إنشاء «وحدة الرصد والتحليل» التابعة لإدارة البيان والتوجيه والتواصل الاجتماعي بقرار النائب العام في نوفمبر 2019 رقم 2376 لسنة 2019، والتي تتابع جيدًا القضايا التي تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي مثلما حدث في قضية أحمد بسام زكي، حين بدأت الوحدة «إجراءاتها بالفحص والرصد والتحليل تمهيدًا لعرض الأمر على السيد المستشار النائب العام لاتخاذ ما يلزم قانونًا» قبل أن ترسل أول شاكية شكواها للنيابة. هذه حادثة نادرة استخدمت فيها النيابة هذه الآلية لصالح ضحايا العنف الجنسي، لكنها تستخدمها كثيرًا بهدف «حماية الأمن القومي، والأمن القومي الاجتماعي، والقيم الأسرية المصرية» حتى أن آراءً حقوقية دعت لإلغاء هذه الوحدة التي تستخدمها النيابة العامة في «مراقبة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، حسب تصوراتها عن الشكل الأمثل للأخلاق» مثلما حدث في قضايا مُستخدمات تطبيق تيك توك. 

وبالنسبة لآليات العدالة الأخرى غير القضائية، وأعنى الآليات المؤسسية، فهناك أطراف كثيرة في مجال صناعة السينما كان يمكن أن تتحرك إن كانت معنية أو بها أشخاص مهمومين بتحرير مجال عملها من العنف والاستغلال للنساء، لكنها لم تتحرك. جميع المؤسسات، سواء كانت مهنية أو دراسية أو نقابية يكون لديها نظم أو لوائح تأديبية تتعلق بسلوكيات المنتمين لها، خاصة المتعلقة بأداء أعمالهم، وأحيانًا المُتعلقة بسلوكهم خارج نطاق العمل أيضًا. صحيح أن تطوير هذه النظم باتجاه المواجهة الفعالة للعنف الجنسي أمر ما زال يتطور ببطء، لكنه موجود وهناك تجارب في هذا الصدد في مؤسسات جامعية وحزبية وأهلية وأيضًا حكومية ونقابية، وإن تنوعت الفلسفات التي تحكمها والآليات التي تتبناها، وخاصة في ماهية المخاطبين بها ومسألة تحريك الشكوى، فبعضها لا يُلزم المؤسسة بأي تحرك إلا بعد أن تتقدم صاحب/ة الشكوى بشكواه/ا رسميًا، وغيرها يُتيح للمؤسسة، أو حتى يلزمها، بالمبادرة تجاه الضحايا المحتملين وتشجيعهم على تقديم الشكوى.*

أولًا: الشركة المنتجة لفيلم المخرج المُتهم بالتحرش والاعتداء، والتي استمرت في تمويل الفيلم لعدة سنوات كان يستخدم خلالها منزله لعمل كاستنج وعقد لقاءات مع نساء مهتمات بالسينما، لم تبدُ مهتمة بدعوة المتضررات للتقدم بشكاواهن إليها، أو حتى طورت سياسات لعدم حدوث ممارسات كهذه مستقبلًا. 

ثانيًا: المهرجانات التي شارك فيها الفيلم، مثل المهرجان القومي للسينما الذي استضاف المخرج في ندوة بمارس 2021 بعد نشر الشهادات، ومنح الفيلم ثلاث جوائز للإنتاج والديكور والتصوير. أما مهرجان القاهرة السينمائي فصحيح أنه الجهة الوحيدة التي اهتمت بالتجاوب مع القضية، لكنه وقف موقفًا سلبيًا بانتظار تقدم الشاكيات ببلاغات رسمية. لقد تبنى المهرجان في دورة 2019 سياسة لتمكين المرأة (ميثاق 5050) لكنه لا يتبنى سياسة لمناهضة العنف. 

ثالثًا: اتحاد نقابات المهن السينمائية، الذي أصدر في إطار الأزمة بيانًا بضوابط الكاستنج المُشار إليه سابقًا، لم يحدد آلية للشكوى من انتهاك هذه الضوابط، فلو أن إحدى صاحبات الشهادات أو غيرها من النساء قرأن هذه الضوابط وتشجعن على الشكوى، سواء من العزازي أو غيره، لأي جهة عليهن التوجه؟ وكيف ستُسمع شكاواهن؟ لا توجد سياسات معينة لتلقي شكاوى العنف الجنسي في نقابات المهن السينمائية، ولا تتحرك تجاه وقائع العنف الجنسي إلا بعد أن يحكم فيها القضاء حكمًا نهائيًا، كما حدث بقضية الممثل والمدرب شادي خلف الذي حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات لتحرشه بسبع شابات كن يتدربن على التمثيل بورشته لتدريب الممثلين، وأكدت «المهن التمثيلية» أن شطبه من النقابة لن يتم إلا بعد أن يستنفد جميع إجراءات التقاضي، فالحكم «من الممكن أن يُلغى أو يُنقض».

المجال السينمائي بشكل عام يبدو متجاهلًا بشدة للمطالبات المتكررة بتوفير بيئة حرة من العنف والاستغلال للنساء فيه (هناك شهادات أخرى على نفس المدونة متعلقة بمجال السينما أيضًا وهي أرقام 22 و34 و40) حتى أن طالبات من معهد السينما أردن المطالبة بتبني المعهد سياسة لمكافحة التحرش الجنسي في صيف 2020 -أي قبل نشر الشهادات المتعلقة بالعزازي أصلًا- فقمن بعمل حساب مُجهَّل على انستجرام باسم (Women of Cinema Institute) ولا يبدو أن هناك استجابة من أي جهة لمطالبهن هذه. 

حسنًا، الجميع إذن يطالب بالتحقق والتقصي والعدالة، لكن لا أحد يتحمل مسؤولية إنشاء أدوات وآليات العدالة هذه وجعلها آمنة ومقبولة لأصحاب الشكاوى. وفي الحقيقة هذه الإشكالية ليست قائمة في قضية العزازي فقط. نظرة على الشهادات المنشورة على «دفتر حكايات» تُبين أن معظمها يتيح بسهولة للجهات التي ينتمي لها المُتهم معرفة هويته، رغم أن المدونة لا تنشر سوى الأحرف الأولى. من هذه الحالات، شهادة رقم 10 ضد «مدرس فيزياء في مركز الإبراهيمية في محافظة الشرقية اسمه (م د)»، وتستطيع الإدارة التعليمية معرفته من خلال التفاصيل الواردة في الشهادة. والشهادة رقم 11 ضد (ع أ ر خ)، طبيب تغذية، عيادته في منطقة راقية بالقاهرة، تستطيع نقابة الأطباء معرفته. والشهادة رقم 38 ضد جراح وجه وفكين ومعيد جراحة بكلية طب أسنان بإحدى الجامعات الخاصة، ويمكن للنقابة أو الجامعة معرفته من خلال التفاصيل الواردة أيضًا، لكن اللافت للنظر أن صاحبة هذه الشهادة تقول إنها أبلغت بالفعل مديره فهددها بدوره، «ھنعمل ضدك 10 محاضر حتى لو محاضر كیدیة، و ھددني إنھم ھیشتكوني في الشؤون القانونیة في الكلیة عشان یوقفوا تعییني». وحين توجهت للنقابة، رهنوا أي تحرك من جانبهم بتقدمها بشكوى للنيابة العامة وصدور قرار منها. والشهادتان 12، ضد (أ ص)، و25، ضد (خ ص)، في مجال الصحافة. والشهادة رقم 14 ضد المدير الفني لمدرسة للمسرح الاجتماعي والجسدي تقع بإحدى الجمعيات في القاهرة (م و) وفي هذه الحالة قامت صاحبة الشهادة قبل النشر بالحديث مع رئيس الجمعية التي ترعى مدرسة المسرح، وتم فتح تحقيق اعتبرته صوريًا، وكان موقفه عدائيًا منها، وحين توجهت لقسم الشرطة قالوا إنها ليست أول شكوى من المكان، لكن النيابة حفظته. ومن الشهادات الفجة التي تكاد لا تنطبق سوى على شخص واحد الشهادة رقم 31 ضد موسيقي وعازف عربى (ن ش)، وتتضمن ادعاءات بالتحرش الجنسي واستغلال النفوذ، وكذلك إهدار المال العام في سبيل التقرب لصاحبة الشهادة. 

حاولتُ التقصي بقدر الإمكان حول تبعات ما نُشر في هذه المؤسسات تجاه هؤلاء الأشخاص، سواء بالبحث على الإنترنت، أو سؤال أشخاص يعملون في هذه الأماكن، لأعرف إن كان كل هذا البوح ترتب عليه تحركات معينة أم لا. والحالات الوحيدة من بين حالات المدونة التي عرفت إنه حدث فيها تحرك أو رد فعل ما هي: 

- الشهادة الأولى ضد (م ن) وكانت صاحبتها قد نشرتها بالفعل على صفحتها الشخصية باسمها قبل أن ترسلها للمدونة. لم يتم تحقيق في هذه الواقعة بالتحديد، لكن المؤسسة الأهلية التي كان يعمل بها الشخص المتهم وصاحبة الشهادة دخلت بعد ذلك في عملية لتقصي الحقائق تناولت تجاوزات إدارية وجنسية مختلفة. 

- الشهادات أرقام 23 و24 و29 و30، التي نُشرت خلال ديسمبر 2020 ضد المدون (و ع) وتضمنت ادعاءات بعنف جنسي وتصوير نساء وإطلاع آخرين على صورهن الخاصة دون علمهن، قام أحد المواقع الصحفية الذي يكتب له، موقع «المنصة»، بإعلان وقف التعامل تمامًا معه لأنه «انتحل مقال نشره به عام 2017». لم يذكر الموقع شهادات التحرش الجنسي المثارة ضده، وحرص على توضيح أنه تلقى «الشكوى التي حملت هذا الادعاء [ادعاء الانتحال وسرقة مقال] يوم أمس فقط»، ربما لدحض تخمينات ستأتي في أدمغة الكثيرين حول توقيت التخلص منه رغم أن نفس الموقع يتبنى سياسة لمناهضة التحرش والتمييز منذ مارس 2020.

- الشهادات أرقام 2 و3 و4 و5 و6 و7 و9 التي نشرت ضد صحفي استقصائي (هـ ع) خلال أغسطس 2020 (عُرف لاحقًا أنه فبرك شهادتين منها لكي يشكك في مصداقية المدونة) سببت إزعاجًا كبيرًا، ونتج عنها ردود فعل كثيرة، منها تشكيل مجموعة صحفيات مصريات التي طالبت جميع المؤسسات التي يعمل بها بفتح تحقيق معه، ومنها نقابة الصحفيين المصرية على أن يتوقف التعاون معه في تدريبات لحين انتهاء التحقيق وتشكيل لجنة مستقلة ومستدامة للمرأة داخل نقابة الصحفيين، وإقرار نقابة الصحفيين سياسة لمكافحة التحرش والعنف الجنسي. تم تشكيل لجنة المرأة بنقابة الصحفيين بالفعل في أبريل 2021، لكن طبيعة دورها ما زالت غير واضحة. كذلك لم تتبنى النقابة سياسة مكافحة العنف التي طالبت الصحفيات بها. وبالنسبة للصحفي نفسه، فشلت محاولات إيصال موضوعه للقضاء فلم تُقدم أي من صاحبات الشهادات بلاغًا ضده، وكذلك فشل التحقيق معه بنقابة الصحفيين. ويبدو أن معظم المؤسسات التي كان يعمل معها فضلت الصمت أو التخلص منه دون تحقيق واستماع للشاكيات، ما عدا مؤسسة واحدة على الأقل قامت بالتحقيق الداخلي معه هي الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، وأخرى (أريج) ردت بشكل دفاعي في البداية -بل حجبت حسابات إلكترونية تضامنت مع الضحايا- لكنها لاحقًا أعلنت بدء تحقيق وتبني سياسات جديدة، لا أعلم ماذا تم فيها، فيما أسمته صحفية تقصت الأمر جيدًا «فشل القانون وتردد المؤسسات»، وهو توصيف معبر، ليس فقط عن هذه الحالة، وإنما حالات كثيرة من التي نُشرت على المدونة وغيرها.

وأخيرًا، ربما تكون بعض المؤسسات التي ينتمي لها أفراد من المتهمين في المدونة قد تحركت في اتجاه العدالة والإنصاف أو توجهت للشاكيات أو المدونة، ولم يعلن عن ذلك أو لم نعرفه.

ختامًا، التجاهل ليس في كل مكان، فهناك حالات ترتب فيها على الإزعاج محاولات لتحقيق الإنصاف.. حالات تمت بالفعل لمؤسسات بادرت بالتحرك والتوجه للسيدة المتضررة عندما نما إلى علمها الوقائع قبل أن تصلها شكوى منها، وفشلت أو نجحت بدرجات مختلفة، وبعضها يحاول التعلم من التجربة، لكنها لم تتجاهل الأمر تمامًا. ليس فقط في المجتمع المدني أو الأوساط الديمقراطية (السياسية والصحفية والأهلية… إلخ) وإنما أحيانًا في مؤسسات رسمية. بعض هذه الحالات مذكور في تقرير لمؤسسة القاهرة للتنمية بعنوان «لجان التحقيق المستقلة تعبير عن واقع مأزوم»، الذي اعتبر أن هذه اللجان رغم إشكالياتها الكثيرة «أحد الأشكال المبتكرة التي صنعها المجتمع المدني المصري لتلعب دورًا تعويضيًا عن المعوقات القانونية التي تحول دون حصول الناجيات من العنف على حقوقهن المشروعة». ومن الحالات التي تمت في مؤسسات رسمية قضية ياسين لاشين، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، والتي انتهت بفصله من الجامعة عام 2019، وبدأت مجرياتها أصلًا بانتشار تسجيل صوتي له يهدد ويبتز امرأة مجهولة عام 2017.

هناك ما يمكن أن يقوم به المناهضات والمناهضون للعنف لينتقلوا بحكايات النساء من البوح إلى العدالة، لا سيما داخل الهيئات التي ينتمي لها المتهمون. لكن معظمهم يضطر -وفي حالات يختار- إلى الاكتفاء بالقيام بدور الإزعاج في المساحات العامة كوسائط التواصل الاجتماعي، دون حشد الأنصار والحلفاء في الهيئات المختلفة، وممارسة الضغط على أصحاب القرار والإدارات التي من مصلحتها عادة تجاهل الشهادات وغيرها من الأصوات المزعجة للناجيات والمتضامنات معهن. فالبوح وحده ليس كافيًا للتعافي -على الأقل ليس لكل الناس- بل ربما يسبب الإحباط للضحايا حين يجدن أنهن بذلن جهدًا كبيرًا لإعادة سرد الأذى الذي تعرضن له أو تكبدن مخاطرة شخصية كبيرة دون أي تبعات على الجناة.. دون أي عملية للمحاسبة وتحقيق العدالة. وأيًا كانت أشكال ومدارس العدالة التي نتبناها ونسعى إليها (عقابية أو إصلاحية أو تعويضية إلخ)، من المهم في رأيي أن يكلل جهد وعناء البوح هذا بعدالة ما لتحقيق الإنصاف للضحية في الواقعة المعنية، وأيضًا لتغيير سلوك الجاني، وفي المجتمع بشكل عام. خاصة أن الأمر قد لا يتوقف عند الإحباط من تجاهل الحكايات فقط، بل أيضًا قد يؤدي للعقاب، ليس فقط للمتضامنات مثل رشا وإنما الشاكيات أنفسهن. 

* انظر على سبيل المثال المادة 6.3.3 من مسودة سياسة مناهضة العنف الجنسي الصادرة عن حزب العيش والحرية (تحت التأسيس)، مارس 2020. 

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).