تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

لقد كسرنا حاجز الصمت.. ثم ماذا؟

ياسمين الرفاعي
6 دقيقة قراءة
لقد كسرنا حاجز الصمت.. ثم ماذا؟

منذ حوالي أسبوعين، اقتحم بواب وصاحب عقار وجيران السيدة داليا -أي على الأقل ثلاثة رجال- شقتها في حي السلام في القاهرة، بناءً على شكهم في إقامتها لعلاقة جنسية أو لممارسة جنسية ما مع أحد الضيوف. ضربوها وألقوا بها من النافذة أو أرعبوها لدرجة أنها قفزت بنفسها. حاد البيان الصحفي للمجلس القومي للمرأة عن مغزى المشكلة، حيثُ قال إنه قد عُثِر على جثمان داليا «بكامل ملابسها». وذكرت الصحف أن النيابة قد أمرت بإجراء فحص مهبلي لجثمانها.

قبل ذلك بأسبوعين آخرين، سُرِبَت مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي طال انتظاره. لم تقدم المسودة أي شيء طمحت إليه النساء من أجل تحسين مكانتهن القانونية، في الواقع أنها تعصف بهذه الطموحات في مناحِ عدة. فالمسودة تنتقص من حق النساء -المُنتَقَص بالفعل- في الولاية القانونية والمالية والتعليمية على أنفسهن وعلى أبنائهن: حيثُ إن بلوغ السن القانوني ليس كافيًا حتى تستطيع امرأة تزويج نفسها. وكونها أمًا لطفلِ ليس كافيًا حتى تتمكن من فتح حساب بنكي له/ا، أو من الموافقة على إجراء عملية، أو من تسجيل أبنائها في المدرسة/ فمن الضروري أن تحصل الأم على توكيل من والد الطفل أو على مستند من المحكمة حتى تتمكن من القيام بذلك.

قوبِلَت مسودة القانون بعاصفة من الانتقادات من منظمات حقوق المرأة ومن حملة #الولاية_حقي، والتي تضمنت آلاف من قصص لنساء ينازعن من أجل امتلاك ذواتهن كإناث وكزوجات وكوالدات.

تزامن الحداد على داليا، التي ماتت في ما يمكن وصفه بجريمة شرف، مع الحملة ضد قانون الأحوال الشخصية المُقتَرَح، وأصرت النساء على أن الظلمين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا. ففي حادثة قبيحة، أعطى كل من الدولة والمجتمع ضربتين للنساء في وقتِ واحد، وفي مواجهة ذلك، ربطت النساء هذين الظلمين وقدمهما باعتبارهما حزمة من المظالم التي تجعل بعضها البعض ممكنة: حقوق مواطنة مُنتَقصة، وافتقاد للتحكم بالجسد والجنسانية، وعنف، ورقابة مجتمع قاهرة ومُجندرة، وقيم أسرة.

كانت هذه الارتباطات موجودة على الدوام. قُبِض على نساء التيك توك وحوكمن لأنهن يصنعن المال بطرقِ لم تفهمها الدولة ولأنهن لا ينتمين للطبقة المسموح لها بالتدلل والرقص أو بالتواجد الجنسي على الإنترنت. قالت إحداهن أنها تعرضت لضغط حتى تخضع لكشف عذرية أثناء احتجازها (ولكنها رفضت). في مجتمع أبوي بشكل معلن، تحكمه سُلطات معتادة على ارتكاب انتهاكات بلا رادع، تصبح بعض الأكواد والثنائيات التي تحكم أجسادنا وحيواتنا غير مرئية.

التحدي يكمن في مواجهة هذه المشكلات المختلفة والانتهاكات والمظالم المتكررة، دون إغفال المصفوفة الأكبر التي يشكلون جزءًا منها. ربط قتل داليا العنيف بقوانين الأحوال الشخصية يبني على الزخم العام -والموجود غالبًا على الإنترنت- حول التحرش الجنسي، ولكنه أيضًا يمثل تحولًا موضوعيًا، أو امتدادًا له، بعيدًا عنه.

العنف الجنسي هو عَرَض للأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي تُميز لصالح احتياجات وآراء الرجال على حساب النساء. إنه يثير مشاعر وردود أفعال قوية، بدءًا من التعاطف مرورًا بالغضب ووصولًا للشعور بالحاجة لفعل شيء ما. وللمفارقة، أنه أيضًا جريمة تُمكِن للأنظمة الأبوية أن تدينها علنيًا، ويمكننا رؤية هذه الأنظمة وهي تعمل على مناهضتها: على الرجال الدفاع عن نسائهم، على القوانين الدفاع عن أمهات وبنات الأمة، يُسلم الأفراد الجناة للبوليس لملاحقتهم، تفتح النيابة تحقيقات تقودنا بسهولة بعيدًا عن بُنى السلطة. قد تُكسر المسلمات، ولكن في العقاب القانوني والاجتماعي المُحاك بشكل مسرحي لجريمة فردية، نصبح كلنا متحدون في جلد الرجل المذنب بينما نحافظ على النظام القائم.

إن الحديث عن العنف الجنسي أمرٌ مٌكلف. حديث الضحية أمرٌ مكلف. إنه أمرٌ مكلف بالنسبة للنساء اللاتي يشعرن بأنهن مدعوات للتضامن، خاصةً على منصات التواصل الاجتماعي المُراقبة والمليئة بالتصيد. إنه أمرٌ مكلف بالنسبة للجمهور العام، حيثُ يستعيد الكثير منه صدماته السابقة مرة أخرى. والأكثر من ذلك، يغرقنا العنف الجنسي، حيثُ يصبح مشهد آخر: حديث النساء عن الاغتصاب يصير القصة في حد ذاتها.

تبعت آلاف الشهادات التي نُشِرَت وشورِكت منذ الصيف الماضي جدالات رجعية ومرهقة، وقد كانت قوية ومُعزية للكثيرين، وألهمت مطالبات بتحسين آليات المحاسبة في الجامعات وأماكن العمل. أطلق الكثيرون عليها، عن عمد وعن تمني، ثورة نسوية. ولكننا لم نتطرق بعد للمشكلات الأوسع التي تجعل العنف الجنسي متفشيًا في المقام الأول. فبالتركيز عليه كمشكلة منعزلة، نصبح عالقين، ويبدأ تصويره باعتباره أصل اضطهاد النساء، عوضًا عن النظر له كَعَرَض. يصبح من الأسهل أيضًا التعامل معه باعتباره مشكلة أفراد -رجال أشرار ورجال طيبون، ناجيات قويات وأخريات ضعيفات.

لقد رأينا ذلك يحدث خلال التجسيدات المختلفة لحركة مي تو (#metoo)، وفي الحراكات الأقدم حول التحرش. يمكن إرجاع ذلك جزئيًا لأن العنف الجنسي يستلزم الكثير من الطاقة والانتباه في حد ذاته، ولكن يمكن أيضًا إرجاعه لأن العنف الجنسي معركة مُوَحِدة -سطحيًا على الأقل. التوافق حول وقوع الاغتصاب ونبذه لا يعطي أرضية مشتركة واسعة بما يكفي تمكننا من التطرق للمشاكل الهيكلية التي تستديم الاغتصاب في المقام الأول. للقيام بذلك، علينا تخطي فكرة أن هناك نوعًا واحدًا من النسوية. تميل الدولة والإعلام التقليدي وغالبًا منظمات المجتمع المدني والحركات النسائية إلى ترسيخ صورة ولهجة وأجندة موحدة لحقوق النساء. تعطينا منصات التواصل الاجتماعي نظرة مؤطرة بشكل فردي حول ما  تناقشه النساء؛ الأشخاص الذين يبيعون لنا أشياء ويشكلون هوياتنا كمستهلكين كانوا دائمًا على استعداد لاختيار المُثُل النسائية والنسوية وجعلها مُدِرَة للأموال. تُسمَع بعض الأصوات على حساب أصوات أخرى، تصبح بعض المفردات هي  الوحيدة المقبولة. يمكننا رؤية بعضٌ من ذلك -نبذ المصطلحات المسيئة على سبيل المثال- كخطوة للأمام، ولكن جمود الخطاب واللغة لا يصبح إقصائيًا فحسب، ولكنه يمتلك تأثيرًا مُحدِدًا لتفكيرنا وخيالنا، ولتواصلنا نفسه مع الوقت.

هناك خوف من أنه إذا بدأت النساء في الانتباه لآرائنا المختلفة حول الدين، والأسرة، والاقتصاد والنظام السياسي، سنصبح في مواجهة مسارات متضاربة، متمثلة في بعض الثنائيات المُتَصَورة: النسوية العلمانية التي تركز على الحريات الاجتماعية في مقابل رؤى النسوية الإسلامية حول الطريقة التي تجب أن تكون عليها هذه الحريات. أو النسوية التي تتحرك* في الأطر التي يسمح بها النظام في مقابل تلك التي ترى الرأسمالية في حد ذاتها أصل لمشكلاتنا. تشير زميلة لأنه في مواجهة الأبوية نبحث عن طرق من أجل التصرف بشكل مُوَّحد، لأن الوحدة تُرى كقوة وتعطينا قدرة معينة على التفاوض. على سبيل المثال، نتعامل مع الضحايا بشكل معين، ونتوقع منهن التفاعل مع الاعتداء بطريقة معينة، ونُبرِز طريقًا معينًا للتعايش والتعافي، مصورات إياه باعتباره الأفضل والأقوى. وأحيانًا نتجاهل أو نرفض الضحايا إذا كانت ردود أفعالهن لا تتماشى مع تصوراتنا (سلمى الطرزي مثالًا، حيثُ كتبت مقالًا عن واقعة اغتصابها وهوجِمت من قِبَل القراء الذين استبعدوا كلامها باعتبارها تعاني من متلازمة ستوكهولم). يصبح هذا هو الموقع الذي نعتقد أننا قادرات على التفاوض من خلاله مع النظام الأكبر، مما يبقينا في إطار رد الفعل -حيثُ نتحرك، ليس بناءً على احتياجاتنا ورؤانا، ولكن بناءً على الطريقة التي يرانا بها النظام وعلى ما يسمح به. وبذلك نعيد إنتاج تراتبياته وإقصائه.

بالطبع كسرت النساء حاجز الصمت حول العنف الجنسي، ولكن ماذا بعد؟ ماذا نريد أبعد من إنهاء الاغتصاب؟ التحرر الجنسي؟ المساواة القانونية؟ الاشتراكية؟ رأسمالية أفضل؟ الأناركية؟ النقاشات التي تسمح بهذه الاختلافات لن تقودنا للأختية أو لأجندات موحدة، ولكن من الممكن أن تحفز اشتباكًا ما مع القضايا السياسية والاجتماعية الأكبر التي تبقينا مهمشات. إذا كنا نصدق أن مواجهة العنف الجنسي يمكنها أن تكون طريق من أجل التحرر الأوسع، علينا إذن السؤال: بخلاف الاعتقاد بأن الاغتصاب أمرٌ سيء، ما الذي يوحدنا؟

*في النص الأصلي بالإنجليزية «lean in» ومعناها الحرفي الإتكاء على. lean in هو توجه نسوي ليبرالي أمريكي دعت إليه شيريل ساندبرج في كتابها اتكئي على الطاولة: النساء والعمل وإرادة القيادة (lean in: women, work, and the will to lead) «وقد ذكرت فيه ما يتعين على النساء القيام به للانتقال إلى مكانة أفضل في عالم العمل: المضي قدمًا، وإظهار الثقة، و «الجلوس على الطاولة" والإتكاء عليها ليجعلن أنفسهن مسموعات».

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).