تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

معضلة الفلسطينيين: لكي تكون حياتهم مهمة

إبراهيم الهضيبي
14 دقيقة قراءة
معضلة الفلسطينيين: لكي تكون حياتهم مهمة

تُصور عملية عسكرية شديدة التعقيد بعنوان بسيط. في 7 أكتوبر، أطلقت حماس صواريخ على المدن والمستوطنات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، فيما مزق عشرات من مقاتلي الحركة السياج الحدودي، وهاجموا الوحدات العسكرية واقتحموا المستوطنات، ما أسفر عن مقتل وأسر وإصابة مئات الإسرائيليين. سرعان ما تبعهم سكان غزة من غير المقاتلين، معظمهم من اللاجئين من القرى والبلدات الواقعة على الجانب الآخر من السياج، الذين سارعوا، حين علموا بأمر اختراق السياج، إلى إلقاء نظرة خاطفة على قراهم وبلداتهم وحقولهم. انتبه المشاركون في مهرجان موسيقى سايترانس استمر طوال الليل في الأراضي الزراعية الريفية القريبة إلى اندلاع أعمال العنف. وأثناء محاولتهم الفرار عبر طريق يربط بين نقطتي تفتيش إسرائيليتين، واجهوا مجموعات مختلفة من الفلسطينيين. فقُتِل العديد من غير المقاتلين، ونُقِل آخرون إلى غزة كرهائن.

ليصبح العنوان الرئيسي على الفور «مسلحون يقتلون المشاركين في مهرجان موسيقي».

ولتضخيم التناقض، تعمل آلة الدعاية الإسرائيلية على نشر سلسلة من الأكاذيب. قيل لنا إن الميليشيات الفلسطينية تذبح الأطفال الرضع وتغتصب النساء وتقطع رؤوس غير المقاتلين. وبدأت وسائل الإعلام الكبرى في اجترار هذه التقارير، وادعى الرئيس جو بايدن كذبًا، في مساهمةٍ منه في هذا الكم الهائل من الأكاذيب، أنه رأى صورًا مفجعة لقطع الرؤوس. وحين أُلح على البيت الأبيض في طلب الأدلة، تراجع عن ادعاءات الرئيس، واعترفت الحكومة الإسرائيلية بعدم قدرتها على تأكيد التقارير. لكن انتشار هذه الأكاذيب لم يتوقف. وهي تشكل الرسالة الأساسية لحملة إعلامية ترعاها الحكومة الإسرائيلية. والرسالة، على صفحات الافتتاحيات والإعلانات عبر الإنترنت والبيانات الرسمية، تتلخص في ثلاث كلمات: «حماس هي داعش». لقد أصبح معنى الرسالة واضحًا. سوف تفعل إسرائيل «كل ما يلزم» للدفاع عن نفسها، بما في ذلك تدمير غزة.

ولم تكن إسرائيل يومًا بحاجة إلى عذر لقصف غزة أو قتل الفلسطينيين. فمنذ عام 2008، شنت أربعة حروب مختلفة على القطاع المكتظ بالسكان. ولديها تاريخ أطول في قتل الفلسطينيين والإفلات من العقاب. وفي العام الماضي وحده، أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي النار على أكثر من 200 فلسطيني غير مقاتل، بينهم أطفال ومسعفون وصحفيون. ولم يترتب على عمليات القتل هذه أي تداعيات سياسية أو قانونية.

إن ما تلتمسه الحكومة الإسرائيلية من «المجتمع الدولي» بمواصلتها الكذب ليس الموافقة على ما ترتكبه من عمليات القتل. إذ إن أدنى انتهاك للقواعد المفروضة من إسرائيل يكفي للحصول على هذه الموافقة. وكما قال أحد المعلقين: يمثل الوقوف في صف المستعمِرين «رد فعل لا إرادي متجذر بعمق في الذاكرة العضلية للغرب». بل إنها تلتمس الموافقة على عمليات التطهير العرقي وجرائم الحرب التي ترتكبها الآن على العلن باسم الإنسانية.

حيوانات على هيئة بشر

إن التغطية الإعلامية عن الوفيات ليست متماثلة. عند إعداد التقارير عن الجانب الفلسطيني، ينحصر تركيز وسائل الإعلام الكبرى على الأرقام. فبعد مرور أسبوع على اندلاع أعمال العنف، قيل لنا إن إسرائيل استخدمت ما يعادل ربع قنبلة ذرية لتدمير أكثر من 750 مبنى سكنيًا و89 مدرسة، ومحو مجموعات سكانية بأكملها، بينها 47 أسرة على الأقل. وقد فر أكثر من مليون فلسطيني من منازلهم، وبسبب الحصار المفروض من إسرائيل، من المتوقع أن يكون الوقود نفد من المستشفيات بالفعل. كل ذلك أرقام. لا وجوه. لا أسماء. لا سرد. من السهولة بمكان تحويل أرواح الفلسطينيين إلى إحصاءات. لكن حين تُصور حياة الإسرائيليين بالأرقام للتشديد على هول الكارثة، فإن الأرقام لا تستخدم للتعبير عن الأرواح. بل يصاحبها تقارير متعمقة ولقطات فيديو ومقابلات، خاصة مع المشاركين في المهرجان الموسيقي، ما يجعلها مؤثرة، وتكشف عن السعادة والحيوية اللتان قُطِعتا، فضلًا عن المعاناة والصدمة والرعب والموت الذي جلبه المقاتلون الفلسطينيون إلى المشهد. يجري التذكير بهم كأشخاص، وليس كأرقام.

وهذا ليس ببساطة الفرق بين الحياة القيمة للمدني والحياة البغيضة للمسلح. ينبغي لنا أن نتذكر أن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين في غزة، والبالغ تعدادهم 2.2 مليون نسمة، هم من غير المقاتلين الذين مُسحوا من مشهد الصراع، إلى جانب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين المسلحين. إنما هذا هو الفرق بين الإسرائيلي والفلسطيني. وبفضل التصورات الشائعة، فإن الفريق الأول، حتى حين يكون جنودًا في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليسوا معتدين أبدًا (ونادرًا ما يكونوا مقاتلين). لكن الفريق الأخير، وبغض النظر عما إذا كان مقاتلًا أم لا [والفلسطيني في الخطابات الشائعة ذكوري بالإجماع، حتى ولو لم يكن صحيحًا في بعض الأحيان]، فهو ليس مدنيًا حقًا. وفي حين تنبع هذه الخطابات عادة من القانون الدولي الذي يعرف فيه المدني بأنه فرد ليس عضوًا في القوات المسلحة أو فرق المتطوعين أو الميليشيات، فإنها تقدم في الحالة الإسرائيلية معايير فضفاضة لتعريف المدني.

لا يمكن للفلسطيني أن يكون مدنيًا، ليس لأنه مقاتل بالضرورة، بل لأنه غير متمدن/متحضر. إن تقاليد الاستشراق الراسخة والمنتشرة تحيله بدائيًا وغير عقلاني وعنيفًا ومتعصبًا. ومن خلال محو غير المقاتلين ونشر الأكاذيب الفارغة عن عمليات القتل، فإن تصوير الصراع الحالي لا يسفر إلا عن إدامة هذا التصور. فإن الفلسطينيين، على حد تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي، ليسوا إلا «حيوانات على هيئة بشر».

يخدم هذا التصوير غرضين. أولهما، تبرير قصف إسرائيل وحصارها لغزة. إذ لو كان الفلسطينيون مدنيين، فستشكل سياسات إسرائيل انتهاكًا واضحًا للملحق الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف الذي ينص «لا يجرد السكان المدنيون من صفتهم المدنية وجود أفراد بينهم لا يسري عليهم تعريف المدنيين». ولكن لأن الفلسطينيين مجرد حيوانات على هيئة بشر، فلا يجوز لهم أن يكونوا مدنيين، ونتيجة لهذا فلا ينبغي لأحد أن يستفسر جديًا عما اتخذه الجيش الإسرائيلي من التدابير لتجنب قتل الأطفال. ما من أزمة إنسانية لأنه ما من بشر.

لكن كون الفلسطينيين حيوانات على هيئة بشر لا يبرر قتلهم فحسب. بل يفرضه. فهو، غير المتحضر، أسر المدنيين والجنود المتحضرين، واحتجزهم كرهائن. وعلى إسرائيل واجب أخلاقي بتحريرهم. والسبب واضح: فإن الاحتجاز لدى المسلحين الفلسطينيين «أسوأ من الموت». ويقال لنا إن هؤلاء المسلحين لا يفرقون بين المختطفين المقاتلين وغير المقاتلين الذين يُحتجزون معًا «في غرفة مظلمة والله يعلم عدد من فيها، ويُعرضون للترهيب في كل دقيقة»، وليس لديهم طعام أو ماء. باختصار، هؤلاء البرابرة متهمون (من دون أي دليل) بإبقاء المختطفين تحت الظروف نفسها التي تعترف إسرائيل بفرضها على سكان غزة كافة.

وهذا يهدد بهدم الفرق بين المدني وغير المدني. وللحفاظ على هذا الفرق، تلجأ الدعاية الإسرائيلية مرة أخرى إلى مؤشر مختلف، ألا وهو النوايا. يقال لنا إن الجيش الإسرائيلي، بصفته متحضرًا، لا يستهدف كقاعدة عامة غير المقاتلين، ولا تهدف سياساته إلى إيذائهم. وإذا قُتلوا أو أصيبوا، فذلك لأن الجيش كان مجبرًا على ذلك بسبب حرصه الشديد، بحكم مكانته كجيش متحضر، على تحقيق النصر وتقليل خسائره إلى أدنى حد. ومن ثم يغدو قتل الفلسطينيين أضرارًا جانبية. ومن ناحية أخرى فإن المقاتل الفلسطيني ليس قادرًا ولا راغبًا في التمييز بين المدني والمقاتل. لكن الأهم من ذلك أن هذا الفرق في النوايا لم يبحث، بل افترض. وينبني التصوير القائم للشرق على أنه غير متحضر.

ثانيًا، إن استحضار هذا التصوير للشرقي كحيوان على هيئة بشر يقدم تفسيرًا جاهزًا لعنفه، وبالتالي يحجب أسبابه السياسية والاجتماعية. فهو، بطبيعته، غير عقلاني وغير متسامح ومحب للانتقام، ويجب إدانة عنفه ومكافحته، وليس تحليله. وهذا موضوع متكرر في النضال الفلسطيني. وكما يذكرنا حاجي رام في كتابه «صهيون المنتشية»، استخدم الصهاينة نهجًا مماثلًا في ردهم على الثورة العربية في الفترة 1936-1939 التي اندلعت بسبب الدعم البريطاني للمشروع الاستعماري الصهيوني من أوروبا إلى فلسطين، والصعوبات الاقتصادية وخيبة الأمل في القيادة الفلسطينية. وفي طمس هذه الأسباب العديدة، أرجعوا الثورة إلى «الجنون العنيف» الناجم عن نشوة الحشيش الذي يجرد متعاطيه من إرادته، ويحوله إلى أداة في خدمة كل من يسعى للتلاعب به. في الأسطورة الاستشراقية الأصلية التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر، كان هذا المتلاعب هو حسن الصباح، مؤسس فرقة الحشاشين، الذي كان -كما تقول الأسطورة- يزود أتباعه بالمخدرات ويتلاعب بهم لأداء «أعمال مروعة» من العنف. وفي فلسطين في القرن العشرين، كان المتلاعب هو زعيم الثورة السوري، عز الدين القسام. وعلى هذا النحو، ومن خلال استحضار هذه الأسطورة التي تعود إلى قرون مضت، تمحى الأسباب السياسية للثورة، وتُفسر بأنها مظهر من مظاهر الجنون العنيف لمتعاطي الحشيش، سلف الحيوان البشري.

(اللا)حياة في السجن

تدعي إسرائيل أنها في حالة دائمة من الدفاع عن النفس. وحتى إن جيشها العامل في الأراضي المحتلة يسمى «جيش الدفاع الإسرائيلي». وحروبها على الدوام دفاعية (وإن أفضت إلى احتلال وضم أراض جديدة) وغاراتها وقصفها وغزوها وغير ذلك من العمليات العسكرية دفاعية على الدوام أو استباقية أو انتقامية، وليست هجومية قط. أما الفلسطيني بالمقابل، فمعتد على الدوام. وما تورده «رويترز» عن «تسلسل زمني للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين في غزة» مثال واضح على هذا. يبدأ التسلسل بقرار إسرائيل «الانسحاب من جانب واحد» من غزة في عام 2005، ويتبعه سلسلة من الحروب التي أشعلها العنف الفلسطيني في شكل إطلاق صواريخ أو أسر جنود.

ومن الواضح أن السردية تتواصل عبر ترتيب معين من العوائق الزمنية ترد مناقشتها أدناه. بمجرد إزالة هذه العوائق، لا يعود من الممكن فهم حروب إسرائيل على أنها حروب دفاعية. عندئذٍ لا تبدأ السردية «بالانسحاب» الإسرائيلي من غزة، بل بتدفق المستوطنين اليهود الأوروبيين، وما أعقبه من تدمير للحياة والقتل الجماعي للفلسطينيين وإنشاء مستعمرة استيطانية.

ولكن حتى من دون إزالة هذه العوائق (الضرورية)، فإن الادعاء بأن العنف الإسرائيلي دفاعي لا يصمد أمام النظرة الفاحصة. فهو لا يكتفي بمحو بعض جولات القصف الإسرائيلي (في السردية أعلاه، على سبيل المثال، نوبة الجنون الإسرائيلية الناتجة عن هزيمة جيشها في لبنان في صيف عام 2006، وقرارها بقصف غزة لاستعادة سمعتها والتعافي من آثار الإذلال)، بل يعتمد أيضًا على تعريف ضيق للغاية للعنف يقصره على استخدام القوة العسكرية. إن احتمال العنف الوحشي هذا قائم باستمرار في غزة. وبينما يُمارس دوريًا، فإنه يترافق مع شكل آخر من أشكال العنف. وهو شكل أقل وضوحًا وأكثر انتشارًا، ويأخذ مجراه عبر مؤسسة نموذجية أخرى للاحتلال الإسرائيلي: المؤسسة القانونية.

كان انسحاب القوات الإسرائيلية المذكور أعلاه من غزة في عام 2005 بمثابة بداية لهذا العنف. يذكر المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي، في كتابه «السجن الأكبر على وجه الأرض»، أنه من خلال تفكيك المستوطنات الإسرائيلية في غزة وفصل المجتمعات الفلسطينية والإسرائيلية، تمكنت قوات الاحتلال من فرض المزيد من القيود على حركة الفلسطينيين، ما أحال غزة إلى سجن شديد الحراسة عمليًا. وفي هذا السجن المفتوح، خلقت إسرائيل ما وصفه أشيل مبيمبي بعوالم الموت، أو «أشكال من الوجود الاجتماعي تخضع في ظله أعداد كبيرة من السكان لظروف معيشية تُضفي عليهم حالة الأموات الأحياء».

ارتكزت سياسة إسرائيل في المقام الأول على السيطرة على، والضبط المستمر لـ، تدفقات الموارد المعيشية. وفي أعقاب فوز حماس الانتخابي في عام 2006 مباشرة، اقترح أحد مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي فكرة فرضِ «حمية غذائية على الفلسطينيين، ولكن من دون جعلهم يموتون من الجوع». وسرعان ما تحول هذا الاقتراح إلى سياسة. يوضح إيال وايزمان، في كتابه «أقل الشرور الممكنة»، هذا التحول. في عام 2007، وبعد وقت قصير من سيطرة حماس على غزة في انقلاب استباقي لتجنب استيلاء فتح عسكريًا على الحكومة، أعلنت الحكومة الإسرائيلية نيتها «الحد من حركة البضائع إلى قطاع غزة، والحد من إمدادات الوقود والكهرباء، والحد من حركة الأشخاص من القطاع وإليه». وزعم الإسرائيليون أن الغرض من سياسة الموت هذه هو الضغط على سكان غزة من خلال خفض مستوى حياتهم وبالتالي إجبارهم على اتخاذ إجراءات ضد حماس. كان تدفق غذاء الناس والحيوانات ووقود الآلات إلى القطاع في انخفاض، وهو ما كان مقدمة للحصار الكامل المفروض الآن على الحيوانات على هيئة بشر.

سرعان ما عُرضت المسألة على المحكمة العليا الإسرائيلية. وفي وقت لاحق من عام 2007، قدم محامو حقوق الإنسان التماسًا لزيادة المخصصات التي كانت بالفعل أقل مما رأته الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية ضروريًا: ما مجموعه 140 ميجاواط من الكهرباء، وحمولة 900 شاحنة من الإمدادات أسبوعيًا، بما فيها حمولة 625 شاحنة من المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، وحمولة 275 شاحنة من «المواد الضرورية الأخرى» مثل احتياجات النظافة الشخصية والمنزلية، والمنظفات وغيرها من المؤن. وردًا على ذلك، وعد ممثلو جيش الاحتلال المحكمة بأن التخفيض المستمر للمخصصات سيجري بالتنسيق مع خبراء في الأمن والقانون الدولي والعمل الإنساني والهندسة الكهربائية، مع الحفاظ على الاتصال مع «وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية ومكاتب الصحة الفلسطينية التي ستساعد في تحديد ما إذا ظهرت أي مؤشرات على تطور أزمة إنسانية». واستندت الحسابات إلى الأساليب نفسها التي استخدمها نظام العقوبات على العراق بقيادة الولايات المتحدة. لقد وقفت إلى جانب الجيش ضد محامي حقوق الإنسان. وأشارت إلى الفرق بين الإسرائيليين [المدنيين]، الواجب حماية حقوقهم، و«المنظمات الإرهابية التي تقاتل ضدهم»، وهم ليسوا مدنيين، وبالتالي يمكن المساس بحقوقهم.

لا يزال التحكم في إمدادات الطاقة وتخفيضها مستمرًا إلى يومنا هذا. إن نقص الطاقة الآلية يعرقل قدرة الفلسطينيين في غزة على زراعة أراضيهم، ويتسبب في فشل المؤسسة الطبية، ويؤثر في جودة المياه الصالحة للشرب في القطاع، أما نقص الطاقة البشرية والحيوانية فإنه يساهم في سوء التغذية وما ينتج عنها من أمراض. وعلى الرغم من انتشاره الواسع، يظل هذا العنف أكثر إنسانية (وبالتأكيد أكثر قانونية) من العنف الفلسطيني الانتقامي الذي يتجلى في اختراق الحدود لتهريب أجهزة تنقية المياه والفيتامينات، أو بناء الأنفاق للهروب من أكبر سجن في العالم، أو محاولة تحييد آلة الحرب التي تُنصب باستمرار ضدهم. وفي سياق الحرب الحالية، قامت إسرائيل بتصعيد هذا العنف: فرض حصار كامل على غزة مبررة إياه بأنه ضرورة عسكرية تفرضها حاجة إسرائيل للدفاع عن نفسها. فصار عدد القتلى والأزمة الإنسانية الناتجة عن ذلك مسألة ثانوية.

جدران زمنية

إن العنف الإسرائيلي مفهوم على الدوام، حتى إن كان مستهجنًا. ويبدو أن السبب وراء ذلك أنه يندرج في رواية تاريخية مفهومة: الدفاع عن الكيان السياسي اليهودي ضد تهديد وشيك. وكما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي لبايدن في مكالمة هاتفية متلفزة، «نحن» لم نشهد هذه الدرجة من «الوحشية» كالتي في الهجوم الفلسطيني «منذ الهولوكوست». يساعد التصوير المذكور سابقًا للصراع على استدعاء هذا التاريخ. وبذلك، تستبق إسرائيل الانتقادات الأوروبية بطريقتين: تذكير أوروبا بجرائمها ضد مجتمعاتها اليهودية ونسج رواية تجعل العنف الفلسطيني استمرارًا لمعاداة السامية الأوروبية وإسرائيل الوريث الشرعي لضحايا الهولوكوست. إن الصدمة والضعف الناتجان عن هذا الاستدعاء يبرران أيضًا جرائم الحرب المستمرة. فهي في نهاية المطاف تخوض معركة وجودية للدفاع عن النفس، ولا ينبغي لنا أن نقيس حجم رد فعلها في ضوء التقييم الموضوعي للقوة العسكرية الفلسطينية، بل في مواجهة الصدمة الجماعية التي تنتقل عبر الأجيال نتيجة الإبادة الجماعية.

بالمقابل، لا يندرج العنف الفلسطيني في رواية تاريخية مفهومة. وليس السبب أن الفلسطينيين بلا تاريخ. في الواقع، فإن التطهير العرقي في عام 1948، والنزوح القسري في عام 1967، من بين فظائع أخرى، موثق جيدًا وليست محل خلاف. لكن هذا التاريخ ليس له مكان في الحاضر. إنه ينتمي بالأحرى إلى الماضي. وإذ يعترف هنري سيجمان «بالتطهير العرقي ومذبحة المدنيين في حرب الاستقلال»، فإنه يصر على أن هذا الماضي «لا يضفي أي شرعية» على العنف المتأصل في النضال الفلسطيني من أجل الاستقلال.

كيف يمكن للمجازر التي ارتكبها الإسرائيليون (المستقبليون) بعد الحرب العالمية الثانية بحق الفلسطينيين، على أرض فلسطين، أن تُبعد إلى الماضي، في حين تجد الفظائع بحق اليهود الأوروبيين في أوروبا قبل وفي أثناء الحرب مكانًا لها في الحاضر؟ جدار الفصل العنصري الزمني يسمح بهذا التمييز. إنه يعطل التدفق الطبيعي للوقت الذي يجعل كل اللحظات متساوية وتُشكل بالتساوي احتمالات اللحظات اللاحقة.

ومن خلال التحكم في تدفق الزمن، يُنتج الجدار الزمني الذي بنته إسرائيل أزمنةً موازية. إن اللحظات التأسيسية، بما فيها «حرب الاستقلال» و«حرب الأيام الستة»، هي انقطاعات تخلق حقائق جديدة. إنها تُقيم حدودًا زمنية جديدة لا يجب تجاوزها. ويجري إنتاج هذه الحدود وحمايتها باستمرار عبر الخطابات القومية والأنظمة القانونية وغيرها من «الحقائق على الأرض». وهي تزداد مع كل تجريد جديد من الملكية، يتبعه مباشرة إقامة جدار زمني جديد يُبعد هذا التجريد إلى الماضي. ولكن خلف الحدود الأخرى، ليس تلك التي تحجب تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم، يكمن تاريخ مختلف، توراتي وحديث. وهذا التاريخ هو الذي يتدفق إلى الحاضر.

إن عسكرة هذه الحدود الزمنية تديم صورة النضال الفلسطيني بوصفه انعكاسًا للعنف غير العقلاني. ومن المنظور الفلسطيني، لا يمكن إبعاد الإرهاب الإسرائيلي إلى الماضي. إن الجماعات الإرهابية كالهاجاناه أو الإرجون أو شتيرن، أو وريثها، جيش الاحتلال الإسرائيلي، لم تُجبرهم فحسب على الخروج من منازلهم ومدنهم وقراهم قبل 75 عامًا أو 55 عامًا أو عامين. بل إن العنف الإسرائيلي يحرمهم من حقهم في العودة إلى هذه البلدات والقرى نفسها كل يوم منذ ذلك الحين. لكن هذا العنف المستمر يُمحى لأن الفعل الأولي المتمثل في التجريد من الملكية يُبعد دائمًا إلى الماضي. فبدلًا من فهم العنف الذي يمارسه الفلسطيني على أنه محاولة لتحييد القوة التي يتعين عليه أن يحسب لها حسابًا كل يوم، يُفهم في الغالب الأعم على أنه عنف غير عقلاني ينبع من رغبة الشرقي في الانتقام وعدم قدرته على المسامحة.

إن الجدران الزمنية أيضًا مكون أساسي في إنتاج المدنيين الإسرائيليين. إذ يُبرئ إبعاد اللحظات التأسيسية إلى الماضي أعضاء المنظمات الإرهابية الإسرائيلية المذكورة أعلاه صاحبة الدور المركزي في التطهير العرقي لفلسطين عام 1948، وكذلك أولئك الذين ارتكبوا جرائم حرب في التاريخ الحديث. فبوسع المرء أن يذبح آلاف المدنيين اللبنانيين بصفته ضابطًا في الجيش، على سبيل المثال، وبعد ذلك، بمجرد إبعاد هذه الحرب إلى الماضي، يصبح ذلك الضابط رئيس وزراء مدني، وليس مجرم حرب. وفي حين أن المئات، إن لم يكن الآلاف، من الضباط الإسرائيليين يقتلون غير المقاتلين ويرتكبون جرائم ضد الإنسانية ثم يعبرون الحدود ليصبحوا مدنيين محميين، فإن الفلسطينيين ليس لديهم مجال للخلاص.

حياة الفلسطينيين مهمة

لا توجد وجهة نظر موضوعية يمكن من خلالها رواية هذا الصراع. يجب على كل رواية إما أن تقبل التصورات الاستشراقية للشرق أو ترفضها، وأن تقيم الجدار الزمني أو تفككه، وتوسع تعريفها للعنف أو تقلصه. بمجرد قبول التصور الاستشراقي، وإدامة الجدار الزمني الإسرائيلي وتقليص تعريف العنف إلى قوة السلاح الغاشمة، يفقد الفلسطينيون إنسانيتهم.

ومن المنظور الاستشراقي، لن يكون أي عدد من الحقائق كافيًا لاستعادة إنسانية الفلسطينيين أو حتى تعقيد الصورة البسيطة للإرهابي الفلسطيني عديم الرحمة وهو يقتل المدنيين الإسرائيليين المسالمين. لقد أدان قادة حماس، على عكس نظرائهم الإسرائيليين، قتل المدنيين وأخبروا قناة «الجزيرة» أنهم أصدروا تعليمات للمسلحين «بعدم قتل المدنيين، أو النساء، أو الأطفال، أو كبار السن»، لكن لا يبدو أي من هذا مهمًا. كما أن إطلاق سراح رهينة وأطفالها، أو اللقطات التي تؤكد التركيز على أهداف عسكرية، أو شهادات الرهائن المفرج عنهم وشهود العيان، لا تكفي، على أقل تقدير، للتشكيك في التوصيف النمطي للمستشرق المتعصب. لا شيء، من هذا المنظور، يمكن أن يجعل من الفلسطيني إنسانًا أو مدنيًا غير مقاتل. وما دام هذا المنظور قائمًا، فإن حياة الفلسطينيين لن تكون ذات أهمية على الإطلاق.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).