تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

معركة غزة.. إسرائيل تسيء التقدير والفصائل الفلسطينية تنتزع صورة النصر

محمود بشير
9 دقيقة قراءة
معركة غزة.. إسرائيل تسيء التقدير والفصائل الفلسطينية تنتزع صورة النصر
قصف قطاع غزة الفلسطيني في 11 مايو 2021 تصوير: رويترز

جاءت تهديدات كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية حماس من غزة لرئيس الحكومة الإسرائيلية المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو برفع يده عن القدس والمقدسيين، ولجم المستوطنين عن انتهاكاتهم العلنية تحت حماية قوات الشرطة الإسرائيلية، بعد نحو أسبوعين من الصدامات والعربدة على المقدسيين في الأيام الأولى من شهر رمضان، كماراثون خطابي خاضع، بالاعتقاد الإسرائيلي الخاطئ، لتوازنات اتفاقات التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، برعاية مصرية- قطرية، فيما كانت إسرائيل تحاول الاحتفاظ بمشهدية حاولت تصويرها تحقيقًا لسياستها في عزل الفلسطينيين عن بعضهم البعض، بالمستويين الجغرافي والسياسي، في كل من الضفة الغربية والقدس بجدار الفصل العنصري، وقطاع غزة من خلال إحكام قبضة الحصار.

إلا أن ذلك أعقبه مشاهد آتية من زمن بعيد لم يأتِ بعد، عشرات آلاف المستوطنين يحملون الرايات الزرقاء، يتشتتون في كل حدب وصوب على وقع صفارات الإنذار، بعد ظهر العاشر من مايو الماضي، يوم مسيرة توحيد أورشليم، وعبر الشاشات التي توثق وطأة الاحتقان في الجزء الشرقي من مدينة القدس: حماس تنفذ تهديداتها حال عدم إخلاء المسجد الأقصى من المستوطنين وإنهاء التوتر، وتبادر بإطلاق صواريخها نحو القدس، بعد مهلة أخيرة مدتها ساعتين، وجهها قائد القسام محمد ضيف، لم ترضخ لها عقلية إسرائيل المشبعة بالكبرياء.

عُني نتنياهو، بدرجة ما، بمشهد تفريق مسيرة المستوطنين في القدس. منح نفسه، وهو مشكوك في أمره، فرصة تحويل الأزمة من أزمة أمنية مركزها القدس إلى أزمة عسكرية مع غزة تفتح الباب واسعًا أمام تصعيد ميداني عسكري في غزة، والتي بدورها استفادت من عنوانٍ جامعٍ على المستوى الداخلي، يبرر سلاحها ويمنحه ضرورة ومشروعية الدفاع عن المدينة المقدسة.

تدرك الفصائل الفلسطينية بغزة، وعلى رأسها حركة حماس، أن ذلك بمثابة إعلان بدء مواجهة يمكن لها أن تجلب الويلات لشعب غزة ولعمرانها، وتجربتها في التعافي من ثلاث جولات من العدوان تلقتها غزة بأكتافها العريضة، خلّفت دمارًا تطلب إعادة بناؤه سنوات ومليارات الدولارات. إلا أن قراءة في المشهد السياسي والحكومي الإسرائيلي، تجعل من السهل توقّع انهيار التهدئة بين الفصائل وإسرائيل، خاصة في ضوء تهرّب إسرائيل من التزاماتها تجاه غزة، وأن الحرب قادمة ولكنها بانتظار شرارة البدء، والتي جاءت في خطوة فوّتت على نتنياهو فرصة مباغتتها بضربة تحقق نسبة كبيرة من أهداف إسرائيل بالحرب. كان نتنياهو بيّت نيته في شنها مسبقًا، لعلها تساهم في تشكيل تكتل يميني صهيوني يمكّنه من البقاء على كرسي رئاسة الحكومة، بعد عجزه عن ذلك خلال أربع جولات متتالية من انتخابات الكنيست. كان سببًا رئيسيًا في عجزه هو الإخفاق بإيقاف تنقيط الصواريخ على مدن الجنوب المحاذية لغزة.

رغم ذلك، لا يزال سؤال المواجهة يملك وجهًا آخر، لكنه مشروع، هل كان لدى إسرائيل نية مُبيتة في هذه الحرب أم هي جرت إليها؟

تختلف الآراء في ذلك. مثلًا يقول لنا الباحث السياسي ورئيس مجموعة الحوار الفلسطيني في إسطنبول، صادق أبوعامر، إنه بالنظر إلى كثافة القصف الإسرائيلي والقذائف التي انهالت على المؤسسات الإدارية لحكومة حماس ومقراتها الأمنية والعسكرية، والموزعة في جميع أنحاء محافظات قطاع غزة في الأيام الأولى للحرب، مسببة بذلك خسائر بشرية ومادية جسيمة، فهناك ما يشير إلى أنه بالفعل لدى إسرائيل استراتيجية تتجاوز الأهداف العملياتية لمسار المعركة، ولكن سير المعركة وإجراءات الفصائل ساهما بفقدان إسرائيل قدرتها على خلق أهداف جديدة، ما دفعها لتكثيف ضرباتها للجمهور الفلسطيني في غزة وحاضنة الفصائل الاجتماعية، من خلال تكثيف القصف على منازل المدنيين والأبراج السكنية التي احتوت على مكاتب مراكز ومؤسسات إعلامية محلية وعالمية.

تمثلت أهداف إسرائيل العملياتية تحديدًا من العدوان على غزة، وفق ما قاله أبوعامر، بجانب طرح موضوع إعادة الإعمار كأداة ابتزاز جديدة تهدف للضغط على قيادة المقاومة لتحييد قوة المقاومة في قطاع غزة فلسطينيًا، أيضًا محاولة تدمير قدرات الفصائل ضمن الهدف العملياتي الذي يرتكز بصورة أساسية على استهداف منظومتي التصنيع العسكري والأنفاق. 

ويضاف إلى ذلك كله، ضرب البنى التحتية المدنية، بشقيها، الحكومي الرسمي والإداري لأنها (إسرائيل) تسعى لعرقلة قدرة حماس على إدارة قطاع غزة ما بعد الحرب، في سياسة شبيهة بما استخدمتها ضد السلطة الفلسطينية إبان انتفاضة الأقصى، من خلال تركيز استهدافها هذه المرة على مؤسسات ووزارات ورثتها حماس من السلطة بعد أحداث الانقسام يونيو 2007، بالإضافة للبنوك ومراكز أخرى. أشار أبو عامر كذلك إلى أن ذلك يعتبر مؤشرًا خطيرًا جدًا على طبيعة الأهداف والعملياتية والاستراتيجية، بالأخص إذا ما دققنا النظر بالشق الثاني، وهو تدمير البنى التحتية مثل الشوارع والمصانع والقدرات المدنية، والذي يعني أنه لن تكون غزة وحتى خمس سنوات بأقل تقدير، قادرة على استعادة وضعها السابق. هذا إذا افترضنا أن عملية إعادة الإعمار بدأت اليوم. 

وتلك هي مساحة الضغط في المرحلة المقبلة التي ستحاول إسرائيل ومعها الشركاء الدوليين في تشديد قبضتها فيها، حين يبرز ملف إعادة الإعمار كأولوية بعد إغراق قطاع غزة بمزيد من الأزمات الإضافية على أزمة البطالة والطاقة والصحة والإسكان وغيرها من الأزمات السابقة لبدء العدوان. 

بيد أن حماس، ومعها بقية الفصائل، احتفظت بجزء مهم وكبير من قدراتها التسليحية خصوصًا المنظومة الصاروخية التي راكمتها على مدار 15 سنة ماضية. بخلاف نجاح قوى المقاومة في تحريك الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية وأراضي 48، وصولًا إلى الشتات الفلسطيني والذي ظهر جليًا في خطاب الفصائل أثناء المعركة، تجسيدًا لهدف الترابط والوحدة بين الساحات الفلسطينية على اختلاف ظروفها السياسية والأمنية، بما يعاكس تمامًا الأهداف الإسرائيلية، ما ساهم في إرباك إدارة المعركة في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، والتي أظهرت تسجيل الفصائل أهدافًا مباشرة في مرمى تلك المؤسسة عبر الأداء القتالي المشرّف للفصائل الفلسطينية، والتي أخفقت القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية بالرغم من تفوقها أن تقدر تمامًا ما بحوزة قوى المقاومة، بخلاف النتائج المباشرة للمعركة التي نجحت بها الفصائل في شل نحو 70% من الحياة العامة في إسرائيل خلال أيام العدوان الأحد عشر، والحظر الجوي على مطار بن غوريون ومطار رامون اللذين طالتهما الصواريخ الفلسطينية، وهذا ما لا تستطيع إسرائيل احتماله.

تعمد الاحتلال الإسرائيلي تصفية أكبر عدد ممكن من المقاتلين ضمن صفوف المقاومة في كل تصعيد على غزة، غير المدنيين ممن لا دخل لهم بسير عمليات التصدي للعدوان، والحروب الثلاثة الماضية التي شنها على القطاع شاهدة على ذلك، في سياسة واضحة لطبيعة الاستهداف الإسرائيلي وتأثيره على الكتلة العددية للفصائل، من خلال رفع فاتورة الدم من أبناء الشعب الفلسطيني.

المختص المصري بالشأن الإسرائيلي، محمد الليثي، يقول لـ «مدى مصر»، إن في غزة ما يسمى بالمقاومة بالإنجاب، وهي سياسة قديمة لدى الفلسطينيين بالقطاع حيث ترتفع نسبة الإنجاب لدى الأسر، والتي تصل إلى ثمانية وعشرة بناء لدى الأسرة الواحدة، متفوقين أيضًا على الضفة الغربية وباقي فلسطين في نسبة الإنجاب، إيمانًا منهم بالقضية وإن كل فلسطيني منهم مشروع شهيد؛ فلذلك تعمل الأسر على رفع نسب الإنجاب لمقاومة ممارسات الاحتلال وسياسة القتل والاغتيال الذي يتبعها. 

ويضيف: «ليس لدى إسرائيل سوى ما فعلته أمام الفصائل الفلسطينية، وهذا ما حدث في الحروب السابقة. والاحتلال يدرك جيدًا أن تنفيذ عملية برية سيأتي له بمزيد من الخسائر مثلما حدث من قبل، كما أن ما فعلته الفصائل لم يكن عنصرًا مفاجئًا بشكل كبير للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لأن اشتعال الأوضاع والتصعيد في هذا التوقيت تحديدًا لعبة سياسية من رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الذي يواجه أزمات داخلية».

ويوضح الليثي «حاول نتنياهو الهروب إلى الأمام بهذا التصعيد الذي يتأكد فيه أن المقاومة لن تظل صامتة أمام ما يحدث؛ وهو قصد ذلك.. ولكن كثافة الضربات الصاروخية ودقة الاستهداف من قبل المقاومة هو الأمر الذي كان جديدًا هذه المرة، وسبب قلق واضطراب داخل إسرائيل أكثر من المطلوب لدى نتنياهو». 

أساءت المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل قراءة الموقف، وأخطأت بتقديرها للحظة، بإمكانية دخول المعركة والخروج بالصورة التقليدية التي سعت للحفاظ عليها، صورة الردع التي تفاجأت بفقدانها في هذه المواجهة، ويدلل على ذلك تحويلها حملتها العسكرية على غزة إلى حملة عقاب جماعي تستهدف الحاضنة الشعبية للفصائل الفلسطينية وللبنى التحتية المدنية، حيث نفذت الأهداف الميدانية في الأيام الأولى للمواجهة، ولم يعد بإمكان إسرائيل تحقيق ما هو أبعد من ذلك.

كما فرضت المتغيرات في سير المعركة على الطرفين، ضرورة وقف إطلاق النار، في الوقت الذي اتسعت فيه الفجوة بين مطالب الفلسطينيين والإسرائيليين والأهداف الميدانية للمعركة، وبات من الصعب تحقيقها، فالفصائل الفلسطينية لا تملك القوة لإجبار إسرائيل على تنفيذ ما تريد من مكاسب سياسية وميدانية، كما أن إسرائيل وقعت تحت ضغط مجريات المعركة، والضغط العالمي والعربي لوقف نزيف الدم الذي أسالته في غزة.

الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، محمد جميل، يرى أن ما فعلته إسرائيل بإعلان وقف إطلاق النار، كيفما نظرنا له، يعتبر رضوخًا للحالة الفلسطينية في كل المواقع، وسببه أن إسرائيل تبين لها خلال المواجهة أنها أخطأت التقدير والتفاعل بتحويل المعركة إلى مواجهة صاروخية، كما أن الدخول الفلسطيني أربك إسرائيل خلال المواجهة ولم تستطع أن توجد حلولًا تخرجها من حالة الارتباك التي سببتها التغييرات خلال المعركة، ما اضطرها للبحث عن فترة استراحة قد تطول، للإجابة على سؤال ما العمل الآن؟ ولتتمكن من الانصراف لحصر التداعيات المترتبة على المواجهة، والتي كانت مواجهة لصلب الفكرة الاستعمارية في فلسطين.

ويقول جميل أيضًا إن ما ساهم بزيادة حالة الضغط على إسرائيل، هو موقف الأطراف العربية، وتحديدًا مصر والأردن، المغاير عن المواقف التقليدية، خصوصًا إذا ما قارناها بالموقف ذاته إبان العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2014، وبالتالي فإن المعنيين العرب لم تكن مواقفهم مشجعة لإسرائيل بأن تستمر بعملية التصعيد في كل المواقع الفلسطينية، ويضاف إلى ذلك أيضًا الموقف الأمريكي الذي كان مغايرًا، إلا أن ذلك لا يعبر عن تضامن أمريكي مع الفلسطينيين أو تغير في سياساتهم تجاه القضية الفلسطينية نتيجة اختراقٍ ما في الرأي العام الأمريكي، إنما هو تعبير عن فجوة وأزمة في العلاقة بين إسرائيل ومؤسسات الدولة العميقة الأمريكية، واللوبي الصهيوني في أمريكا، وسببه أن تلك المؤسسات ضاقت ذرعًا بالتوجهات اليمينية للحكومات الإسرائيلية.

الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني هاني حبيب، يستشرف وجهًا آخر لسماح الولايات المتحدة لإسرائيل لإطالة أمد المواجهة، حتى بعد نفاد الأهداف الميدانية ذات الجدوى العسكرية والأمنية، والتي أصبحت عنفًا غير مبرر وجهته صوب الأبراج السكنية والمزيد من الضحايا المدنيين، الهدف منه هو إضعاف حركة حماس، من خلال الكثافة النارية والبدء بما انتهت به حرب 2014 بتدمير الأبراج، مشبهًا ذلك بالضوء الأخضر الذي منحته الولايات المتحدة لإسرائيل إبان حرب يوليو 2006 في لبنان، حيث منحت ضوءًا أخضرًا بالاستمرار بالعدوان للقضاء على «حزب الله»، واتضح فيما بعد بأنه كان رهانًا خاسرًا أدى للوصول لقرار مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار، وهو القرار الذي منعت خروجه إلى النور الإدارة الأمريكية هذه المرة، لثلاث مرات خلال المواجهة، بهدف تمكين نتنياهو من الحصول على صورة انتصار ساحق، فشل في إنجازه.

أذى جسيم جدًا ألحقته الضربات الإسرائيلية بالقدرات الاقتصادية الفلسطينية في غزة، وهي محاولة لتوجيه الضغط الشعبي والمجتمعي إلى شيء من الضغط على قرار حماس السياسي، في محاولتها لإعادة إعمار القطاع، ستصبح هي القضية الأبرز وسيكون لها ثمنًا سياسيًا ثقيلًا جدًا.

يقول حبيب لـ«مدى مصر»: «بعد أن نخرج من حالة النصر الشعبوية، والتي تغذيها الجماهير وأجهزة التعبئة والتحشيد الفصائلية، سيتفاجأ الناس بهول المأساة، وهول الأزمة وعدم القدرة على معالجتها. لنا تجارب سابقة في إعادة الإعمار أظهرت غياب الشفافية واستغلال الأموال لصالح بعض الأطراف، حيث إن الأموال لا تصل إلى مستحقيها، وحالة فساد تدعمها الجماعات الفئوية المسيطرة على الأمور المالية والضرائب، وبعد مدة، سيشعر المتضررون بمدى عمق الأزمة، حيث من الصعب إيجاد حلول، ما يجعلنا عرضة للابتزاز والضغط من قبل أطراف عديدة، من أجل معالجة ولو نسبية للبنية التحتية».

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
مارينا كالكولي

تفاهة التطبيع (1-3)

«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).