تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

أسباب تركيا ومصالح مصر 

إبراهيم عوض
7 دقيقة قراءة
أسباب تركيا ومصالح مصر 

خلال الأسابيع الأخيرة، تواترت أنباء عن انفتاح السلطات التركية على إعادة العلاقات الطبيعية مع نظيرتها المصرية. يصعب التأكد من صحة كل الأنباء المنشورة، إلا أن أول نبأ ذا دلالة كان عن تلقي مسؤول أمني مصري مكالمة هاتفية من نظيره التركي عبر فيها الأخير عن رغبة حكومة بلاده في استئناف الاتصالات مع السلطات في مصر. غير أن أهم تلك الأنباء كان التصريح العلني لوزير الخارجية التركي عن وجود اتصالات بين البلدين على المستويين الاستخباري والدبلوماسي، وهو ما رد عليه وزير الخارجية المصري قائلًا إن العلاقات الموجودة هي من خلال القنوات الطبيعية، مردفًا «إذا ما وجدنا هناك تغييرًا في السياسة التركية تجاه مصر وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وانتهاج سياسات إقليمية تتوافق مع السياسة المصرية، قد تكون هذه أرضية ومنطلق للعلاقات الطبيعية».

ولم يمض أسبوع على تصريح الوزير المصري، إلا وكانت السلطات التركية تصدر تعليماتها للقنوات الفضائية لجماعة الإخوان المسلمين التي تبث من تركيا، بأن تخفف انتقاداتها للسياسة المصرية ولرئيس الجمهورية تحديدًا، في رواية، وأن توقف تمامًا برامجها السياسية وتتحول إلى قنوات للمنوعات، في رواية أخرى. سواء كان هذا استجابة للشرط الذي عبر عنه وزير الخارجية المصري أو كان إجراءً ضمن خطة وضعتها الحكومة التركية مسبقًا، فالنتيجة واحدة، وهي أن السلطات التركية عدَّلت سياستها، ونزلت على ما تريده الدولة في مصر. أما وأن ذلك قد حدث، فإنه يمكن توقع تحسن في العلاقات بين البلدين لا بد أن يكون موضعًا للترحاب، غير أنه يثير سؤالين يجدر التفحص في الإجابة عنهما حتى تنشأ علاقات صحية بين الجانبين.

السؤال الأول، عن الأسباب التي جعلت الرئيس التركي، الذي ازداد تطرفه الإيديولوجي في السنوات العشر الأخيرة على الأقل، يغير بشكل حاد في اتجاه دفة علاقاته بمصر. والثاني هو عن مصالح مصر في العلاقات التي يفترض أنها ستأخذ في التحسن.

ردًا على السؤال الأول، يمكن افتراض أن ثلاثة عوامل اشتركت في دفع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى تغيير اتجاه دفته، وهو تغيير يتعدى مصر وحدها. العامل الأول، هو سقوط الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي كانت تربطه به علاقات ودية دافئة، جعلت إدارته تتغاضى، كعادتها في عديد من البلدان، عن ممارساته السلطوية ومحاولاته للهيمنة على المجتمع السياسي التركي، بل وشجعته صراحةً أو ضمنًا على بعض مغامراته في المنطقة الممتدة من سوريا حتى ليبيا. في المقابل، الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، شديد الانتقاد لنظيره التركي، حتى قبل توليه الرئاسة، وزادت الأزمة بينهما مع اعتزام تركيا، عضو حلف الأطلسي وذات ثاني أكبر جيش فيه، شراء صواريخ إس 400 المضادة للطائرات من روسيا. 

وبينما تقع مكافحة الممارسات السلطوية المقوضة للديمقراطية حجر أساس في بناء الرئيس بايدن، فهي ليست بالضرورة لسبب أخلاقي، وإنما لأنه يجد في هذه المكافحة جانبًا من شرعيته الداخلية والخارجية. الشرعية الداخلية في مواجهة الشعبويين، وأنصار تفوق الجنس الأبيض من أتباع الرئيس ترامب، والشرعية الخارجية المستمدة من جاذبية النموذج السياسي التعددي والديمقراطي في مواجهة النموذج الصيني المتميز بكفاءة الأداء الممتزجة بالصوت الواحد للحزب الواحد غير المبالي بالحريات السياسية. التنافس بين النظامين، أصبح ذا بعد جيوسياسي بحيث لا يمكن للرئيس الأمريكي أن يتخلى عن نموذجه، أو على الأقل عن الخطاب المصاحب لنموذجه، بسهولة. أدرك الرئيس التركي ذلك، والبيّنة هي إصدار حكومته لخطة عمل لحقوق الإنسان في مطلع مارس الجاري، وتصريحه هو شخصيًا أن «هدفنا هو تعزيز مفهوم دولة القانون المستندة إلى حقوق الإنسان»، وتعهده بمراجعة القوانين وتطبيقها بما يتفق مع ذلك، وإضافته أن تركيا نتيجة لذلك ستُسرع من محادثاتها مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني أن الرئيس التركي في سبيله أيضًا إلى تحسين علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، والتي كانت قد توترت، خاصة مع بعض الدول الأعضاء فيه مثل فرنسا.

إصدار خطة العمل لحقوق الإنسان، يُحيل إلى العامل الثاني، وهو السياسة الداخلية التركية. في المعارضة التركية من حمّل الرئيس التركي مسؤولية تدهور العلاقات مع مصر. والمعارضة التركية تكسب أرضًا، والانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد سنتين بالكاد، في يونيو 2023. بالرغم من ممارساته السلطوية، فإن الرئيس التركي لا يستطيع التلاعب بالانتخابات. في الانتخابات الرئاسية سنة 2018، بالكاد حصل على 52.6% من الأصوات، وحصل حزبه، العدالة والتنمية، في الانتخابات التشريعية على 42.6%، وخسر مرشح حزبه انتخابات عُمودية اسطنبول أمام مرشح حزب الشعب الجمهوري المنخرط في تحالف وطني يضم أربعة أحزاب من يمين الوسط ويسار الوسط. بعبارة أخرى، الموقف السياسي الداخلي للرئيس التركي ليس بالصلابة التي يمكن أن توحي بها ممارسته السلطوية الداخلية ومغامراته الخارجية. بإصدار خطة العمل وتحسين حالة حقوق الإنسان من جانب، وبتحسين علاقاته بمصر وكذلك بالاتحاد الأوروبي من جانب آخر، يحاول أردوغان أن ينزع أسهمًا من أيدي الأحزاب التي يمكن أن تهدد هيمنته على النظام السياسي التركي وأن يضيفها إلى جعبته.

العامل الثالث، هو نفس الوضع الذي يجد الرئيس التركي نفسه فيه من سوريا إلى شرق البحر المتوسط إلى ليبيا. هو موجود في سوريا وفي ليبيا بتفاهم مع روسيا، والغريب أن وجوده، في ليبيا على الأقل، كان أيضًا بتشجيع من الرئيس ترامب لموازنة التدخل الروسي هناك. بايدن سحب التشجيع الأمريكي على وجود تركيا في ليبيا، وهو في مواجهة مفتوحة مع الرئيس الروسي، يبدو أن الرئيس التركي لا يريد أن يكون طرفًا فيها، وتكفيه أوجه خلافاته المتعددة مع الرئيس الأمريكي الجديد. وهو في شرق المتوسط، وإن كان قد عمل على تخفيف التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية، فهو في خلافات وتنازع مع كل من اليونان وقبرص ومصر. رسَّم حدوده البحرية مع حكومة الوفاق السابقة في ليبيا والمناطق الاقتصادية الخالصة لكل منهما، ولكنه في تنازع مع اليونان بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما، وقبرص ما زالت مقسمةً، وجمهورية شمال قبرص التركية لم يعترف بها أحد غير تركيا، كما لم يرسِّم حدوده البحرية مع مصر.

لو لم يغير أردوغان في سياساته، بما في ذلك تجاه مصر، فإن العوامل الثلاثة المذكورة تهدد سلطانه. أردوغان أيديولوجي، سواء انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين تنظيميًا أو كان مجرد واحدًا من المنخرطين في تيار الإسلام السياسي، ولكنه كذلك رجل براجماتي. في نهاية التسعينيات من القرن الماضي عندما أسقط العسكريون في تركيا والده الروحي نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه وعرّاب تيار الإسلام السياسي التركي، عن رئاسة الوزراء، ابتعد الرئيس إردوغان عن الحزب وأنشأ حزب العدالة والتنمية، الذي ألقى عن عاتفه كثيرًا من الأفكار المحافظة لحزب الرفاه. يبدو أن الرئيس التركي رجع إلى عادته القديمة وتطرف في أيديولوجيته عندما قاده تحليله، اعتبارًا من مطلع العقد الماضي، إلى أن الغلبة في بلدان عربية عديدة آلت في القرن الجديد إلى تيار الإسلام السياسي، وفي القلب منه الإخوان المسلمون. أما وقد اتضح أن تحليله جانبه الصواب، ليس فقط لأن سلطات الحكم تخاصم التيار، وإنما كذلك لعيوب كامنة في نفس ادعاءات الإسلام السياسي، ولانفضاض المجتمعات عنه، فإنه لا يجد غضاضة في التخلي عنه، بل وفي تهديد قادته إن لم ينصاعوا إلى التعليمات الصادرة إليهم بشأن قنواتهم الفضائية.

يبقى السؤال عن مضمون العلاقات في شكلها الجديد ومصالح مصر فيها. أول ما يهم مصر هو وجود تركيا في ليبيا. ثمة من يظن أن الرئيس أردوغان لن يخرج من ليبيا، فهي فوز ثمين له وللاقتصاد التركي، غير أن العوامل الثلاثة المذكورة أعلاه يمكن أن تجعل بقاءه في ليبيا باهظ الثمن، ثم إن مصالح الاقتصاد التركي يمكن أن تؤمَّن بدون الوجود العسكري. مصلحة مصر في الإصرار على خروج تركيا ومن عداها من ليبيا. ومن مصلحة مصر ترسيم حدودها البحرية مع تركيا بشكل عادل يتفق مع ما يمليه القانون الدولي. من مصلحة مصر كذلك أن تُبقي على علاقاتها الودية مع اليونان وقبرص وأن تنميها، بمعنى ألا تكون العلاقات مع تركيا على حساب اليونان وقبرص ولعل مصر تلعب يومًا دورًا توفيقيًا بين الدول الثلاث يمنحها قوة في شرق المتوسط ويساعد على تحقيق التكامل بين دوله. ومصلحة مصر رابعًا هي في أن تُنشئ علاقات سوية بين تركيا من جانب، وكل من جارتيها العراق وسوريا من جانب آخر، وإن كانت هذه العلاقات معقدة تحتاج إلى جهد جهيد وحدها. ومصلحة مصر خامسًا هي في الانتفاع بدروس شراء تركيا لصواريخ إس 400، فهي نفسها تعتزم شراءها. وأخيرًا مصلحة مصر في أن تُبقي على تركيا نصيرة لحقوق الشعب الفلسطيني، وأن تحصل على تأييدها في سعيها مع غيرها إلى تسوية القضية الفلسطينية تسوية عادلة مستدامة.

أيًا كانت الأسباب فأهلًا بالمصالحة، ولتحقق مصر مصالحها من ورائها.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
محمد سعد عبد الحفيظ

مصر والخروج إلى أزمات الإقليم

«لم يكن العامان الأخيران كالأعوام السابقة عليهما بالنسبة للسياسة الخارجية والدور الإقليمي لمصر»

اقرأ →
رأي
رباب المهدي

خطاب تعيس لمرحلة أتعس

«لم يكن مثل هذا الخطاب ممكنًا إلا على خلفية عملية سحق الرأي العام وأي أشكال للمعارضة التي جرت في مصر»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).