الحقوق والحريات في مصر.. «بيدي لا بيد بايدن»
في الوقت الذي عبر فيه وزير الخارجية المصري، سامح شكري، عن ضيقه من الانتقادات التي يوجهها الشركاء الأوربيون إلى السلطات المصرية في ملف حقوق الإنسان، أعرب عن تفهمه لحرص الإدارة الأمريكية الجديدة على أوضاع حقوق الإنسان في مصر.
خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي جمعه بوزراء خارجية الأردن وفرنسا وألمانيا، بشأن استئناف عملية السلام في الشرق الأوسط، الأسبوع الماضي، ألمح شكري إلى أن التعاون القائم بين مصر وفرنسا هو تعاون وثيق يخدم البلدين، مذكَّرًا الحضور، ومنهم الصحفي الفرنسي الذي نقل إليه انتقادات البرلمان الأوروبي لملف حقوق الإنسان في بلادنا، بأن ما تشهده مصر من تحقيق طفرة في المجال الاقتصادي تساهم فيها شركات ألمانية وفرنسية، وما زالت مستمرة في دعم الإصلاح الاقتصادي في مصر.
رسالة شكري الضمنية إلى شركائه الأوربيين، «لا تنسوا أن القاهرة التي تنتقدونها دائمًا في ملف الحقوق والحريات السياسية والمدنية تضخ مليارات الدولارات في شرايين اقتصادكم من خلال تعاقدها مع شركاتكم للعمل في مصر».
ليست تلك هي المرة الأولى التي تستخدم فيها دول المنطقة ورقة العقود والصفقات المدنية والعسكرية لشراء رضا الغرب وصمته عن تردي الأوضاع السياسية والحقوقية في شرقنا التعيس، فتاريخ المنطقة الحديث مليء بوقائع رشى مقننة من هذا النوع.
أشار شكري في حديثه إلى أن القاهرة تتقبل بصدر رحب الانتقادات التي تُوجه إليها، «لكن يجب أن تكون على أسس سليمة وموضوعية.. نعمل بكل جهد للارتقاء بالمجتمع المصري والالتزام بالتعهدات الدستورية في مجال حقوق الإنسان، وعلى وشك أن نصدر استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان في مصر». ونفى حبس أي صحفي بسبب التعبير عن رأيه، «كل الصحفيين المحبوسين متهمين باقتراف جرائم ليست لها علاقة بالرأي، والقضاء المصري يوفر كل الفرص لإيضاح الحقيقة».
وكرر وزير الخارجية أسطوانة عدم تدخل مصر في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وأنه يجب على تلك الدول مراعاة أن لكل مجتمع ظروفه، وأن الشعوب هي التي لها الحق في تقييم مدى تمتعها بحقوقها من عدمه، «أستطيع أن انتقد ألمانيا ودول أخرى في هذا الملف، لكننا نمتنع عن ذلك لأن كل مجتمع أدرى بظروفه».
في ذات المؤتمر الصحفي، سأل صحفي ألماني شكري عما ستفعله مصر حتى تتحاشى رد فعل الإدارة الأمريكية الجديدة التي وجهت إلى النظام المصري نقدًا حادًا في ملف الحقوق والحريات. بدا وزير الخارجية من رده أنه كان حريصًا على عدم الاشتباك مبكرًا مع إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، الذي هاجم مبكرًا نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، منتقدًا في تغريدة سابقة له تعامل السلطة المصرية العنيف مع نشطاء المعارضة، متوعدًا بتغيير السياسة التي اتبعها سلفه، دونالد ترامب، مع حكام القاهرة.. «لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل».
وأشار شكري، في رده على تساؤلات الصحفي الألماني، إلى أن مصر تشارك الإدارة الأمريكية الجديدة حرصها على قضايا حقوق الإنسان، لكن «نأمل أن يكون تقييمها حقيقيًا وعادلًا ومبنيًا على معلومات موثقة، وليس بالتركيز على فئات لا تمثل توجهات الشعب المصري ولها أهداف».
يعلم شكري أن ثمة تغييرًا سيطرأ على العلاقات المصرية الأمريكية بعد 20 يناير الجاري، فالدعم الذي كان يتمتع به النظام المصري من إدارة ترامب لن يستمر مع خلفه بادين، ومن المؤكد أن وزير الخارجية يطلع على ما ينقله الإعلام الأمريكي عن مسؤولين داخل معسكر الحزب الديمقراطي من انتقادات للحكومة المصرية في ملف الحريات السياسة، وتعهدات بالضغط عليها حتى تفي بالتزاماتها في هذا الملف.
الضغوط بدأت مبكرًا، بإقرار الكونجرس الأمريكي في الأسبوع الأخير من ديسمبر الماضي قانون الموازنة العامة للإنفاق الحكومي، وقرر أعضاؤه ربط أكثر من 300 مليون دولار من المساعدات الأمريكية التي تحصل عليها مصر سنويًا من الولايات المتحدة بتحقيق تقدم في ملف الإفراج عن سجناء سياسيين وحقوقيين.
الجزء الخاص بالمساعدات الخارجية في الموازنة نص على تجميد 75 مليون دولار إلى حين رفع وزير الخارجية الأمريكي تقريرًا لإطلاع المشرعين على التقدم المتحقق من مصر في مجال إطلاق سراح السجناء، كما ربط بندًا آخر، الإفراج عن 225 مليون من المنحة، بتعزيز مبدأ سيادة القانون ودعم المؤسسات الديمقراطية وحماية حقوق المرأة، بما يشمل حماية الأقليات الدينية.
كذلك فإن مشروع القانون، الذي تمت الموافقة عليه، يتضمن أنه على مصر اتخاذ «خطوات متسقة وفعالة لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد وتنفيذ إصلاحات اقتصادية قائمة على قواعد السوق، أي مواءمة اقتصادها مع الرأسمالية الأمريكية».
لا توجد لدى السلطة المصرية مشكلة في مواءمة اقتصادها مع الرأسمالية الأمريكية، فحكومة مصر تنفذ أجندة صندوق النقد الدولي التي فُرضت عليها قبل ثلاث سنوات بحذافيرها، حتى لو كانت تلك الأجندة التي تتفق بالطبع مع التوجهات الأمريكية تسحق الطبقات المتوسطة والفقيرة. لكن الخلاف سيكون في ملف الحريات والحقوق المدنية التي تم دهسها واتهام كل مَن يطالب بتحسين أوضاعها داخل البلاد بأنه مأجور وعميل لمؤسسات وأجهزة خارجية، ومن ثم وجبت ملاحقته قضائيًا واغتياله معنويًا.
كلما سُئل النظام المصري عن هذا الملف في أي مناسبة يتحجج بأن أولويات الحكومة المصرية في تلك الفترة هي استعادة الاستقرار والأمن والسلام، وأن المفهوم الحقوقي لا يقتصر على جانبه السياسي فقط، وإنما يمتد إلى ما هو أبعد وأعمق، عبر «توفير الحق فى الحياة، والأمن، وحماية الدولة من الفوضى، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وانتشال الفقراء من العشوائيات، وتعزيز الحق فى التعليم والصحة».
النظام المصري يرى أنه حقق إنجازات غير مسبوقة في هذه الملفات، «إذا كنا بنتكلم عن الإنجاز.. قسمًا بالله.. اللي اتعمل فيكي يا مصر ما يتعمل في 20 أو 30 سنة وحقي هاخده عند ربنا»، إلا أن المواطن المصري لم يشعر بما تحقق حتى الآن، فلا يزال التضخم يأكل دخول المصريين بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ولا يزال التخبط في سياسات التعليم يؤرق كل بيت، أما عن الصحة، فما يجري في المستشفيات العامة من نقص في الإمكانيات، أصبح لا يخفى على أحد بعد انتشار فيديو وفاة المرضى في مستشفى الحسينية [الشرقية]، وقبلها في مستشفى زفتى [الغربية] بسبب مشاكل تقنية في خزانات الأكسجين.
والحقيقة أن النظام المصري يروج ضمنًا للمعادلة التي حاولت بعض الأنظمة الشمولية تحقيقها بمقايضة شعوبها على الحريات السياسية والمدنية بتحسن ملحوظ في ملفات البطالة والأسعار والسكن والصحة والتعليم، والواقع يقول إن النظام، لم يتمكن فقط من تحقيق هذه المعادلة التي يروج لها، بل لا يسعى على أرض الواقع لتحقيقها، لأن سياساته الاقتصادية والاجتماعية تكاد تكون على عكس هذه المعادلة بالفعل، قد يكون النظام حقق إنجازًا ملحوظًا في ملف فرض الأمن والاستقرار، لكنه أمن منقوص واستقرار هش غير قادر على الاستمرار بسبب تردي أوضاع باقي الملفات.
السلطة المصرية بدلًا من أن تبادر بالبدء في تحسين أوضاع حقوق الإنسان احترامًا لالتزاماتها الدستورية وتعهداتها الدولية، وحتى لا تتصاعد عليها الضغوط من إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، لجأت إلى التعاقد مع شركة علاقات عامة، مما تُعرف بشركات جماعات الضغط (اللوبي)، في واشنطن مقابل 65 ألف دولار شهريًا، للترويج لوجهة نظر الحكومة المصرية ودعمها.
ووفقًا لتقرير نشر على موقع «فورين لوبي» الأمريكي في نوفمبر الماضي، كشف جوليان بيكيه، الصحفي الأمريكي المتخصص في رصد التعاقدات مع شركات العلاقات العامة، أن الحكومة المصرية لم تهدر أي وقت في التحضير لحقبة ما بعد دونالد ترامب، إذ جمعت فريق ضغط قوي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
يضم الفريق، عضو الحزب الجمهوري السابق في الكونجرس، إد رويس، والديمقراطي، نديم الشامي، الذي عمل كمساعد سابق لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي. ولفت بيكيه إلى أن السفير المصري لدى واشنطن، معتز زهران، وقَّع عقدًا بقيمة 65 ألف دولار شهريًا، في اليوم التالي لإعلان خسارة ترامب، مع شركة «براونشتاين حياة فاربر شريك».
الشركة ستقدم «خدمات العلاقات الحكومية والاستشارات الاستراتيجية في الأمور المعروضة على حكومة الولايات المتحدة»، وفقًا لما ورد في ملف تسجيل العقد لدى وزارة العدل الأمريكية. وأشار التقرير إلى أن المدة الأولية للعقد هي سنة واحدة، وسيُعاد تقييمها بعد ذلك.
يعتقد النظام المصري أن نهج الإدارة الأمريكية الجديدة لن يطرأ عليه تغييرًا جذريًا، وأن مجرد التعاقد مع شركة علاقات عامة لتحسين صورته أمام مؤسسات الحكم الأمريكية كافٍ لتجاوز أي خلافات أو ضغوط، ولا يزال مقتنعًا بأن مركزية القاهرة في الشرق الأوسط وتصديها لمحاربة الإرهاب، كفيلة باستمرار العلاقات الدافئة مع واشنطن.
في مقال بجريدة «نيويورك تايمز» نُشر الشهر الماضي، يقول المحلل السياسي، مايكل وحيد حنا، إن حكام القاهرة لا يزالون مقتنعين بمركزية بلادهم في الشرق الأوسط، «يبدو أن مصر تتوقع أكثر من أي شيء آخر أن خوف واشنطن من عدم الاستقرار المحتمل وعلاقات القاهرة الوثيقة مع الشركاء الأمريكيين مثل السعودية والإمارات وإسرائيل، تجعل التغيير في السياسة الأمريكية معها أمرًا غير مرجح».
ويشير حنا إلى أن تلك الافتراضات الأساسية التي شكلت أساس الشراكة المصرية الأمريكية، لم تعد سارية، مفسرًا ذلك بأن مصر «لم تعد محركًا رئيسيًا للأحداث ولا زعيمة للدول العربية، التي عمَّقت علاقاتها الأمنية مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، فضلًا عن أن جهود مكافحة الإرهاب هي مسألة تتعلق بالأمن القومي المصري، وليست بأي حال من الأحوال خدمة تقدمها القاهرة للولايات المتحدة».
ويلفت حنا النظر إلى خلل وظيفي في العلاقات الأمريكية المصرية، وهو الأهم من وجهة نظره، فلا يزال العديد من القادة المصريين «يروجون لنظريات المؤامرة التي لا أساس لها من الصحة، بأن الانتفاضة المصرية في 2011 كانت نتاج مكائد أمريكية».
ويؤكد أنه في ظل هذه العلاقات المتضائلة، فاتخاذ موقف متشدد تجاه مصر لن يكون مكلفًا للأمن الأمريكي أو لاستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مطالبًا إدارة بايدن القادمة بأن تسعى لتقليل الشراكة، بما في ذلك المساعدات العسكرية، إن لم تغير حكومة مصر من سلوكها في ملف حقوق الإنسان، «إذا كانت مصر عازمة على حبس أفضل وألمع مواطنيها فلا ينبغي أن يتم ذلك برضى واشنطن».
ويرى أن واشنطن بإعادة تقييمها للشراكة طويلة الأمد مع القاهرة فإنها بذلك ترسل إشارة قوية، ليس فقط لدول الشرق الأوسط، لكن لجميع أنحاء العالم، «ستنقل الولايات المتحدة أيضًا جدية التزامها بمقاومة عودة الاستبداد على نطاق أوسع».
ساعات ويصل حاكم الولايات المتحدة الأمريكية الجديد إلى مقره في البيت الأبيض، وإن لم تُطرح الملفات غير الملحة على إدارته في الأسابيع الأولى من توليه منصبه، فإنها قطعًا ستكون محل بحث ودراسة في الشهور المقبلة، وعلى السلطة المصرية أن تبادر باتخاذ خطوات جادة بتحسين أوضاع ملف حقوق الإنسان قبل أن يُفرض عليها ذلك، وأن تظهر بأنها تراعي حقوق شعبها السياسية والمدنية بعد السنوات الست العجاف الماضية، وأن ترفع شعار «بيدي لا بيدي بايدن»، فتطلق سراح السجناء من أصحاب الرأي وتعيد النظر في هامش الحريات الإعلامية والسياسية، فالشعب المصري المعني بتقييم ملف الحقوق، كما أشار وزير الخارجية المصري، خرج قبل 10 سنوات ليطالب بحقوقه وحرياته، وللأسف، فإنه لم ينل منها شيئًا حتى الآن، بل وحُرم من القليل الذي كان متاحًا قبل ثورة يناير.
آراء أخرى
انتفاضة القدس 2021: تأملات استراتيجية
«ست ملاحظات حول الانتفاضة الفلسطينية الأحدث»
في «مديح» ماما أمريكا!
«تتلهف الأنظمة العربية صعود المنظومة الثانية، لتفلت من رقابة مؤسسات الحضارة الأولى»
أبعد من ترامب.. كيف ترى الدوائر الأمريكية المتغيرات السياسية في مصر؟
«من ترامب، انتزع السيسي دعمًا مباشرًا من البيت الأبيض في مواجهة مظاهرات غاضبة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد