تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

مصر التي في الـ«اكسبو دبي»: أسئلة حول استعراض أنفسنا أمام العالم

نبيل الهادي
8 دقيقة قراءة
مصر التي في الـ«اكسبو دبي»: أسئلة حول استعراض أنفسنا أمام العالم

فى مارس المقبل، ينتهي المعرض العالمي «اكسبو 2020» المُقام في دبي، بعد افتتاح تأخر لمدة عام بسبب ظروف الوباء. وربما تكون هذه فرصة جيدة للتفكير في مشاركة مصر في المعرض، وكيف صممت جناحها، واستخدامها العمارة في تناول التحديات التي تواجهها، وطرح تطلعاتها، واستشرافها للمستقبل.

جاءت الدورة الأولى للمعرض قبل أكثر من 170 عامًا، وذلك في لندن 1851 تحت عنوان «المعرض الكبير لأعمال الصناعة لكل الأمم»، وزاره نحو ستة ملايين شخص «تعرفوا على صورة حية لتطور الجنس البشري»، بينما كانت المشاركة المصرية الأولى في دورة باريس 1889، ووصف عالم السياسة المهتم بالدراسات العربية تيموثي ميتشل تلك المشاركة هكذا: «ووسط هذا النظام والأبهة (يقصد مدينة باريس وبرج إيفل) لم يُثر انزعاجهم غير شيء واحد، لقد شيّد الفرنسيون الجناح المصرى بحيث يمثّل شارعًا متعرجًا من شوارع القاهرة».

انتمى معرض باريس، وما قبله وبعده من معارض، إلى سلسلة تتناول الفترة الأولى للتصنيع، تمتد تقريبًا من منتصف القرن التاسع عشر حتى ما قبل بداية الحرب العالمية الثانية. فى هذه الأعوام كانت تلك المعارض بمثابة المنصة التي تعرض أحدث العلوم والتقنيات حول العالم. 

تحت شعار «بناء عالم الغد»، أُقيم المعرض العالمي بنيويورك 1939، وافتُتح قبل أشهر قليلة من بداية الحرب العالمية الثانية. صمم الجناح المصري معماري القصور الملكية مصطفى فهمي، واستمد التصميم إلهامه من العمارة المصرية القديمة باعتبارها الملهمة للعمارة الوطنية التي تلاءم المستقبل. وكان يُنظر للجناح على أنه وسيلة لشرح كيف أن مصر، الدولة العتيقة، تتخذ خطوات واسعة نحو التصنيع والتحديث تحت قيادة الملك فاروق المتوج حديثًا. كانت هذه الدورة بداية لما يُمكن تسميته بالمرحلة الثانية من المعرض العالمي، والتى تركز بصورة أقل على التكنولوجيا وتستهدف بصورة أكبر النواحي الثقافية والتقدم الاجتماعي.

في المعرض العالمي الذي أُقيم في نيويورك 1964، أرادت مصر من خلال مشاركتها أن تظهر التقدم والإنجازات الزراعية  والصناعية، وذلك من خلال تصميم حداثي لمبنى الجناح المصري تولاه معماري أمريكي، وكان العرض الرئيسي عن مشروع السد العالي في أسوان بالإضافة إلى عرض التاريخ والفلكلور المصريين.

ليس لديّ معرفة بنوع وطبيعة المشاركة المصرية منذ ذلك التاريخ، وحتى منتصف العقد الثانى من القرن العشرين في هذا المعرض العالمي. ربما يستطيع بعض الباحثين أن يمدونا بمعلومات عن ذلك، ولكن خبرتي الشخصية مع المعرض الذي بات يسمى اختصارًا «اكسبو» بداية من 1967، تنتمي للمرحلة الثالثة (التى بدأت فى العام 1988 في بريسبان بأستراليا وتستمر حتى الآن). وهذه الخبرة تمكنني من وصف تلك المرحلة بأنها تركز على الترويج للدول من خلال استخدام المعرض لتحسين صورتها.

مثلًا بدأت علاقتى بـ «اكسبو ميلانو 2015» قبل عقده بعام كامل عندما رأيت احتجاجات أهل المدينة على إقامته في سياق مناهضة العولمة والرأسمالية. كان موضوع هذا الاكسبو «إطعام الكوكب» وهو ما زاد من حماسي لزيارته. هناك رأيت بعضًا من التصورات المستقبلية عن التعامل مع الطعام، ولاحظت التركيز الزائد على المأكولات فى كل الأجنحة، وكأنها منافسة عالمية للطهي وتقديم المأكولات، لا للتفكير في كيفية إنتاج واستهلاك الطعام، وتأثير ذلك على حياتنا والبيئة الطبيعية.

قضيت يومًا كاملًا في المعرض، زرت خلاله عدة أجنحة، منها جناح إيطاليا الدولة المضيفة بعد أن قضيت فى طابور دخوله حوالي الساعتين. وفي النهاية كان المبنى، والعرض الذي كان يهدف لإبهار الزوار وتقديم إيطاليا، أقل مما توقعت. زرت أيضًا جناح الإمارات الذي صممه اللورد نورمان فوستر، وعرض مشروعاتها، وأذكر أنني لم أكن منبهرًا. كان الجناح المصري في هذا الاكسبو لا يزيد عن ركن محدود المساحة لم يتبق منه في ذاكرتي الكثير.

وفي أول ديسمبر الماضي سافرت إلى دبي بهدف التعرف على تعامل مصر مع هذا المعرض العالمي، وزرت العديد من أجنحة الدول ليومين كاملين، ولكني لم أحط بها جميعًا. وتابعت فى تلك الأجنحة تناولها موضوع «اكسبو» الرئيسي وهو «تواصل العقول وصنع المستقبل». المعرض مقسّم إلى ثلاث مناطق رئيسية هي الفرص، والتنقل، والاستدامة، لذا اختارت مصر المنطقة الخاصة بـ«الفرص» لتبني جناحها فيها. ومع إني لا أعرف السبب وراء الاختيار إلا أني كنت أراه اختيارًا موفقًا. فمصر هي بلد الفرص، مع أن العبرة تبقى في التعامل مع هذه الفرص.

كنت متطلعًا بالطبع لرؤية الجناح المصري واختباره بحواسي من الداخل والخارج، حددت مكانه واقتربت منه دون التمكن من الدخول لضيق الوقت. لكنّي كونت حصيلة مُشاهد للجناح من خارجه، غلب عليها التشكيل المستطيل الذي لم أفهم ضرورته أو جمالياته أو لونه الذي كان عبارة عن درجات من الرمادي، كما نُقشت على الواجهة الرموز المصرية القديمة التي تشبه مكونات الهيروغليفية، وإن كانت بحجم أكبر وكثافة مختلفة وتقارب أقل عما اعتدناه في نصوص الهيروغليفية بالمعابد والمقابر.

الجناح المصرى فى اكسبو دبى 2020 تصوير نبيل الهادي

في اليوم الثاني، وكنت أكثر تصميمًا على زيارة الجناح من الداخل، وساعدني طابور الدخول الأقصر نسبيًا من باقي الطوابير أمام الأجنحة الأخرى. بدا لي المدخل الركني المستقطع من شكل أقرب ما يكون للمستطيل غريبًا بالنسبة لعمارة المبنى الذي تبلغ مساحته طبقًا للموقع الرسمي للجهة المنظمة حوالي 1800 متر مسطح ويتكون من ثلاثة أدوار. وعندما دخلته كنت مواجهًا بمناطق مختلفة يعرض بعضها أفلامًا على شاشات عرض إحداها تمتد بارتفاع عدة طوابق، وهذه الأفلام عن الحضارة المصرية، والمشروعات الكبرى التى يجري تنفيذها أو تلك المُخطط لها. و هناك أيضًا بعض المستنسخات من الآثار المصرية، وقطعة أصلية واحدة هي غطاء تابوت واحدة من المومياوات المُكتشفة حديثًا فى سقارة.  

داخل المبنى يغيب الضوء والتهوية الطبيعية، خلافًا للجناح المغربي مثلًا، والذي يتيح فناؤه الداخلي إضاءة وتهوية مريحة، ويقلل من الحاجة لاستهلاك الطاقة، كما يتيح للزائر تنقل سهل بين القاعات المختلفة. كما أن ذكاء تنفيذه يسمح بإطلالات على ما حوله، ويضم أماكن النباتات والشجيرات المختلفة.  

لا تخطئ عين زائر الجناح المصري الإشارات المُكثفة للتاريخ سواء من خارج المبنى أو في المدخل، أو في المستنسخات والأفلام المعروضة، ما يمكن فهمه كمرتكز للترويج لفكرة أن مَن صنع هذا التاريخ العظيم يمكن أن يصنع الحاضر والمستقبل بنجاح مقارب. ويُترك للمتلقي بالطبع أن يقرر ما إذا كانت المعروضات والمبنى يمكن أن تدعم هذه الفكرة أم لا.  ولكنني لم أستطع منع نفسي من مقارنة هذا التعامل مع التاريخ بعرض إيطاليا، وكيف اختارت تمثال ديفيد من عصر النهضة وشكّلت مستنسخًا منه بتقنية متقدمة للغاية، كما خلقت علاقة مبتكرة بين التمثال المستنسخ، ورأسه بصفة خاصة، والزوار، وهي علاقة غير ممكنة مع التمثال الأصلي في متحف الأوفيتسي بفلورنس الإيطالية.

في جناح إيطاليا كذلك كان الحاضر ممثلًا في التركيز على الاستدامة في المواد المستخدمة فى عمارة الجناح، بينما المستقبل تجسد  في العلم من خلال إقامة معمل أبحاث حقيقي يعمل به عالمان، ويتناول هذا المعمل استخدام الطحالب في عدة صور حديثة. بدا لي هذا الجناح أكثر نضجًا وأقل تباهيًا من جناح إيطاليا السابق، في «ميلانو 2015». وبدا لي أيضًا أنه يخاطب صلب التحديات التي تواجه العالم، وليس إيطاليا وحدها، باستخدام تاريخها وقدراتها اللغوية التي ظهرت بذكاء في شعار الجناح «الجمال يجمع الناس». 

لم أجد اشارة واضحة لـ «الناس» في العرض المصري. بينما  كانت موجودة مثلًا في جناح الإمارات، حيث تم الاحتفاء بنماذج من المقيمين بصفتهم شركاء في صناعة التنمية. كما لم أجد إشارة واضحة للبيئة الطبيعية، بعكس ما فعلته أيضًا الإمارات باستخدام الرمال الطبيعية في العرض لتمثّل الطبيعة السائدة فيها وهي الصحراء.

بعد عودتي للقاهرة بحثت عن المعلومات الأساسية عن الجناح  المصري مثل المساقط المبسطة والفرق المشاركة وميزانية المشروع، لكنني لم أجد سوى معلومات قليلة للغاية. وجدت ما كتبه مصممو المشروع لتفسير بعض جوانبه مثل أن «مدخل المبنى يمثل الدخول من التاريخ إلى المعاصرة، حيث أن التصميم الداخلي للمبنى يمثل الحاضر والمستقبل»، معتبرين أن تشكيل المدخل مستوحى من شكل الهرم الأكبر الذى يمثل الحضارة المصرية القديمة. قرأت أيضًا أن «كتل المبنى والتي تأثر فيها بشكل كبير بالتكوينات الجرانيتية الموجودة في الجزر النيلية بأسوان». ما أفهمه أن تلك الفكرة كانت تقتضي الاستعانة بأحجار طبيعية من أسوان، وتكون هذه الأحجار معالجة بصورة تستلهم هذه التشكيلات الرائعة التي يمكن رؤيتها بوضوح أثناء رحلة مركب نيلية من وإلى معبد فيلة، وربما أماكن أخرى في أسوان. 

فى فبراير 2004 استضفنا في جامعة القاهرة محرر أكبر مجلة معمارية في العالم بيتر دافي، وبعد انتهاء محاضرته قال له أستاذ كبير ما معناه إن هناك إجماع على عظمة عمارة مبنى أوبرا سيدني، فكان رد بيتر دافي: «هل زرته؟»  كان هذا درسًا هامًا لي في ضرورة الخبرة المباشرة قبل إبداء الآراء. هذا بالطبع لا يعني نفي حق مَن لا يقدر على الزيارة في المعرفة والفهم والتعلّم، لذلك أتمنى أن تقوم جمعية المعماريين المصرية بتنظيم محاضرة عامة يشترك فيها معماريو مشروع الجناح المصري وممثلو وزارة الصناعة، لنفهم أكثر منهم، بالمعلومات والأرقام، ما هي أهدافهم وأفكارهم وما تمّ تحقيقه، لنفتح نقاشًا عامًا تستحقه تلك المشاركة، ويستفيد منه الجميع سواء متخصصين أو طلاب أو مهتمين أو المجتمع بصورة عامة. 

ما يشغلني منذ زمن، وما أكدته زيارتي تلك، هو التفكير في دلالات التركيز على الأشكال الظاهرية وليس المفاهيم الجوهرية التي تحكم جماليات العمارة في مصر القديمة مثل الإتقان والكمال، ودلالات تجاهل الظروف الطبيعية للمكان الصحراوي والتحديات التي يمثلها للبناء. مشاركتنا في «دبي 2020» هي خبرة هامة يجب تأملها والاستفادة منها، فقد شاركنا في هذا المعرض العالمي عبر ما يقرب من 130 عامًا، فهل نأمل أن تستفيد مشاركتنا القادمة في «أوساكا 2025» باليابان من كل هذا التاريخ والخبرات السابقة والحالية؟ وهل نأمل في نقاش جدي يتساءل عن هدف مشاركتنا في هذا المعرض؟ وكيف تتصور مصر نفسها في محيطها الإقليمي والدولي؟ وما هي الصورة التي نتمنى أن تقدم مصر نفسها بها للعالم؟

  أتخيّل مشاركتنا القادمة وهي تركز على مصر كبلد يسعى، باجتهاد وجد، لكى يصنع لمواطنيه، وبهم، مكانًا أكثر عدلًا واحترامًا للطبيعة وبيئة للحياة الطيبة للجميع.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).