عمارة عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم المُبدعة
استهل عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم مقاله الرائع «من غرناطة إلى حديقة الحوض المرصود: حول موقف المعماري في قضايا العمارة والعمران في العالم النامي» بعبارتين لكاتبين نذرا حياتهما للجمال عملًا وإحساسًا وجهادًا، «يقول دوستويفسكي الكاتب الروسى العملاق: إن الجمال سينقذ العالم. ويرد عليه ألكسندر سولجنيتسين في محاضرته التي ألقاها بمناسبة منحه جائزة نوبل فى الأدب [1970]: هل هذا ممكنًا، ومتى في تاريخنا الدموي أنقذ الجمال أي إنسان من أي شيء... ربما أعطاه إحساسًا بالنبل وربما سما به، ولكن من ذا الذي أُنقذ بالجمال».
وفي مقال آخر له، نُشر بالإنجليزية، عن احتفاليات البناء وبناء المجتمع، وهو موضوع أطروحته للدكتوراه، كتب عبد الحليم: «هناك حاجة لقيم الجمال والإمتياز للتغلب على التخلف والغربة واللامبالاة الشائعة الآن في غالب المجتمعات الإسلامية والنامية».
كان عبد الحليم مشغولًا في حياته، حتى وفاته في 16 أكتوبر الماضي، كما كتب بـ «جدوى الجمال في مواجهة القبح والعنف الذي يسود عالمنا اليوم».
تضمّن المقال توثيقًا لما سمّاه عبد الحليم بـ «حوار غرناطة»، وأبرز من خلاله ثلاثة اتجاهات في العمارة. «الاتجاه الأول يرى العمارة كفن، ومن ثم فإنه يرى إعداد المعماري كإعداد الفنان.. ولا يرفض هذا الاتجاه التزام العمارة بحركة المجتمع أو التزام المعماري بقضايا شعبه، ولكن سواء فى المباني التي يبنيها أو فى إعداده ومواقفه، فإن المعمارى هنا هو فنان يتصل بحركة المجتمع يستشرف منها رؤياه ويعبّر عن هذه الرؤيا من خلال الأعمال والمباني التي يقوم بها».
توقف عبد الحليم عند تعقيب المعماري الهندي، تشارلز كوريا. وبعدما نقل ما قاله كوريا، حاول بلورة فهمه في التالي: «ما كان يقوله تشارلز كوريا في الحقيقة هو أن العمارة قادرة على بعث القدرة الإبداعية لدى المجتمع، وليس فقط ممارستها، وهو ما يحدث للفن، وأن العمارة بالصورة التي يعنيها هذا الطرح هي إطار إنتاجي مبدع يمكّن الشعوب أن تتصل جماعيًا وليس فرديًا بقدراتها المبدعة، ومن ثم فإنها تخلق واقعًا منه يستمد الفنان وغيره من أبناء المجتمع رؤاهم، فكم من آلاف الرموز والرؤى والأعمال الفنية انطلقت من معبد الأقصر ومن ابن طولون ومن السلطان حسن، ولكن هذه المباني نفسها لم تكن مُستقاة أو مُستوحاة من رمز أو أسطورة.. هي نفسها التي أوجدت الأسطورة».
الاتجاه الثاني الذي طرحه عبد الحليم يفهم العمارة كتكنولوجيا، وطرحه وليام بورتر، عميد مدرسة العمارة بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي)، والذي يقول: «العمارة هي نشاط تقني مركب فيه تعيد الحضارة إنتاج نفسها خلال البناء وغيره من المنتجات، وإن عملية إعادة البناء هذه ليست بالحتم عملية تكرارية أو تراكمية للقوالب الحضارية والعمرانية السابقة. ولكنه يقترح أن إعادة إنتاج الحضارة هي عملية تجديدية إبداعية فيها ابتعاث لقدرات هذه الحضارة وامكانياتها... تساءل رفعت جادرجي، المعماري العراقي الكبير، عن العلاقة بين التكنولوجيا والفن والعمارة، وهل يحدد الفن دور التكنولوجيا أم العكس؟ وهل تقف التكنولوجيا كوسيلة مستقلة عن القيم الاجتماعية والحضارية؟ أم أن كل تطور تكنولوجى يبلور معه بناءً من القيم الاجتماعية والحضارية؟ وهل هذه القيم نسبية أم مُطلقة؟ هل هي محلية أو عالمية؟ ثم تساءل عن جماليات الهندسة والصناعة ومقارنتها بجماليات المعمار، ولماذا لا تستوعب هذه أو تلك من الجماليات في مجتمع ما؟ وتُستوعب في مجتمع آخر».
أما الاتجاه الثالث، فيرى العمارة كنشاط اجتماعي عريض فيه تمثّل العمارة جزءًا من أنشطة المجتمع وترتبط بمؤسساته، سواء كانت مؤسسات الحكم أو الإنتاج أو التعليم أو رأس المال. وقد طرح هذا المفهوم مجموعة من الأساتذة والمعماريين الأتراك.
***
خلص عبد الحليم بطرح خمس ملاحظات حول موقع ودور العمارة في العالم النامي والإسلامي: أولًا: إن واقع العالم النامي، بصفة عامة والعالم الإسلامي بصفة خاصة، يمثل انفصالًا شبه تام لمجتمعات هذا العالم عن أصولها وقدراتها الإبداعية.
ثانيًا: إن المسافة بين اليوم وتلك اللحظات المختلفة في تاريخ هذه المجتمعات، والتي تمثّلت فيها قدراتها الإبداعية، ومن ثم عبّرت عن وجودها، هي مسافة لا يمكن أن تُقطَع بمحاكاة الماضي أو الاستغراق في تكرار رموزه، ولكن لا بُد من عبورها خلال جهد مبدع مركز يستنهض قوى الإبداع والحيوية عند المجتمع بصفة عامة، وخلال نخبته المبدعة بصفة خاصة.
ثالثًا: إن العمارة والعمران أكثر من أي نشاط إنتاجي آخر في عالمنا النامي والإسلامي، قادرة على استنهاض هذه القدرات والتعبير عنها خلال البناء.
رابعًا: سواء نظرنا إلى العمارة كفن أو كتكنولوجيا أو رأيناها كنشاط اجتماعي متصل بمؤسسات المجتمع وقوانينه التاريخية ومتغيراتها، فإن المهمة المُلقاة على عاتق المعماري هي إعادة صياغة كافة العلاقات الداخلة في عملية البناء، بحيث يمكن للعمارة أن تسهم في عبور هذه الهوة التي تفصل حاضرنا بكل همومه وتخلفه عن لحظات الإبداع والحيوية في تراث وإنجاز مجتمعاتنا.
خامسًا: إن المهمة ليست محافظة على التراث ولا إعادة إنتاجه، وإنما هي بعث للقدرة المبدعة وإنجاز صياغات فراغية جديدة متصلة بلحظات الإبداع في تاريخ المجتمع، ولكنها ذاتها مستقلة عن تاريخيته، بمعنى أن المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى التركيز على المفاهيم والتجارب المعمارية والعمرانية القادرة على الدفع بنا إلى حيز المستقبل بصورة تؤصل وجودنا في الحاضر.
قد تلخّص تلك الملاحظات الخمس، وخاصة الأخيرة منها، كيف وجد عبد الحليم لنفسه مكانًا مختلفًا عمَّن سبقوه، وخاصة أن تلك الملاحظات لم تشكّل نقاشًا نظريًا، ولكن تمت ترجمتها من خلال أعماله وخاصة الحديقة الثقافية للأطفال بالحوض المرصود بالسيدة زينب (والتي شملت أيضًا على تطوير حارة أبو الدهب الملاصقة للحديقة). هذا الموقف المعماري هو موقف أخلاقي بالأساس مرتبط بتقدير جوهري لقيمة الإنسان والطبيعة، كما ظهر لي بوضوح من خلال نقاشاتي المطولة مع عبد الحليم في أثناء إشرافه على رسالتي للدكتوراه، هو موقف لا يستسلم لقوى العولمة الظالمة ويتمسك بما هو عادل للمجتمع والطبيعة، ونتيجة هذا الموقف تتجسد من خلال خيال وإبداع المعماري في بناء ليس كأي بناء.
فى نهاية مقاله، كتب عبد الحليم: «الجمال إذن هو نقطة المبتدأ في العمل الإبداعي بالعمارة». ولمدة سنوات لم أكن متأكدًا من معنى ما قاله، و تحول إعجابى الأول إلى حيرة ساعدني على الخروج منها «أبو يعرب المرزوقي» الفيلسوف التونسي المعاصر، بطرحه أن الجمال هو «احتجاج على الظلم والقبح وعدم الإكتمال».
رأيت في فهم المرزوقي عن الجمال ما له علاقة أقرب بما نعيش فيه وما يفسر بحور القبح التي تكاد تغرقنا. وهو ما أعتقد أنه فهم يمكن أن يساعد في إنقاذنا. قبل ذلك كتبت متسائلًا عمّا كان سيؤول إليه حالنا لو تعرضت أعمال حسن فتحي، وسيد كريم، وعبد الحليم إبراهيم، وراسم بدران، وعلي رأفت، وغيرهم، لنقد حقيقي ومستمر، وذلك بدون أن نؤيد ونقدّس أو نهاجم أو ندين. و لم يكن عندي شك في الإجابة: بالتأكيد كانوا، وكنا، سنصل إلى مكان أفضل جدًا مما نحن فيه.
***
كان عملي وتعاوني مع عبد الحليم في الجامعة، وخاصة فى إطلاق أنشطة مثل مسابقة طلبة العمارة فى مصر من 2002 وحتى 2008، محاولة للتعامل مع العمارة كنتاج للاستجابة الجادة للتحديات التي تواجه المجتمع. وحددنا خمسة تحديات؛ بدأنا بالتكنولوجيا ثم التاريخ ثم الطبيعة ثم الفن، وأخيرًا المعرفة. كان طموحي أن تكون مسابقة دولية لا يقل مستوى محكميها ومصداقيتهم عن أية مسابقة دولية أخرى. ولكن تخوف بعض زملائي من أن يكون طموحي غير واقعي، فلجأت إلى أستاذي الدكتور عبد الحليم فاقترح صيغة ذكية ومبدعة: أن تكون مسابقة محلية لأننا نهتم بطلابنا وهم لنا الأولوية الأولى، بينما يكون التحكيم دوليًا لنضمن ليس فقط الحياد، ولكن لنرفع المستوى والمعايير.
استمرت المسابقة تتبع تلك الصيغة الرائعة لخمس دورات.
أتذكر أحد حواراتنا في سيارته، وكنّا وصلنا ميدان التحرير في طريقي للمترو، عن مسئولية الأستاذ تجاه طلابه، وخاصة مَن هم مثله ممَن يفعلون ما هو أقرب كثيرًا لما يقولون. وكانت لي معه حوارات أخرى عبر سنوات عديدة معظمها لم يكن طويلًا، ولكنها كانت صريحة، ولا أذكر أنه رغم فارق السن والخبرة أنه ضاق برأيي إلا نادرًا، وهو ما كنت أقدّره كثيرًا. كما أتذكر ساعات النقاش والتخطيط على المقاهي لما سنطرحه على الطلبة كموضوع لمشروع التخرج وكيف نصيغه ولماذا. كنت أرى أن طلابه فى الكلية ليسوا بنفس حظنا، نحن القريبين منه والعاملين معه، وأعرف ذلك جيدًا لأن طاقته قد مستنا وغيّرتنا ربما للأبد.
عبر سنوات تزيد عن العشر سنين، كان تدريسي معه فرصة كبيرة لي للتعرف على جانب من العمارة لم أتعلم عنه إلا القليل، وخاصة عن المفهوم الجوهري لها، و أدركت بوضوح أن العمارة بطبيعتها كفن عملي مرتبط ومتجذر في خبراتنا اليومية عن الحياة، وأن هذا الالتصاق بالواقع يميزها عن الفنون الأخرى وخاصة في طبيعة الدور الاجتماعي والسياسي لها. وقد يتمكن المعماري المرتبط بقضايا مجتمعه والواعي بسياقه، من أن يحاول إعادة تعريف العمارة من تلك التي ولدت لتخدم السلطة، كما كتب بيتر هيلير في كتابه ضد العمارة، لأخرى تضع الإنسان الأولوية الأولى، وإن كان هذا المفهوم مرتبطًا بما قام به حسن فتحي ورمسيس ويصا واصف من تبني استخدام المواد والأشكال المحلية لا تلك القادمة إلينا من الخارج. ولكن عبد الحليم كان قادرًا على تضمين ما يصفه كينيث فرامبتون بقدرة الشكل المعماري المرتكز على فهم المكان بصفة عامة على مقاومة الهجمة التقنية الدولية.
كانت طاقة عبد الحليم في أوجها قبل أن يصبح أحد المعماريين العرب الذين يُشار إليهم بالبنان. وربما كان لتعامله مع ذوي الجاه والسلطة أثرًا أراه لم يدعم قدراته وإبداعه. وربما استطاعت تلك الطاقة وهذه الروح المبدعة إذا قُدر لها الامتداد لأجيال جديدة أن تُسهم في مواجهة التحديات المصيرية التي تواجه ليس مصر فحسب، بل كوكب الأرض ككل، الآن وفي المستقبل القريب لو أُتيح فى مصر والعالم العربي فضاء من النقاش والنقد الجاد.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد