تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

مراسلات يناير | إلى أسماء

أكرم إسماعيل
4 دقيقة قراءة
مراسلات يناير | إلى أسماء

ازيك، بقالنا كتير مش عارفين نتقابل، في زمن كورونا الشهور بتعدي من غير ما الواحد يحس.. الحركة المحدودة والخوف خلق نوع من الكسل مخلي الواحد بيتفرج على الأيام بتمر من غير ما يبقي عنده إرادة كافية ان يبدل النهار ويروح يقابل حد واحشه. الكسل بيسجن مشاعر الإنسان ونشاطه في حدود «العادة» يا رفيقتي العزيزة. وعشان كده انبسطت جدًا من اقتراح اني أبعتلك رسالة، لأن فرصة أقولك انك واحشاني، وفرصة اني أفلفص من «الكسل» من غير ما اكسر حدود العادة.

الموضوع ببساطة يا أسماء ان «مدى مصر» في ذكرى الثورة تبنت مبادرة بان عدد من الأشخاص يرسلوا عدد من الجوابات لبعض، فكرت فيكي يا أسماء عشان انت بالنسبة لي حكاية من لحم ودم عن الثورة.. الثوره مش لما تبقى صراع على السلطة ومظاهرات في الميدان، لا لما تبقى نضال شخصي من أجل الحرية والاستقلال؛ نضال شخصي، من كتر ما هو حقيقي، ساعات في التجربة بيشكك صاحبه في موضوع الثورة وقيمها، زي ما كتبتي في البوست اللي كان سبب المعرفة بينا، البوست اللي حكيتي فيه ان فيه عدد من الشباب خطفوكي من الشقة اللي كنتي انت وصاحبتك عايشين فيها، وعن الليلة الطويلة اللي الشباب دول كانوا حبسينك فيها لحد ما عرفتي في الآخر تتصرفي وتهربي، وازاي اتشككتي يومها في جدوى المعركة من أجل الاستقلال، وفي النسوية وكل الرصيد المعنوي للثورة اللي بدا هش جدًا في الليلة القاسية دي وما تلاها من محاولات للبحث عن مسكن جديد ومحاولات استرجاع أغراضك من الشقة اللي اتخطفتي منها، والبدء وعلى الرغم كل الشكوك- من جديد. 

كل مرة أتكلم معاكي يا أسماء كنت بفهم أكتر يعني ايه ثورة، ويعني إيه استقلال، تفاصيل التنقل بين الشقق لحين الوصول إلى مسكن دائم، ودائم يعني كام شهر؛ الحصول علي شغل؛ التعامل مع الاستغلال في العمل وكل خبرات الاستغلال الجنسي؛ حلم استكمال الدراسة، التعامل مع تحرش الجيران الدائم بجارتهم المستقلة.. تحرش يبدأ بالنظرات الحادة، وقد ينتهي بمحاولة للاعتداء: خبرة العودة لبيت الأسرة والحنين الدائم له، واكتشافك المتجدد باستحالة هذه «العودة». لا دليل على بقاء أثر ثورة، غير استحالة العودة رغم التضحيات الكبيرة.

مبهرة أنتِ يا عزيزتي.. مبهر ان لا تمنعك كل هذه المعاناة وكل هذا الشتات من انك تجمعي كل هذه المهارات من أول انك تكوني رسامة جميلة و صاحبة مهارات يدوية عظيمة، إلى أن تكوني باحثة وكاتبة ملهمة قادرة على التعبير عن رؤيتك بشكل متميز ومركب وملهم. 

لما شفت صورتك على الفيس بوك رافعة اليافطة ضد غلاء المترو، كنت عارف انك كده هيتقبض عليكي؛ اتغظت منك بس افتكرت كل كلامك على إن غلو تذكرة المترو هيخلي رحلة الاستقلال شبه مستحيلة، فلو الـ80 جنيه مواصلات في الشهر بين الشغل والدراسه بقوا 500 جنيه في الشهر، فاضل ايه للأكل والإيجار، إزاي كان تعويم الجنيه كأنه عدوان شخصي على حياتك، وانت بتحسبي تأثيره على رحلة الاستقلال والصمود فيها. عذرتك يا أسماء واعتبرت دفاعك عن رحلة استقلالك وعن حياتك اللي اخترتيها برفع يافطة في محطة المترو، رغم انك عارفة انك هتتدفعي ثمن ده، تجسيد واقعي جدًا لكل معاني البطولة، كما أفهمها يا رفيقتي العزيزة.

اتوجعت جدًا من انك تتسجني يا أسماء، وعايز أقولك ان من اللحظات الخاصة جدًا في تجربتنا الحزبية، واللي حسيت بيها بمعنى الرفاقية وأوجاعها، كان لما زرناكي انا وعدد من الزميلات والزملاء وانت محجوزة في قسم الوايلي، واتمشينا بعدها في الشارع في وقت فطار رمضان مُحملين بمشاعر غريبة زي آخر نظرة منك لينا يومها.

خدتي إخلاء سبيل مفاجئ، وبدأت رحتلك مع التدابير التي استمرت طويلًا، كعادتك اتعاملتي بطريقة خاصة جدًا مع موضوع التدابير، شعور بالخوف والقهر الشديد، لكن قدرة خاصة للتعامل مع التجربه الصعبه، ونجحتي يا أسماء برضه انك تعبري التجربة القاسية. الغريبة فيكي يا أسماء انك بتعبري التجارب القاسية والموجعة لكنها بتفضل تزن وتزن، كل حكايات: التفتيش الذاتي المهين أو تضامن السجينات داخل السجن أو تعاطف المحقق، وكل تفاصيل الحبسه حاضره، كأن التفاصيل دي بكل ما فيها من ثراء ومرارة هي تحويشة العمر لا تستطيع المرارة أن تخفي اعتزازك بيها.. اعتزاز بالتجربة وكل الندبات الباقية. 

بالمناسبة يا سمسمة، بما اننا فتحنا قلبنا لبعض.. انا بحب جدًا تشكّك في كل شيء حتي فينا: بحب عدم تسامحك مع كل المدعيّن اللي بيننا اللي استغلوكي، وبحب تعبيرك الصريح عن «الحقد» تجاه اللي حظهم أحسن أو حياتهم أسهل، وعن غضبك الدائم، فده يا عزيزتي هو أكتر حاجة بتحميكي من انك تبقي باهتة أو انتهازية، وانك تكوني عادية.. بحبه فيكي، لكن بخاف عليك برضه من الأسر في سجون المرارة، عايز أقولك انك لما بتسأليني بنمردة «هو انت لسه ما تقبضش عليك ليه؟» وبرد عليكي بضحكة صفرة «ما تستعجليش ياختي» ان سؤالك ده لا يفارقني و يثير لديّ شعور عميق ودائم بالخجل. 

أخيرًا، أنا كنت حاسس اني وحيد خالص يوم ما أمي ماتت، البوست بتاعك عن أمي وانطباعك الطيب عن لقائك بيها حسسني رغم الأوجاع القاسيه انك معايا، ولولا ثورة يناير لبقت مشاعر الوحدة.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

نقد النقد الذاتي

«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).