مراجعات ينايرية
مثلها مثل كل حدث مفصلي في تاريخ الشعوب، ثورة يناير 2011 لا تزال وستبقى موضوعًا للمراجعة وإعادة التقويم من مختلف الزوايا، وحسب موقع كل مَن يجري مراجعة ويطرح تقويمًا في خريطة المكونات السياسية للمجتمع والدولة المصريين. وليس مرد ذلك فقط أنها ما برحت ماثلة في وعي المشاركين فيها والمتضررين منها، وكل معاصريها الذين لا تزال الغالبية العظمى منهم على قيد الحياة، ولكن أيضًا لأن نظامنا السياسي الحالي من إفرازها، وإن كان في جوهره امتدادًا، أو بالأحرى محاولة لتجديد نظام يوليو 1952 من زاوية بنيته السياسية القائمة على دائرة انتخابية واحدة، تتبنى منهج التوافق بين مكوناتها، بحيث يأتي أسلوب الاقتراع الشعبي العام تاليًا كاستكمال للشكل الشرعي. وتعرف هذه الدائرة عادة باسم الدولة العميقة، التي تتكون من تحالف المؤسسات الأمنية مع بيروقراطية الدولة.
إذ لولا يناير وعثراتها الكثيرة، وأكبرها تجمع نذر الفاشية الدينية بسرعة مذهلة، لكان قد تعذر تجديد نظام يوليو من داخله، أو لأصبح مستحيلًا، ولتهيأت فرصة حقيقية للحل الوسط التاريخي لأزمة الحكم والسياسة، القائم على المشاركة المدنية الجوهرية، والقابلة للتطور نحو نظام سياسي تكون دائرته الانتخابية هي المجتمع بأكمله.
وكان كاتب هذه السطور قد ساهم في مناسبات سابقة في المراجعات الينايرية، ومن بين الخلاصات التي قادت إليها تلك المراجعات مأخذ رئيسي على مجمل قوى المعارضة، أو استكشاف الأخطاء المتكررة للمعارضة بعد يناير 2011 ويونيو 2013. وكان أهم تلك الأخطاء -في رأينا- افتراض إمكانية تكرار يناير، وقلنا إنه لم يحدث في تاريخ الشعوب عبر تاريخ العالم كله أن قامت ثورتان في جيل واحد. كما كان من الخطأ الرهان على أن النظام الجديد أو المتجدد لن تكون له الشعبية والإرادة لتثبيت أركانه وسياساته، حتى إن وقعت احتجاجات، أو أعمال إرهابية، إذ أنها مجرد تقلصات واضطرابات لن تصل إلى أية نتيجة، إلا النتائج العكسية، وأنه سيسهل التغلب عليها في فترة زمنية وجيزة.
لكن بما أن التجدد الذاتي لنظام يوليو لم يأتِ هذه المرة إلا بمساعدة ضخمة من خارجه تمثلت في تحركات ما قبل 30 يونيو 2013 ثم حشود يوم 30 يونيو ذاته، ومن قبلها يناير نفسها بكل زخمها، فيصبح منطقيًا التساؤل حول إمكانية استعادة نمط التجدد أو التوالد الذاتي للنظام من داخله، دون الحاجة إلى دور شعبي، مثلما جرى في العهود الثلاثة السابقة لهذا النظام.
بالطبع تصعب الإجابة، ولكن الشاهد أن يناير أصابت ذلك النمط بصدع كبير، وأن ما يجري حاليًا هو محاولات لترميم المعبد، وإعادة النمط القديم إلي سيرته الأولى. ذلك أن يناير -رغم كل عثراتها- قدمت تصورًا مختلفًا للشرعية السياسية، بمعنى أن المصريين في يناير وما بعدها لم يثوروا هذه المرة من أجل التحرر الوطني، كما كان الحال في ثورة 1919، وفي جانب كبير من دوافع الثورة العرابية، ولكنهم ثاروا من أجل نظام سياسي حديث، تحت الشعار العريض: «عيش حرية كرامة إنسانية»، وهذا هو مضمون دولة المواطنة والقانون والعدل الاجتماعي، أو بمعنى آخر هذه هي الحداثة السياسية.
بالعودة إلى أخطاء المعارضة فهناك إجماع على تخطئة النخبة السياسية التي تصدرت مشهد يناير وما بعده، بسبب الافتقار إلى التنظيم والقيادة، ولكن الرؤى تتباين بعد ذلك، فهناك مَن ركز على الأشخاص أو الرموز، وهناك أيضًا مَن ركز على انقسام التيارات، حتى داخل التيار الواحد، وهناك الذين تبنوا فكرة عدم جاهزية المدنيين المصريين تاريخيًا لتولي السلطة أو المشاركة فيها بقسط كبير. وآخرون عادوا بنا إلى قصة تولي محمد علي باشا حكم مصر بفضل سلسلة من الانتفاضات الشعبية، لم ينتبه زعمائها إلى تولي السلطة بأنفسهم، ليخلص هؤلاء من تلك القصة إلى أن قصور النخبة المدنية المصرية هو مرض مزمن لا علاج له، وليس عرضًا ظرفيًا مؤقتًا، مرتبطًا بأسبابه، ويزول بزوال هذه الأسباب.
مع التسليم بوجاهة هذه المآخذ، فليست هذه نهاية الدراما، إذ أن الثورات وكذلك الشعوب لا تعمل وفق كتالوج مرسوم مُسبقًا، بل أن أكبر علماء ومؤرخي السياسة في العالم الذين درسوا الثورات الكبرى في التاريخ يتفقون على أن هذه الثورات لا تنجح في تحقيق أهدافها إلا بالتراكم، وعلى المدى الطويل. الجذوة تبقى وإن خمد اللهب. ومن ناحية أخرى فإن المجتمع المصري بعد فشل الثورة العرابية كان قد نجح في تكوين نخبة مؤهلة في كل الميادين، وليس في الحياة السياسية فقط، وكانت هذه النخبة هي صانعة الفكرة الوطنية كأساس للمواطنة بديلًا للعقيدة الدينية، كما كانت هي باعثة النهضة التعليمية والثقافية والاقتصادية، ومن ثم هيأت المناخ لثورة 1919. والتي رغم عثراتها هي الأخرى بسبب الاحتلال والرجعية المحلية، فقد نجحت في نقل كل تلك المفاهيم والمعتقدات الجديدة من دوائر النخبة الضيقة إلى الدائرة الشعبية على اتساعها. فأصبح كل مصري -مهما يكن مستواه الثقافي أو موقعه الاجتماعي- يؤمن بمبدأ المواطنة، وحق المواطنين في اختيار حكامهم ومساءلتهم.
وأما تجربة الزعماء الشعبيين مع محمد علي، فلا يصح القياس عليها لتعميم مقولة إن المدنيين المصريين يعانون عجزًا مزمنًا عن تولي الحكم، ذلك أن فكرة الوطنية هي فكرة حديثة نسبيًا لم توجد في أوروبا نفسها، إلا في حقبة تالية لحقبة محمد علي المصرية، وبالتالي فقد كانت للشرعية السياسية مصادر أخرى، هي في تلك الحالة الخلافة الإسلامية العثمانية، ويجب هنا ألا ينسى أحد أن الدولة العثمانية لعبت الدور الأهم في إجلاء الحملة الفرنسية عن مصر، سواء بجيشها الذي كان محمد علي من ضباطه، أو بتوفيرها الغطاء السياسي لمشاركة جيش بريطاني في إجلاء الفرنسيين. كما يجب الانتباه إلى أن حملة نابليون الفرنسية هذه كانت قد أحيت في أذهان شيوخ الأزهر، وزعماء الحركة الشعبية ذكريات الحروب الصليبية، وذكريات المواجهات العثمانية لروسيا، وقبلها في وسط أوروبا والبحر المتوسط. وهي كلها مواجهات اصطبغت بالصبغة الدينية لدى جميع أطرافها، ومن ثم يستحيل أن ترد على الخواطر في ذلك العصر فكرة حق المصريين في الاستقلال وفي حكم أنفسهم بأنفسهم.
الآن زالت كل تلك الالتباسات، و لا يجادل أحد في مبدأ الحكم برضا المواطنين واختيارهم، حتى إن غالط البعض في التطبيق، فالزمن أطول عمرًا من الأفراد والأجيال، والفكرة إن جاء وقتها لا تموت.
آراء أخرى
إلى أحمد دومة: اختيارات حضارية
«ثورتنا يا صاحبي حتى بعد مرور خمسة عشر عامًا تظل في قلب هذا الصراع»
جدليات الأمل واليأس في الانتفاضات العربية
«نُشرت هذه المقالة في الأصل باللغة الإنجليزية بمجلة ميريب MERIP»
الثورة في ذكراها التاسعة.. كيف نقرأ ما حدث؟ (2-3)
«كان إخوان 2011 أقرب إلى نظرة سيد قطب لدور الجماعة في انتشال المجتمع من حياة «الجاهلية»»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد