جدليات الأمل واليأس في الانتفاضات العربية
نُشرت هذه المقالة باللغة الإنجليزية بمجلة ميريب MERIP في العدد رقم 301 (شتاء 2021) ضمن العدد الخاص «حياة ما بعد الثورات». وأجرينا بعض التحرير الطفيف في الترجمة العربية بمعرفة أحد المؤلفين، عاطف سعيد.
«إذا كان اليأس خيانة فماذا عن الأمل؟ على الأقل يصارحنا اليأس بحقيقته، أما الأمل فغدار مخادع. هل رأينا خيانة أبشع مما ارتكب بيد وباسم ما تعلقت به من آمال؟... الأمل كاليأس خيانة، ولكنه كاليأس -أيضًا- ضعف إنساني طبيعي.. هنا في زنزانتي أصارع أحلامي وكوابيسي، ولا أعلم أيهم أكثر وجعًا، يتنازعني اليأس والأمل معًا.. لكنني أبدًا لا أخون».
كتب علاء عبد الفتاح وأحمد دومة (من قيادات الثورة المصرية) هذه الكلمات في مقالٍ لهما عام 2014 نشر في «مدى مصر» بعنوان «جرافيتي لشخصين.. علاء ودومة». قضى عبد الفتاح ودومة معظم العقد الماضي في السجن، أغلبه في الحبس الانفرادي. بيد أن خلطة الأمل واليأس في تجارب ثائر مثل عبد الفتاح تتحدى الفهم الشائع عن انتفاضات 2011 في المنطقة. تُبيّن تجربة عبد الفتاح، إلى جانب تجارب أفراد آخرين، خطأ الاستنتاج القائل إن الأمل في التغيير قد سيطر قبل عقد من الزمان لا لشيء إلا ليحل محله -اليوم- اليأس من الفشل.
بعد عقد من انتفاضات 2011، بات جليًا أن تلك النضالات الجماهيرية، التي هدفت للتغيير السياسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كانت الحدث الأهم في عصرنا، كما سجل ووثق محررو مجلة ميريب «مشروع الشرق الأوسط للأبحاث والمعلومات». فقد واجهت الأنظمة وقواتها الأمنية في عاصمة إثر أخرى مسارًا سياسيًا لم تستطع هذه الأنظمة التحكم فيه. أدركت شرائح واسعة من السكان أن القيام بتغييرٍ ذي مغزى أمر ممكن، أيًا كانت درجة قبضة النخبة السياسية على السلطة. بعد انقضاء عشر سنوات، ما زال الكثيرون يبحثون عن تفسير سهل لما حدث. استخدم الكثير من المراقبون مثلًا الاستعارات والتشبيهات السهلة عند التفكير في هذه الاحتجاجات ونتائجها مثل: كيف تحولت إلى حروب أهلية أو شتاءات إسلامية أو انتكاسات والعودة للاستبداد.
اِستسهل الكثير من المحللين الكلام عن النجاح والفشل وتوزيع التصنيفات لإنتاج العِظات والدروس القاسية. البحث عن منظور مبسط وسهل -يمكن الركون إليه وسط حالات من السيولة الثورية- له ما يبرره، لكن لا بد من مقاومته. بالمثل، نرفض التفكير في 2011 بعبارات الرثاء والتأبين. بدلًا من ذلك، تفضل «ميريب» دراسة الهزيمة والتدمير بوصفهما عدسة -لا نتيجة أو نهاية- ننظر عبرها للوقوف على حقيقة صراع السلطة آنذاك، وعلى ما تعنيه هذه الهزيمة وهذا الدمار لدفع التغيير السياسي اليوم. لقد أُهيلَ اللوم على الثوار العرب بحجة افتقارهم إلى منظور راديكالي كافٍ أو لسذاجتهم الطفولية، لكن علينا ألا ننسى أن السلطة السياسية علائقية، قد تُحتكَر بعض الأحيان لكنها تظل على الدوام موضع صراع.
لا بد أيضًا من النظر في قوى الثورة المضادة في القرن الحادي والعشرين، جنبًا إلى جنب مع النظر في الثورات. ولا تقتصر الثورة المضادة اليوم على القوى السياسية الداخلية داخل دولة معينة، بل تعمل في نطاق إقليمي وعابر للحدود. من الناحية الزمنية، تتمتع الثورة المضادة بالدينامية وتتغير تبعًا للاتجاهات الكامنة في السلطة والصراع عليها وتقلبات الزخم الثوري. وعلى هذا، نعتقد أن أي اختزال لدور الثورة المضادة في لحظات انتصارها أو وأد الزخم الثوري، هو اختزال مضلل شأنه شأن اختزال اللحظات الثورية في وقت تأججها. يحمل عنف الثورة المضادة الغاشم في طياته القدرة على سحق سلطة الناس، لكنه أعجز من أن يُعيد المجتمع إلى مرحلة ما قبل الاحتجاجات وما قبل التضحيات، وأعجز من أن يكتب خاتمة الأحداث.
على المراقبين، عند بحث التغيرات الناجمة عن انتفاضات 2011، الإبقاء على الفاعل الثوري في صدارة التحليل. ففي نهاية الأمر، لا تحدث الثورات إلا عن طريق الأفراد والطبقات الاجتماعية، والكثير من الفاعلين الجمعيين. تحمل الثورات أحلام الفاعلين الثوريين بقدر ما تحمل محدوديتهم السياسية.
ما هي الثورات في المحصلة النهائية؟ ترى بعض المدارس الفكرية أن علينا النظر إلى الثورات من خلال بعض الثنائيات. على سبيل المثال، يمكننا النظر للثورات على أنها تطلعات إلى المُثُل العليا أو اليوتوبيا، في مقابل التحلي بالواقعية، وفي هذه الحالة تنشأ توترات بين المثاليين والفاعلين الثوريين البراجماتيين.
من منظار ثنائية أخرى، تبدو الثورات تجارب تحريرية أو شمولية [1]. بهذا المعنى، من شأن الثورات الناجحة أن تنجب مجتمعًا تحرريًا، لكن من شأنها تمهيد الطريق لنظام استبدادي أيضًا (حالة فرنسا في أوائل القرن التاسع عشر). من منظار آخر، يمكننا رؤية الثورات بوصفها حركة وتغيير، وهو ما يقابل التفريق الشائع بين الوضع الثوري والنتيجة الثورية [2]. لكن ثمَّة ثنائية أخرى على أهميتها إلا أنها غالبًا ما تُنسى: ثنائية الثورة والثوار. لا يسعنا فهم الثورات دون أن نأخذ في الحسبان أحلام الثوار وشجاعتهم ونضالاتهم وشكوكهم وصدماتهم في الداخل وفي المنفى. بخلاف ذلك، لن يكون بمقدورنا استيعاب التجارب الشائكة للثوار العرب وتحولات الأمل واليأس في حياتهم.
تاريخ نضالي
في 17 ديسمبر 2010 أضرم التونسي محمد البوعزيزي النار في نفسه. أطلق هذا الفعل الشرارة الأولى لموجة كبيرة من الانتفاضات العربية في 2011. وتبع ذلك عدد لا يحصى من التضحيات بالنفس. لكن 2011 لم تكن مجرد بداية، بل كانت نقطة تشبعِ سنواتٍ من الصراع والنضال، من قبيل حركة كفاية وتاريخ طويل من الإضرابات العمالية في مصر، والاحتجاج الاجتماعي في البحرين، وتأجج المعارضة في أجزاء من المجتمع السوري.
علاوة على ذلك، ساعد على تغذية سياسة المقاومة [3] حركات غير رسمية لم تستهدف السيطرة السياسية بشكل مباشر، مثل حركة أمهات وأرامل ضحايا مجزرة سجن أبو سليم عام 1996 في عهد ديكتاتورية معمر القذافي. تغذى التحشيد الثوري لعام 2011 على الانتشار السابق والتضامن والاستفادة من تراث وذخيرة الفعل الجمعي الثوري المُجرَّب. ضمت القوى الرئيسة، التي أطلقت سلسلة التحولات الجذرية والمفاجِئة في السنوات العشر الماضية، نقابات مثل الاتحاد العام التونسي للشغل، وتحالفات مثل ائتلاف شباب الثورة في مصر، وتجمع المهنيين السودانيين. شكَّل ظهور الاحتجاجات غير الهرمية والأشكال الجديدة من التنظيم تحديًا كبيرًا أمام الاستراتيجيات التقليدية عند السلطة لسحق المعارضة، من قبيل تصفية القيادات و/أو اختراقها. بيد أن العقد الماضي لا يزال معلقًا دون حل، إذ بصفته سلسلة من النضالات المتتالية والمتداخلة في أماكن محددة، لم ينتهِ بعد إلى خاتمة تُرضي الجماهير التي نزلت إلى الشارع قبل عقد من الزمن.
بالنسبة لقراء الصحف في أمريكا الشمالية، فقد استيقظ العرب في 2011 للمطالبة بـ«ديمقراطية» غربية، على أن تناسب ظروف الشرق الأوسط. بيد أن هذا التصور عن الديمقراطية يميل إلى تجاهل مطالب المتظاهرين الفعلية والمتمثلة في الكرامة والعدالة الاجتماعية والسيطرة الشعبية. فمن انتفاضة الخبز المصرية عام 1977، مرورًا بالثورة الإيرانية عام 1979، إلى الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، تكررت هذه المطالب مرةً بعد مرة.
بعبارة أخرى، دأب المتظاهرون منذ فترة طويلة على طرح السؤال المهم: الديمقراطية من أجل ماذا ولمن؟ كذا تُبيّن مطالبهم استحالة فصل الأهداف الاجتماعية للثورات العربية عن أهدافها السياسية، لا لمجرد أن مظالم المحتجين ترتبط بالاقتصادي والسياسي (الخبز والحرية والكرامة)، بل أيضًا لأن أهم الفاعلين الثوريين كانوا من الطبقة الوسطى الفقيرة والمهمشين والطبقات العاملة وأعضاء النقابات العمالية. والمفارقة المؤسفة طبعًا أن وسائل الإعلام العالمية لم ترَ إلا صورة الشباب العربي الحامل لأجهزة آيفون باعتبارهم الفاعل الثوري الأساسي. هذه الصورة البائسة ساهمت في تسطيح العمق الاجتماعي للفاعل الثوري الحقيقي. وسوَّغت مثل هذه الأفكار السطحية الاستنتاج السخيف بأن الثورات العربية كانت تتطلع إلى شكل الديمقراطية الإجرائية الغربي، في وقت كانت فيه هذه السياسة تتدهور، ومؤسساتها ومواثيقها تخضع باطراد لمقاصد عسكرية وقومية أصولية أو نيوليبرالية سلطوية [4].
بحسب ما يخبرنا الفيلسوف فالتر بنيامين في كتابه ذائع الصيت «أطروحات في فلسفة التاريخ» فإن الثورة والفداء أو التعويض (redemption) توأم في التاريخ. يزعم بنيامين أن كل الثورات محاولات لتعويض أو رد بعض الحق للثورات الفاشلة في الماضي أو الخلاص من أوجه الظلم القديمة في الحاضر. بهذا المعنى، فإن الحكم على العقد الماضي من واقع بضعة نتائج تبدو -في ظاهرها- نهائية يخلق صورة ضيقة الأفق ورديئة عما أُنجِز حقًا.
إن مقاربة أكثر إنصافًا يجب أن تحيط بما حققه الثوار العرب من نجاحات أو إنجازات تعويضية: حقيقة أن بعض الدول العربية قد أجرت انتخابات حرة لأول مرة في تاريخها الحديث، وأن الناس قد شهدوا فرار دكتاتوريين دمويين هربًا -كجبناء حقيقين- من مواطنيهم أو ادعائهم المرض ورقودهم في الفراش خلف القضبان في المحكمة، وأنهم رأوا ضباط الأمن يختبئون كالمجرمين أو يهربون بالملابس الداخلية، وأن الكثير من المواطنين العرب تناقشوا علنًا وفي الشوارع حول مصير المجالس النيابية، وكيف مارس المواطنون في الكثير من الأحيان السيادة والسيطرة على أرض الواقع. كانت هذه نجاحات حقيقية سيستمر هؤلاء في تذكرها لعقود قادمة، حتى ولو كان البعض يواجه تراومات الهزيمة أو آلام المنافي الاختيارية. أي تقييم منصف للعقد الماضي يجب أن يتضمن رؤية الهزائم وهذه الانتصارات الصغيرة في علاقاتها ببعضها البعض، وليس باعتبارها نهاية حاسمة أو أخيرة للأحداث.
على سبيل المثال، إن الاعتقاد بكون سعي السوريين إلى العدالة قد مهد الطريق بداهةً إلى حرب أهلية يقفز على القرارات والضغوط والديناميات الإقليمية التي دفعت المعارضة إلى حمل السلاح [5]. وبالمثل، يتجاهل لوم هوس الثوار المصريين بميدان التحرير الإرث التاريخي للميدان كموقع للثكنات تظاهر فيه مناهضو الاستعمار ضد الاحتلال البريطاني. يمكن أن تكون هزيمة حركة سياسية هزيمة حاسمة، أقله لبعض الوقت. لكن تأتي جهود التعافي الجماعية بحراكات افتداء جديدة، مهما كانت صغيرة أو مؤقتة للوهلة الأولى. ابتداءً من 2018، بدأ المتظاهرون في لبنان والجزائر والعراق والسودان موجة جديدة من الحِراكات بتكتيكات مختلفة وأهداف مختلفة. وحقيقة الأمر أنه ما من أحد، سواء خبير أو ثائر، يمكنه ادعاء المعرفة بما سيحدث تاليًا، بعد وفاة البوعزيزي المأساوية أو الانقلاب العسكري في السودان هذا العام [2021 -المترجم].
ثورة مضادة برؤوس عديدة
سعى ثوار 2011 إلى هزيمة العدو الماثل أمامهم، أي الأنظمة القائمة وطبقاتها المتسلطة. وبحسب ما يخبرنا آصف بيات، فإن كل ثورة تحمل في داخلها بذرة ثورتها المضادة [6]. بمرور الوقت، تظهر في الحركات الناجحة ثغرات، سواء جراء القيادة غير المتكافئة أو التحالفات الضعيفة، يمكن للنخب استغلالها. لم يقتصر وجود هذه البذور في 2011 داخل الدولة القومية أو قوى النظام القديم. وعلى سبيل المثال، فإن عقودًا من المساعدة الأمنية والمعونة الأمريكية لمصر والأردن، معززة بميزانياتهما الضخمة المخصصة لأجهزة القمع، أمَّنت الكثير من الحماية للأنظمة الحاكمة في هذين البلدين.
في البداية، تراجعت الأجهزة الأمنية المصرية، لكن بعدما أفلتت بجريمة قتل المتظاهرين الأقباط السلميبن أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون الرسمي (ماسبيرو) في أكتوبر 2011، ذهبت إلى ارتكاب مذبحة أكبر في ميدان رابعة العدوية، وهذه المذبحة التي راح ضحيتها مئات من أنصار الرئيس السابق، محمد مرسي، في أغسطس 2013. وظفت مديرية المخابرات العامة الأردنية، الحليف الأهم لواشنطن في الحرب العالمية على الإرهاب، كامل قدراتها في المراقبة والترهيب لتجنيب النظام الهاشمي الحاكم مواجهة أي شيء يشبه لحظة ميدان التحرير عام 2011. وبالمثل، شجعت سنوات من بيع الأسلحة والتكنولوجيا الأمنية إلى حكام الخليج جيلًا جديدًا من المستبدين. بدأ النظام السعودي بمحاولة استباقية لاحتواء الانتفاضة اليمنية عبر الصفقات المعتادة وشراء الذمم من الجانبين. لكن لما لم يتحقق الاستقرار، تدخلت المملكة العربية السعودية -إلى جانب الإمارات العربية المتحدة- بأسلحة وتدريب ودعم أمريكيين لتدشن أكبر كارثة إنسانية في تاريخ شبه الجزيرة العربية الحديث.
تحذير المؤرخ إريك هوبسباوم الموجه إلى الثوار، يصلح لأتباع الثورة المضادة أيضًا: «إن الأهمية الواضحة للممثلين في المسرحيات لا تعني بالضرورة أنهم كُتَّاب مسرحيات ومنتجون ومصممون أيضًا» [7]. هكذا، من شأن العائلات الحاكمة والمستبدين والأجهزة العسكرية والاستخباراتية وحلفاء البرجوازية أن يسيروا في اتجاه واحد، غير أن تعاونهم يجري في لحظات مختلفة وبمنطق مختلف. من جهة ثانية، تفرز سيطرتهم على الموارد السياسية والاقتصادية عقبات ومعضلات أمام الحركات الاجتماعية، لكن هذه السيطرة بدورها متفاوتة ومليئة بالمآزق، وبالكاد تضمن النتائج.
خذ على سبيل المثال جدل النظام النيوليبرالي. ابتداءً من السبعينيات والثمانينيات، عمل الاضطراب الاقتصادي المتفاقم بفعل السياسات النيوليبرالية على قتل البدائل التنظيمية والسياسية. بحلول 2011، لم يكن لدى الحركات الثورية سوى القليل من القواعد المؤسسية الصلبة لتصوغ على أساسها برامج بديلة. جاهد العمل المنظم وغير المنظم لاستعادة قوته المفقودة، وسعى في الوقت نفسه إلى فرض سيطرته. خلّفت عقود من هجرة اليد العاملة آثارًا ضارة على الحركات الجامعة، المحلية والعابرة للحدود. أجيال من الشباب العرب ولدت في مكان معين وتعلمت في بعض الأحيان في مكان آخر، لم تجد مستقبلًا في وطنها، ليجتذبها سراب المدن الخليجية حيث بدأت من جديد.
ابتداءً من 2011، تخلّى صندوق النقد الدولي -المتربع على رأس شبكة العمل غير الآمنة هذه- عن وعوده الفاشلة وأعاد سيرته الأولى في تمويل النخب المهزوزة في عمان وتونس والقاهرة والرباط بغية تدعيمها. من جهتها، لم تقطع واشنطن مساعدتها الأمنية قط، بينما عززت العائلات الحاكمة في الخليج قوتها العسكرية عبر زيادة مستويات التمويل والاتباع للحلفاء الإقليميين. مصر مثلًا، تلقت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي المليارات، بينما عرض مجلس التعاون الخليجي عضويته على ملكي الأردن والمغرب.
تبدو هذه الشبكة من «النيوليبرالية الاستبدادية» راسخة الجذور، لكنها نظام أجوف وهش في بعض الأماكن. بالمقابل، لا تحمل الوصفات القديمة المتمثلة في الحوكمة وريادة الأعمال والخصخصة والتجارة الحرة أي بشارة نجاح اليوم بأكثر مما حملته في الثمانينيات. فما بين أيدينا من الإحصاءات العامة الإقليمية تؤيد تقارير اجتماعية واقتصادية أوضح. فبطالة الشباب والاقتلاع من الريف ومستويات عدم المساواة الاجتماعية فاقت في مستوياتها العالمية مستويات ما قبل 2011، وواصلت تزايدها مذاك. يواجه العرب كل يوم عدم المساواة في التعليم وتدهور البنية التحتية وتزايد الفقر. بالنسبة لحلفاء هذا النظام المكلف، ما من طريقة للمضي قدمًا باستثناء إدارة الأزمات: قطع بعض الإعانات وترحيل العمالة وحماية الميزانيات العسكرية والأمنية واستخدام العنف.
لكن، ما أن يهدأ الغبار حتى تبرز المعارضة كما كانت. لن تختفي مطالب اليمنيين السياسية ولا البحرينيين، فهم جزء لا يتجزأ من نسيج السياسة الخليجية. كذلك لا يستطيع العاهل الأردني الملك عبد الله والرئيس المصري السيسي إعادة بلديهما إلى الراحة النسبية (بالنسبة للنخبة الحاكمة) في التسعينيات. فما يستخدمونه من أدوات للنفي والقمع والتدمير ليس بمقدورها تشكيل السلطة السياسية من جديد.
خبرة الفاعل الثوري
بدأنا هذا المقال بكلمات اثنين من الثوار العرب يفكران في العلاقة التشابكية بين الأمل واليأس. وكما نرى أن عدم إعطاء الثورات المضادة الاهتمام الكافي خطأ كبير، نرى أن أي محاولة لفهم الثورات دون إعطاء الفاعل الثوري الاهتمام الكافي أيضًا هو خطأ جسيم. لكن مَن هو الفاعل الثوري؟ يمكن أن يمدنا النموذج الثلاثي للفيلسوف هنري لوفيفر لوصف إنتاج الحيز الاجتماعي بإطار مفيد للاحاطة الشاملة للأبعاد أو الزوايا المختلفة لفهم الفاعل الثوري وخبرته الثورية. لو استعرنا مفهوم لوفيفر، يمكننا القول إن هناك ثلاث طرق مختلفة لتحديد من هو الفاعل الثوري، وإن كان من الممكن أن يندرج الأفراد في أكثر من نوع من هذه الأنواع. فبالطبع يحمل البشر -بل وكل فرد- أفكارًا مختلفة حول طبيعة التغيير الذي ينشدونه.
يمكن أن نرى أن مَن عاش الثورة أو مر بخبراتها هو نوع من الثوار. وهذه نظرة إثنوغرافية أو سوسيولوجية للثوري. أما النوع الثاني فيندرج فيه الثوري بالمعنى السياسي. وهذا ينصرف للشخص الثوري الذي تعامل مع الصراع أو النضال السياسي أثناء الثورة. أما النوع الأخير فيندرج فيه مَن نظر إلى الثورة بطريقة فلسفية وتاريخية أو بالمعنى الاجتماعي الأوسع. ومن بين الأنواع السابقة، فالنوع الأخير وحده هو الذي يرتبط بالتركيز على النتيجة الثورية. وهكذا، نعتقد أن بعض الباحثين الذين قالوا بكل الأريحية إن الثوار العرب لم يكونوا ثوارًا بما يكفي، قد تبنوا مفهومًا اختزاليًا لمعنى الفاعل الثوري، وهو الفاعل الثوري المهموم بالنتيجة فقط. مشكلة هذا التفكير الاختزالي أنه يفترض وجود إجماع عالمي أو تاريخي حول معنى الفاعل الثوري. ليس ذلك فحسب، هذا التفكير الاختزالي يجرد الثوار العرب من تجربتهم مع الثورة أيضًا.
بالإضافة لذلك، معظم الأدبيات التي تتحدث عن الثورات والفاعلين الثوريين يركز على قادة هذه الثورات فقط. نعتقد أن المبرر الأساسي لهذا هو استمرار الاستعارات الاستشراقية أو هيمنة النماذج المرتبطة ببعض الثورات الكلاسيكية في أدبيات الثورات. نرى طبعًا أن التركيز على القيادة والقادة هو أمر مفهوم، لكن في الحقيقة تحدث الثورات على الأرض بمزيج يجمع بين العادي والاستثنائي. ولو اقتصر المحللون والمنظرون على البحث عن لينين أو تروتسكي، أو الخوميني أو كاسترو -ناهيك عنك الاستمرار في البحث عن أشباههم في قرون وعقود أخرى- سيؤدي ذلك لنتيجة مؤسفة هي الافتقار لرؤية الطيف الكامل لكل الفاعلين الثوريين. يجب إيلاء المزيد من الاهتمام للجيوش القاعدية لأي ثورة؛ المواطنين العاديين الذين شاركوا فيها، إذا أردنا فعلًا فهم تعقيدات مسارها.
تتطلب الإحاطة بمجموعة أكبر من الفاعلين فحصًا دقيقًا لمواقفهم المتنوعة، وكيف يتغيرون بمرور الوقت. إن للفاعلية البشرية خصائص مختلفة، كالنية والنظر في العواقب ورد الفعل ومراجعة الذات [8]. قد يرى الكثيرون أن الفاعلين الثوريين اليوم عالقون عند رد الفعل، بسبب شراسة الثورة المضادة. لكن هذه نظرة قاصرة، لأن الكثير من الفاعلين الثورين يواصلون مراجعة ذواتهم والتدبر فيما حدث. فلنتذكر أن هؤلاء الفاعلين الثوريين كانوا القوى المبادرة الأساسية التي أطلقت التغيير في المنطقة، هذا التغيير الذي لم ينتهِ بعد. هؤلاء الفاعلين هم الذين قلبوا المنطقة رأسًا على عقب.
لنتذكر أيضًا أنه في الثورة المصرية، كما في الانتفاضات العربية الأخرى، اختلف الفاعلون أثناء الثورة وفي أعقابها. لم يشارك البعض في الأيام الأولى، لكنه التحق فيما بعد، والبعض ممن كان الأكثر راديكالية في البداية تعاون ﻻحقًا مع النخب القديمة عند بدء ما يسمى بالمرحلة الانتقالية. باختصار، إن أي تعريف للفاعل الثوري بطريقة جامدة هو تعريف مخل وغير تاريخي. إذ من العسير أن تتطابق حسابات مجال الطموحات مع حسابات مجال النضال السياسي، والمسارات المتعثرة للثورة تطبع بدورها حياة هؤلاء الفاعلين وتعكس آلامهم.
لقد تراجع الزخم الثوري وإن استمر بعض المتظاهرين في التحلي بالشجاعة. ورغم أن الوقوف في وجه مصفحة أو دبابة في 2011 كان عملًا شجاعًا وجاذبًا للانتباه العالمي، فإن قلةً تواصل القيام به. استخدم العديد من الثوار العرب وسائل التواصل الاجتماعي في 2011. بعدها ببضع سنوات، احتُجِزوا في السجن لأجل غير مسمى لمجرد منشورات على فيسبوك أو تغريدات على تويتر. لا يمكن أن نلوم الفاعل الثوري على هذا التغيير السياقي الكبير. فقد اختلف الزخم الثوري من وقت لآخر. وقد ضغطت القوة العظمى الدولية الأنظمة الانتقالية لإعادة تثبيت الوضع الراهن وساعدتها أحيانا للوصول لأي استقرار بأي ثمن وفي أسرع وقت ممكن. على هذا، فليس من المستغرب أن يظهر القمع الرقمي والمراقبة المرتبطة به بوصفه نموذج أعمال عالمي مربح مفتوح أمام المستبدين وأرباب الرأسمالية التقنية، سواء في أمريكا الشمالية أو أوروبا أو الصين أو روسيا.
بين الثورة والثورة المضادة وبين الفاعل والتجربة، لم تستقر السلطة في أي وقت. لقد كانت جدلية طوال الوقت. يكشف أمل ويأس عبد الفتاح ودومة من أحلامهما بحياة أفضل. لا يوجد أي درس سهل فيما سبق، إنما ثمّة دعوة للنظر في كيفية تغير حياة الثوار العرب والمواطنين العاديين إلى الأبد، بقدر ما تغيرت المنطقة نفسها إلى الأبد. في نهاية الأمر، نقول ما قاله المنظر الأدبي تيري إيجلتون: «تتعلق الثورات بتشظي الهويات قدر تعلقها ببنائها، وتوليد الفانتازيا والفوضى، بالإضافة إلى الدساتير السياسية. إذا لم تكن كذلك، فعلى الأرجح أننا نعلم ما يكفي، من الناحية التاريخية، للتنبؤ ببعض الثقة بأنها -على الأقل- ستفشل من نواحيها الأساسية كافة» [9].
لقد زعزعت الانتفاضات العربية حياة المشاركين فيها وهوياتهم إلى الأبد، وإن لم تأتِ بالتغيير المنشود. لعل الهويات الآن متشظية، لكنها قيد الاستنهاض وإعادة التشكيل في أي وقت، إذ يواصل الناس في جميع أنحاء المنطقة النضال من أجل كرامة الإنسان والحرية والعدالة الاجتماعية بمختلف الطرق.
هوامش
[1] George Lawson, Anatomies of Revolution (Cambridge University Press, 2019).
[2] Asef Bayat, Revolution Without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring (Palo Alto: Stanford University Press, 2017).
[3] Amina Riad Zarrugh, “’Only God Knows:’ The Emergence of a Family Movement Against State Violence in Libya,” Doctoral dissertation, The University of Texas at Austin. 2016.
[4] Manuel Castells, Rupture: The Crisis of Liberal Democracy (John Wiley & Sons, 2018). Wendy Brown, Undoing the Demos: Neoliberalism’s Stealth Revolution (Cambridge, MA: MIT Press, 2015).
[5] Omar S. Dahi “Some Days Before the Day After,” Middle East Report 274 (Spring 2015).
[6] Özgür Gökmen, “Five Years After the Arab Uprisings: An Interview with Asef Bayat,” Jadaliyya, April 30, 2016.
[7] Cited in Theda Skocpol, States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia, and China (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), p.18, footnote 45.
[8] Albert Bandura, “Toward a Psychology of Human Agency,” Perspectives on Psychological Science 1/2 (2006).
[9] Terry Eagleton, “Foreword,” in Kristin Ross, ed. The Emergence of Social Space: Rimbaud and the Paris Commune, (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988) p. vi.
انظر أيضًا خاتمة كتاب جلبير الأشقر القَيِّم «أعراض مرضية». يؤكد الأشقر أن الكلام عن الأمل في الربيع العربي أو شتاء الثورات المضادة -أي كلام ثابت عن الأمل واليأس- هو كلام قاصر ويفترض ثبات الأحداث والواقع.
Achcar, Gilbert. Morbid symptoms: relapse in the Arab uprising. Stanford University Press, 2016.
آراء أخرى
إلى أحمد دومة: اختيارات حضارية
«ثورتنا يا صاحبي حتى بعد مرور خمسة عشر عامًا تظل في قلب هذا الصراع»
الثورة في ذكراها التاسعة.. كيف نقرأ ما حدث؟ (2-3)
«كان إخوان 2011 أقرب إلى نظرة سيد قطب لدور الجماعة في انتشال المجتمع من حياة «الجاهلية»»
الثورة في ذكراها التاسعة.. كيف نقرأ ما حدث؟ (1-3)
«بلورت صفحة «كلنا خالد سعيد» وأطرت وقدمت تكتيكات تلقفها الشارع العريض.»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد