تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

محاورة عبثية مع «هيرودوت»: مصر هبة “العصافير” (من وحْي مُخبر صحفي)

مصطفى علي
5 دقيقة قراءة

لم تكن على حق دائما يا هيرودوت.. يا أبا التاريخ.. يا مصدر الحكايات الأولى عن الماضي.. فليس الخلاف معك على عَبرانية النبي موسى فقط، ولا على أن بحر معلوماتك مليء بأساطير الأولين.. خلافنا معك، نحن الحاضر، على جملة عذَّبتنا بها يا سيادة المؤرخ.. "مصر هبة النيل يا أولاد.." ونحن نقسم لك يا صاحب التاريخ أن مصر خذلتك

وأعلنت قيادتها المستترة أنها "هبة العصافير.."

ستحتار يا سيد هيرودوت في فهم "مجاز العصافير" في بلاد الشجر والنيل.. ستتوهم أنها تلك الكائنات الوديعة التي تطير في السماء بجناحين تضرب الفضاء على خديه برقة المسيطر الحُر.. وقد تتوهم أنها تلك الكائنات الملونة صانعة البهجة التي نحبسها في أقفاص شيك في بلكوناتنا لننعم بسيمفونياتها العذبة ونتزين أمام جيراننا بما نحبِس.. لكنك معذورٌ فقد زُرتَنا ونحن محتلون تحت كسرى فارس، ولم تتعلم لغات أهل البلاد التي كتبتَها تاريخا مختلَفًا عليه، لم تلمَّ بمدلولات كل لفظ عند أهل استعماله.. فشلتَ وستفشل في فهمك لكلمة "عصافير".. فدعني إذن، أنا أحد أبناء هذا الحاضر، أن أشرح لك كيف "يُعصْفِر" المصريون أنفسهم وذويهم وأوضّح دلالات جديدة للمعنى المحدود..

العصافير يا سيد هيرودوت، ومفردها عُصفور، بضم العين وفتحها، كائنات صغيرة الحجم تنتمي إلى الطيور مخروطية المنقار، لتمكّنها بسهولة من التقاط الحَب، تلك البذور الصغيرة الغضة التي تُزرع لتنبت لنا نباتا كاملا..

وحين "يُخبر" عاشقٌ حبيبته بسرٍّ من أسرارها تسأله: كيف عرفتَ؟ يرد العاشق الماكر: العَصفورة قالت لي.. فالعصفورة إذن يا عم هيرودوت هي مفتاح معلومات.. مُلتقطة الحَبّ الصغير بمهارة، بفضل منقارها المدبب.. تراقبك بمهارة في الأوتوبيس والمترو والشارع والقهوة وفي ممرات مؤسسات العمل وتلمحها، إن دققت النظر، مُلتصقة بالجدران لترهف السمع وهي تتأمل في اتجاه آخر، "استهبالا"، لتُوهم صيدَها، "المواطن العبيط الذي لم يأخذ رتبة عصفورة بعد"، إلى أن الرادار لا يلتقطه، فيُبَعْبِع المواطن بما في بطنه من أسرار وآراء واعترافات ووجهات نظر تكفي لأن تضعه في السجن، طبقا للمادة الثانية من قانون العصافير، بمجرد أن تقوم العصفورة المسؤولة عنك بمشوار صغير إلى الجنرال أو مندوبه القابع هناك في غرفته السرية وراء الشمس، أو تُجري مكالمة تخص مستقبلك كأن تصفك مثلا بـ"بيقول إنه مستاء من الوضع ولازم تغيير وبيجمع حواليه الناس"..

يا لها من جريمة.. أيجتمع حولك ناس؟ أيقولون عنك إنك ترى التغيير لازما؟ هل أنت مُستاء من أي شيء في هذا الوضع القائم؟

لو كنت أحد هؤلاء، السابق ذكرهم، يا سيد هيرودوت، فعليك أن تتوخى الحذر والهرب من أي عصفورة حواليك، ولو عرفت أن تعقد معها صداقة أو اتفاق مصلحة فلا تتأخر، فمستقبلك، أو وجودك في أمان على الأقل من عواقب سيئة وتهديدات دائمة، مرهون بتجنب تلك العصفورة المتحوّمة حولك..

ستسألني: وكيف أتعرّف على العصفور ممّن حولي؟

أنا، كأحد أبناء الحاضر:

قد تراه راكعا أو ساجدا معك في صلاة ما.. وقد تراه يسأل عنك في مرضك أكثر من أمك وأبيك.. وقد تراه يزورك بلفّة بسبوسة إن غبتَ عن العمل.. أو قد يتصل بك ليحكي لك عن حبيبته القاسية التي تعامله باستعلاء.. أو يعرض مالا ليدعمك إن تلقيتَ خبرا سيئا بوفاة عزيز لديك.. أو يحث الأصدقاء على التواصل معك ودعمك نفسيا ويمدحك أمامهم دائما حتى بما ليس فيك.. أو يفاجئك بأن يدعوك وأصدقاءك إلى ضرورة عمل شيء لتغيير الوضع القائم..

"هيرودوت": هل معنى هذا أن مصر لم تعد هبة من نيلها لشعب أقام مصادفة على ضفتي النهر؟

أنا: لا

هيرودوت: هل رأيت عصفورا بنفسك من قبل؟

أنا: كثيرين..

هيرودوت: صف لي واحدا منهم وكيف تحول من إنسان إلى عصفورة؟

أنا: العصفورة قبل أن تكون عصفورة كان لديها حلم أن تكون ديناصور أو صقر يحلق في الأعالي ليعيش قوة وحرية، أو على الأقل قوة وليس بالضرورة حرية، لكنها للأسف لا تملك ضخامة الديناصور ولا ملاءمة الصقور للأعالي، فعاشت بخفة طائر ضئيل، ولا داعي بالطبع إلى أن تفكر في أكلة أكبر حجما من تلك "الحبَّة"، لكن مقابل الحصول على "الحبّة" الهزيلة أو الحشرة أو أي شيء حقير يُلقى لها، تكون العصفورة على استعداد لتسليم أي زميل أو صديق مواطنين، ليس عصفورا، أو حتى تسليم أي عصفورة مثلها تقف على نفس سلك الكهرباء، أو ربما تكون زاملتها في واحدة من رحلات الهجرة واقتسما معا لهيب الشمس على ريشهما..

هيرودوت: ومن ذلك الذي فكّر في هذه الاستراتيجية الجهنمية لتحويل كائن حُر لطيف إلى مجاز هذه الصورة الوحشية الحقيرة؟

أنا: إنه صانع العصافير، والفاهم كل شيء والعارف بكل شيء، وحاكم كل شيء،  ومُشكّل كل شيء، ذلك الغامض القابع في مكتب مكيف، حسبما نتخيل، فلا نعلم بالتحديد أي جغرافيا تضمه، ذلك الذي يروق له أن يقف خلف ستار ومعه نبوت أو بندقية أو مدفع أو قنبلة غاز أو مدرعة، وفوق كل ذلك معه معلومات كاملة عني وعنك، معلومات لا نعلمها نحن حتى، كل ما يخصّنا يا هيرودوت: تُكلم مَن.. تضحك مع مَن.. ما ميولك الجنسية.. ما المشاهد التي تثيرك في الأفلام.. مَن هو شاعرك المفضل ورسّامك المفضل ووضعك السريري المفضل، (في النوم وحيدا طبعا)، وفي أي موضوع تكتب تدوينات على مواقع التواصل، وهل تحلم بالغد أم بعون الآلهة تمنعك الكوابيس وفنون الإلهاء من خناقات المستشار فلان وانسحاب النادي الفلاني والقبض على الإعلامي فلان الفلاني وزواج الممثل العجوز من الشابة الجميلة، من نعمة النظر إلى المستقبل أو حتى الحاضر العبثي..

هيرودوت: يا ولداه.. كنتُ مخطئا حقا فيما كتبتُ، وشيء يسعدني أنني سبقتكم في الوجود والاختفاء بأكثر من ألفي عام.. أنتم في جحيم أبشع من جحيم "دانتي"..

أنا: لم تكن محظوظا إلى هذا الحد، فقد رأيتَ مثلنا ضعفاء متفرّقين، ومثلهم، مخططين مهَرَة في فنون القهر والتسلط، كانت لهم استراتيجيات لحرق العالم أو احتلال العالم أو استبدال العالم أو إفناء العالم، لكن مأساتنا يا سيد التاريخ أن لدينا مواجهات مع من هو أقوى وأخفى، لا نراه حتى نواجهه، فلا مانع لدينا من مواجهته، لا نعلم أين يسكن لكي نشكو له منه إن أصابنا الوهَن، كما أن سرعاتنا في الملاحقة والمواجهة والفرار كمجموع كمثل سلحفاة تسابق طائرة.. فاللهم اغفر لنا وارحمنا أو خذنا..

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
هشام فؤاد

ليلى والبَدل وسلم «الصحفيين»

« تاريخ نقابة الصحفيين مع تغوّل السلطة التنفيذية ليس وليد حملة التضامن مع ليلى سويف و«جزرة» البدل»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).