الصحافة والفساد و«ورق حائط» جونسون
العلاقة بين حرية الصحافة ومعدلات الفساد علاقة عكسية، «فكلما تراجعت مستويات حرية الصحافة ونشاط المجتمع المدني تزايدت معدلات الفساد»، والعكس صحيح، «كلما اتسع هامش الحرية ورُفعت القيود على الصحافة تراجعت مستويات الفساد».
تتعامل منظمة الشفافية الدولية في تقريرها السنوي حول مؤشر «مدركات الفساد»، مع المعادلة السابقة باعتبارها أحد المعايير الأساسية لقياس مدى انتشار الفساد في أي دولة، فلا يمكن لأي دولة أن تحقق استقرارًا سياسيًا أو نموًا اقتصاديًا بدون صحافة حرة تتدفق فيها المعلومات إلى الجمهور بلا قيود أو رقابة.
وإذا أرادت دولة ما أن تتمتع بتفوق اقتصادي وسياسي وأن يكون لها ثقل إقليمي ودولي، فعليها أولًا أن تحترم مبادئ المكاشفة والشفافية والمحاسبة، وأن تُخضع من خلال القوانين واللوائح مؤسساتها الحكومية لمراقبة وسائل الإعلام، مما يمكّن الصحافة أن تكون بحق سلطة رابعة تمارس دورها في مساءلة ومحاسبة المسؤولين نيابة عن الشعب.
التقرير السنوي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» عن حرية الصحافة، والذي يصدر بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة في مطلع مايو من كل عام، يصل إلى نفس النتائج التي كشف عنها تقرير «مدركات الفساد» الذي يصدر عن منظمة الشفافية العالمية، فالدول التي تحاصر الإعلام وتحتل مراكز متأخرة على مؤشر حرية الصحافة هي ذات الدول التي تقع في ذيل مؤشر مكافحة الفساد، أما الدول التي تتمتع بصحافة حرة فتتصدر ترتيب مؤشر مكافحة الفساد.
في بريطانيا وهي من الدول المتقدمة في مؤشري «حرية الصحافة» و«مدركات الفساد»، أعلنت لجنة الانتخابات نهاية أبريل الماضي عن فتح تحقيق في تمويل تعديلات -تغيير ديكور- قام بها رئيس الوزراء بوريس جونسون في مقر إقامته الرسمي عندما تولى المنصب. اللجنة، التي تتولى مراقبة الإنفاق، قالت إن لديها «أسبابا معقولة للاشتباه في وقوع مخالفة واحدة أو عدة مخالفات».
بدأت القصة عندما نشر مستشار جونسون السابق دومينيك كامينجز على مدونته الشخصية اتهامات لرئيس الوزراء بأن الأخير كان لديه خطط غير قانونية لحمل أنصار حزب المحافظين الحاكم على تمويل تجديدات مقر إقامة جونسون في 11 داونينج ستريت.
تلقت الصحافة البريطانية اتهامات كامينجز ونشرتها منسوبة إليه، وعندما نفى رئيس الوزراء تلك الاتهامات وأكد أنه دفع تكاليف التجديدات من ماله الخاص، وأنه فعل كل شيء حسب القواعد والأصول المرعية، توصلت الصحافة إلى مساعديه السابقين الذين أشاروا إلى أنه أخبرهم في البداية أنه لا يستطيع تحمل هذه النفقات.
استكمل الصحفيون عملهم ونشروا مصادر دخل رئيس الوزراء، وأفردت وسائل الإعلام تقارير مطولة عن مخصصات رئيس الوزراء المالية سواء من عمله كرئيس للحكومة أو من عضويته في مجلس العموم.
«يبلغ راتب جونسون نحو 160 ألف جنيه استرليني في العام، إلى جانب ما يتحصل عليه من إيجار نصف منزل في لندن و20% من بيت في مدينة سومرست، فضلًا عما يتلقاه من دخل عن مؤلفاته من دور نشر تعامل معها قبل أن يتولى منصبه. ويتسلم رئيس الوزراء مبلغًا يصل إلى 30 ألف جنيه استرليني سنويًا لتجديد مقر إقامته.. لكن الخبراء أكدوا أن تكلفة التجديدات التي أجراها جونسون تخطت 200 ألف جنيه»، وفقًا لتقرير مفصل على موقع «بي بي سي».
اتهمت الصحف رئيس الوزراء استنادًا إلى ما حصلت عليه من وثائق من لجنة برلمانية بأنه يتأخر في تقديم بيانات ذمته المالية إلى مجلس العموم، وكشفت تلك الوثائق أنه أمضى عطلة هو وخطيبته تكلفت 15 ألف جنيه استرليني، وذكرت الوثائق أن تكاليف تلك العطلة كانت تبرعًا من أحد رجال الأعمال.
وعندما ذهب جونسون إلى مجلس العموم في 28 من أبريل الماضي لمساءلته عن تمويل تجديدات شقته التي أطلقت عليها الصحافة «فضيحة ورق الحائط»، نقل الصحفيون السجال الذي دار بينه وبين خصومه من نواب حزب العمال.
بالتزامن نشرت الصحف البريطانية نتيجة لاستطلاع رأي أجرته شركة «إيبسوس موري» لاستطلاعات الرأي خلص إلى أن نسبة هائلة من الناخبين تبلغ 59% تعتبر جونسون شخصًا «غير جدير بالثقة»، ونقلت وسائل إعلام رسائل بريد إلكتروني مسربة لأمين مجلس الوزراء تكشف اسم المانح الذي دفع تكلفة تجديدات الشقة، وهو المانح المحافظ اللورد برارونلو.
وعادة تُنشر تفاصيل أي قروض أو هدايا يتلقاها رئيس الوزراء في سجل مصالح الوزراء الذي يطبع مرتين في كل عام، ألا أن هذا السجل لم يُنشر منذ يوليو 2020، ويقول مكتب رئاسة الحكومة، إنه من المتعذر نشره قبل تعيين مستشار مستقل جديد يحل محل السير أليكس آلان الذي استقال في نوفمبر الماضي.
حتى نشر هذه السطور لا تزال الصحافة البريطانية تتبع تفاصيل فضيحة «ورق الحائط»، فوسائل الإعلام في بريطانيا وغيرها من دول الغرب تستهدف ملاحقة الحكومات والمسؤولين السياسيين بتقاريرها عن أي تجاوز أو تخطي للقواعد والقوانين التي تحكم العلاقة بينهم وبين المواطنين، فالمجتمع في تلك الدول التي تحكمها أنظمة ديمقراطية مؤمن بأن الصحافة الحرة حاجة ملحة وليست رفاهية، فهي صمام الأمان الذي يحصنها من الفساد أو الوقوع في براثن الديكتاتورية المقيتة.
تتعامل الدول الديمقراطية مع الصحافة باعتبارها عين المواطن على مؤسسات الحكم، فهي الأداة التي تمكن فئات الشعب من اختيار الحكومات وعزلهم عن طريق صناديق الاقتراع، فلولا الأخبار والتقارير التي تنشرها الصحف ما استطاع الناخب أن يكون وعيًا يمكنه من إدراك مدى وفاء الساسة بتعهداتهم أو التزامهم بالقواعد والمعايير التي نصت عليها الدساتير والقوانين والأعراف الديمقراطية.
الحرية التي تتمتع بها وسائل الإعلام البريطانية، إلى جانب قواعد المسائلة البرلمانية والقضائية التي يكفلها النظام الديمقراطي هناك، وضعت المملكة المتحدة في مركز متقدم على مؤشر «مدركات الفساد» فجاء ترتيبها في تقرير عام 2020 الذي صدر عن منظمة الشفافية العالمية مطلع العام الحالي، بالمركز الثاني عشر من ضمن 180 دولة شملها التقرير. حصلت بريطانيا على 77 نقطة من أصل 100 نقطة في المؤشر السنوي، وتمثل الـ«100 نقطة» أعلى درجات الشفافية، في حين أن «الصفر» يشير إلى الفساد الكامل.
وفي التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2021 الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود»، حافظت بريطانيا على ترتيبها للعام الثالث على التوالي، واحتلت المركز الـ 33 ضمن 180 دولة شملها التقرير الذي صدر قبل أيام.
أما في منطقتنا العربية فالتضليل الذي تمارسه الحكومات على المواطنين والحصار التي تفرضه على المنصات الصحفية جعلها في ذيل التصنيف العالمي لحرية الصحافة، وهو ما وضعها بالتبعية في مؤخرة الدول التي تكافح الفساد في تقرير منظمة الشفافية الدولية.
تقرير «مدركات الفساد» الأخير أشار إلى أن بعض الحكومات استغلت أزمة جائحة «كورونا» لتعليق عمل البرلمانات وتخلت عن آليات المساءلة العامة وحرضت على العنف ضد المعارضين، وشدد التقرير على ضرورة أن تتوافر لمجموعات العمل المدني ووسائل الإعلام الظروف المواتية لمحاسبة الحكومات.
ودعا التقرير الحكومات إلى أن تضمن للمواطنين الحصول على معلومات سهلة وذات معنى ويمكن الوصول إليها في الوقت المناسب من خلال ضمان حقهم في الوصول إلى المعلومات، مشيرًا إلى أن الفساد لا يزال يقوض الديمقراطية، «البلدان ذات المستويات الأعلى من الفساد تميل إلى أن تكون أسوأ مرتكبي انتهاكات الديمقراطية وسيادة القانون».
وربط تقرير المنظمة كالعادة بين ارتفاع معدلات الفساد والانتهاكات التي تمارسها الحكومات ضد حرية التعبير والصحافة، بما في ذلك اعتقال الصحفيين الذين ينتقدون السلطة العامة ويحققون في قضايا الفساد، أو يسلطون الضوء على نقص الشفافية الحكومية.
ترتيب مصر في تقرير منظمة الشفافية العالمية الخاص بمؤشر الفساد لعام 2020 تراجع إلى 117 عالميًا مقارنة بـ 106 في 2019، حيث حصلت على 33 نقطة من أصل 100.
عربيًا احتلت مصر المركز الـ11، لتتخلف على دول مثل الإمارات التي تصدرت الترتيب العربي تليها قطر ثم عمان والسعودية والأردن وتونس.. إلخ، فيما تمكنت من تخطي جيبوتي والصومال وموريتانيا واليمن وسوريا ولبنان.
فيما أظهرت النسخة الأخيرة من التصنيف العالمي لحرية الصحافة عن عام 2021 الذي يُقيِّم الوضع الإعلامي في 180 دولة، أن ممارسة العمل الصحفي تواجه عراقيل شديدة في 73 دولة، وتئن تحت وطأة القيود في 59 دولة أخرى، أي ما مجموعه 73% من البلدان التي تم تقييمها.
وتنكشف معوقات العمل الصحفي من خلال بيانات التصنيف التي تقيس كل ما يعترض سبيل التغطية الإخبارية من قيود وعراقيل، حيث سجلت «مراسلون بلا حدود» تدهورًا صارخًا في المؤشر المتعلق بهذا الجانب. ففي سياق الأزمة الصحية، بات من المستعصي على الصحفيين الوصول إلى مكان الأحداث ومصادر المعلومات على حد سواء.
ووفقًا لتقرير المنظمة فإن بلادنا حافظت على موقعها المتأخر، «كثفت أكثر دول الشرق الأوسط استبدادًا -المملكة العربية السعودية جاءت في المركز (170) ومصر (166) وسوريا (173)- من ممارساتها القمعية المتمثلة في تكميم الصحافة، لتحكم قبضتها على وسائل الإعلام في سياق جائحة كوفيد-19، حيث جاءت الأزمة الصحية لتعمق جراح الصحافة المحتضرة أصلًا في هذه المنطقة، التي لا تزال الأصعب والأخطر في العالم بالنسبة للصحفيين».
الحجب والمنع والرقابة التي تمارسها سلطات بلادنا على الصحف، فضلًا عن ملاحقة الصحفيين واحتجازهم استنادًا إلى اتهامات معلبة من عينة «نشر أخبار كاذبة، وتعمد إثارة البلبلة، وتكدير الرأي العام، أو مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها»، لن يخلق استقرارا ولن يصنع تنمية أو تقدم، بل سيساعد على انتشار الفساد والمحسوبية والجهل والتخلف على جميع المستويات.
كريستوف ديلوار، الأمين العام لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، قال في سياق تعليقه على تقرير منظمته الأخير إن الصحافة هي أفضل لقاح ضد التضليل الإعلامي، «لسوء الحظ غالبًا ما يُعرقَل العمل الصحفي لعوامل سياسية واقتصادية وتكنولوجية، بل ولدواعٍ ثقافية في بعض الأحيان.. فأمام انتشار المعلومات المضللة عبر حدود البلدان وعلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، تظل الصحافة هي الضامن الرئيسي للنقاش العام الذي يقوم على الحقائق الثابتة».
الاقتصادي الهندي أمارتيا سن أستاذ الاقتصاد والفلسفة في جامعة هارفارد الحاصل على جائزة نوبل له مقولة بالغة الدلالة في هذا الشأن، حيث قال «لم تقع أى مجاعة ضخمة فى أى بلد مستقل، أو ديمقراطي، به صحافة حرة.»
آراء أخرى
ليلى والبَدل وسلم «الصحفيين»
« تاريخ نقابة الصحفيين مع تغوّل السلطة التنفيذية ليس وليد حملة التضامن مع ليلى سويف و«جزرة» البدل»
استباحة مسؤول في السلطة
«في عهود سابقة كانت الاختلاف بين السلطة وأحد رجالها ينتهي بإزاحة هذا المسؤول دون تشهير أو إهانة،»
الاستبداد ومحاولات الإفلات من حكم التاريخ
«تسعى نظم الحكم الاستبدادية إلى تضليل الرأي العام، وتسطير وكتابة تاريخ موازي»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد