تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ماكينة مكافحة السرطان

يارا سلام
7 دقيقة قراءة
ماكينة مكافحة السرطان

أحاول أن أصف مشاعري اليومية تجاه مرض والدي وتدهور حالته ولا أستطيع. أستيقظ من النوم في منتصف الليل غاضبة من الأطباء وفي النهار أُعقلن الأمور، وأقول لنفسي إن جسده يتهاوى لعدة أسباب متراكمة ومختلفة، مرتبطة وغير مرتبطة بمرضه. ثم أعود مرة أخرى لمشاعر الغضب من الأطباء. 

توفي والدي يوم 6 ديسمبر من العام الماضي وتركني مع هذا النص الذي كنتُ انتويت عرضه عليه ليبدي لي رأيه فيه. كنتُ أصارع أفكاري ومشاعري كل يوم قبل وفاته، مُتسائلة عما يمكنه وقف الأقدار، أو تعليقها لبرهة حتى أتمكن من إيجاد حل لحالته الصحية. لم أستطع الاستسلام إلى النهاية بكل بساطة، إلا أن بوفاته أصبح هناك المزيد من الأسباب لنشر هذا النص لعلاقته بتأثير المنظومة الطبية في مصر على أجسادنا وأجساد مَن نحب.

من الآن فصاعدًا تغيّر فهمي لما يعنيه الحق في الصحة، وتغيّر تصوري عن الخدمات الصحية مدفوعة الأجر التي تعاني -حتى وإن كانت مدفوعة الأجر- من أزمات هيكلية تُفقد المرضى الكثير من إنسانيتهم وتستهلك مشاعر مَن يحبونهم.

في نوفمبر 2019، شُخّص والدي بمرض سرطان الرئة في مرحلته الرابعة، بدأ من بعدها برنامج العلاج المناعي (كورس علاجي). وبسبب تطور ورم ثانوي بالمخ، تمّ وصف إجراء جلسات علاج إشعاعي عليه، بشرح بسيط عن الآثار الجانبية المُعتادة البسيطة التي يُجرى التعامل معها ببضع من الأدوية. ربما لو علِم والدي بحقيقة الآثار الجانبية المحتملة للعلاج الإشعاعي عليه لرفضه وتفادينا هذا التدهور الكبير. وربما إن قام هذا الطبيب بإجراء مزرعة دم قبل الرحيل من المستشفى أول مرة لكنّا علمنا بوجود بكتيريا وعالجناها بدلًا من قرار الأطباء بعدم الحاجة للبقاء في المستشفى، مع تأكيد أن المشكلة فقط في عدم الأكل والشرب والحركة. عُدنا للمستشفى بعد خروجنا منها بثلاثة أيام فقط، ولكن هذه المرة لم نبق بجوار والدي في غرفة عادية، ولكن تركناه وحيدًا في غرفة العناية المركزة في حالة شديدة الخطورة على حياته ليس بسبب سرطان الرئة الذي يعاني منه منذ أكثر من عام، وإنما بسبب أعراض جسدية أخرى كان يمكن توقعها. استغرب رئيس وحدة العناية المركزة أننا كنّا في المستشفى منذ عدة أيام، وقيل لنا إن نرحل.

قبل عودتنا الأخيرة للمستشفى، حاولنا الوصول إلى الطبيب المعالج لوالدي ولم نستطع التحدث إليه بشكل مباشر. قيل لنا إن عليه الذهاب إليه لإجراء كشف قبل أن يوجهنا لما يجب علينا أن نقوم به، وذلك بالرغم من شرحنا لمدى تدهور حالته، وأن بإمكاننا أن نتكفل بزيارة منزلية ليتمكن من أخذ دوائه الدوري. لم نكن في وضع يسمح بأخذ الدواء قبل الوقوف على موقف حالة والدي الصحية، إلا أن هذه المرة أيضًا لم ينصحنا أحد -نحن أسرته- بكيفية التعامل مع والدي في هذه الحالة ليصل سليمًا إلى العيادة لإجراء الكشف. 

نصحتني صديقتي، التي يعمل والدها طبيب باطنة، أن نستعين بخدمة ممرض لهذا اليوم حتى يساعد والدي على الحركة، ورشحت شخصًا لا أستطيع حتى الآن تخيّل وصول والدي إلى الطوارئ بدونه. ذهبتُ مبكرة إلى العيادة بعدما انتهيت من جلستي الثانية في العلاج الإشعاعي لأتلقى مكالمة تؤكد احتياج والدي كرسي متحرك، فهو لا يستطيع الحركة على الإطلاق. سألتُ العيادة عن وجود هذه الإمكانية، فأخذ المساعد الإداري مني بطاقتي الشخصية وأعطاني الكرسي. لم يكن من الواضح كيف أتعامل مع هذا الكرسي، ومع والدي في هذه الحالة. كان الأهم البطاقة الشخصية ضمانًا لسلامة الكرسي.

قيل لوالدي عندما وُصف له العلاج الإشعاعي للتعامل مع ورم ثانوي على المخ إنه ليس هناك آثار جانبية تُذكر، وإن ببعض الأدوية سيتمّ التغلب على الشعور بالغثيان وخلافه من الأشياء البسيطة. كنتُ أزوره بعدما انتهى من جلسته السابعة (من إجمالي عشر جلسات) وكان كالمعتاد في صحته المُستقر عليها لمدة عام. كنت قد شُخّصت بمرض سرطان الثدي بعد سبعة أشهر من تشخيصه هو، وفي تلك الفترة كنتُ قد غبت عنه بسبب انشغالي بجلسات الكيماوي والتعامل مع آثارها الجسدية والنفسية، مطمئنة لتأكيد الأطباء أن الجلسات ستمر بسلام، إلا أني لاحقًا علمتُ بأن جسده عند الجلسة الإشعاعية العاشرة تهاوى تمامًا وانهار. طمأنه الأطباء أن هذا شيء طبيعي وسيمر خلال شهر، إلا أن أحدًا لم يرشده عن كيفية التعامل مع فترة الانهيار الجسدي، ومساعدة جسده في التعافي منها. 

ليس لديّ أدنى شك أن هذا أقل ما يتعرّض له مرضى السرطان في مصر، بل المرضى في مصر بشكل عام، ولذا أحاول التعامل مع غضبي من الأطباء بشكل عقلاني، إلا أنني في هذه اللحظة لا أستطيع قبول أن والدي -وجميعنا- ﻻ يستحق رعاية صحية أفضل. نستحق جميعًا أن نعلم الأبعاد المختلفة لمرضنا ولخطة علاجنا، وأن تكون موافقتنا على المضي قُدُمًا في خطوات العلاج مبنية على معلومات صحيحة وصريحة حتى يكون اختيارنا واعي. 

كنا نسخر أنا وصديقتي من أن للذهاب لطبيب يجب أن يكون معنا طبيب آخر، أو أن نكون نحن أنفسنا أطباء، وهو للأسف واقع خبرتي مع مرضي ومرض والدي. شبكة الدعم «الطبي» التي أحظى بها كمتعافية من السرطان، وكأحد أفراد أسرة مريض سرطان، هو بسبب امتيازات عدة أحظى بها مثل العلاقات الشخصية والطبقة الاجتماعية والحالة المادية وخلافه. كل هذه الامتيازات لم تمكّن والدي من تفادي العناية المركزة لأسباب كان يمكن تفاديها، إلا أنني أُذكّر نفسي كل يوم أن عليّ أن أتعامل مع الأمر الواقع كما هو، وأن يكون لدي أمل كل يوم في قدرة والدي على التعافي وفي رغبته في الحياة على الرغم من ضعف جسده. 

قالت لي صديقتي إن لأطباء الأورام نظرة عامة على المرضى، وفي لحظات يرون أن «الحالة» لن يُجدي معها علاج وبالتالي يصبون تركيزهم على «الحالات» التي قد تُشفى من السرطان. أظن هذا ما حدث مع والدي، رأى أطباء السرطان أن جسده في حالة انهيار وقرروا أنه لا يوجد شيء يمكنهم القيام به لإنقاذه من السرطان فتركوه يرحل لمنزله متجاهلين أية أعراض أخرى يمكن أن تهدد حياته. أليس السرطان هو العدو الأشرس؟ لا أزال أشعر بأن لديّ الحق في الغضب منهم جميعًا قبل الغضب من ترتيبات القدر الذي جعلنا نمر بعام من الحالة المستقرة والتعايش مع سرطان في مرحلته الأخيرة. لم يدخل والدي العناية المركزة بالأساس بسبب السرطان، وإنما لأسباب مختلفة تتعلق بضعف عضلة القلب، وتوفي بسبب فشل كلوي حاد.

بانتهاء رحلتي اليومية لتلقي العلاج الإشعاعي في نفس المستشفى التي توفي فيها والدي ينقطع الخيط الخبيث الذي ربطنا سويًا خلال الأشهر الماضية، وتبقى آثار من الشعور بالذنب لنجاتي من المرض ورحيله هو، المتشبث بالحياة أكثر مني والمُحب لها حتى النهاية. لم يتلق أبي نفس الرعاية الطبية التي تلقيتها، ولم يعره أطباؤه نفس الاهتمام الذي حظيت به لمجرد أن فرصه في النجاة كانت منذ البداية قليلة. فقدتُ الثقة في الأطباء عندما شعرتُ أننا كمرضى لم نكن على قدم المساواة، فأنا اليوم محظوظة باكتشاف مرضي مبكرًا وفرصي في النجاة عالية، وربما غدًا أكون في مكان والدي أصارع مرضًا في نهاية مراحله وينظر لي الأطباء نظرة حسابية وما إذا كانت فرصي في النجاة تستحق وقتهم.

ما تعلمته من خلال رحلة مرض والدي، رفعت سلام، الشاعر المُتشبث بالحياة لآخر لحظة، ومن رحلة مرضي الشخصية مع السرطان هو أن «العلاج» ليس شيئًا واحدًا، فهو ليس فقط الدواء والجراحة، «العلاج» هو رحلة أشمل من ذلك يبدأ مع اكتشاف المرض، ولكن لا ينتهي مع تحديد بروتوكول علاجي. 

لا يجب أن نكون نحن مرضى السرطان (بل المرضى بشكل عام في مصر) جزءًا من خط إنتاج لمكافحة السرطان، فأجسادنا ليست ساحة حرب، ونحن أكبر من كوننا مجرد وعاء يحتوي على خلايا سرطانية. حقنا في الرعاية الصحية لا ينحصر فقط في تقديم بروتوكول علاجي، بل يتطلب أيضًا اصطحاب نفسي وتواجد خلال رحلة العلاج، ومناقشة في جميع جوانب المرض من تغذية ودعم نفسي لنا كمرضى وأُسرنا، وإيجاد طريقة لفتح المناقشة الصعبة حول خيارات العلاج التلطيفي وخدمات الـ«هوسبيس» بشكل ودود ومتفهم لمشاعرنا ومشاعر أُسرنا. يستدعي ذلك بالطبع أن تكون أعداد الأطباء متناسبة مع أعداد المرضى، وأن تكون أجورهم وظروف عملهم عادلة، وأن تتضمن مناهج التدريس في كليات الطب كيفية التعامل مع المرضى بجانب التعامل الإكلينيكي مع المرض، وأن يتطور قطاع العلاج التلطيفي وخدمات الـ«هوسبيس» في مصر، وأن يكون جزءًا لا يتجزأ من الخدمات الصحية لنا جميعًا، ولمَ لا نأمل أن يكون ذلك جزءًا مما يقدمه التأمين الصحي الحكومي لكل المصريات والمصريين؟

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).