تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ليست جزرًا منعزلة.. جسر الأزمات وحلولها بين الغرب والشرق الأوسط

ثاناسيس كامبانيس
26 دقيقة قراءة
ليست جزرًا منعزلة.. جسر الأزمات وحلولها بين الغرب والشرق الأوسط
Protesters seen all over Capitol building where pro-Trump supporters riot and breached the Capitol in Washington, DC on January 6, 2021. Rioters broke windows and breached the Capitol building in an attempt to overthrow the results of the 2020 election. Police used buttons and tear gas grenades to eventually disperse the crowd. Rioters used metal bars and tear gas as well against the police. (Photo by Lev Radin/Sipa USA)No Use UK. No Use Germany.

ما يلي هو ترجمة بالتعاون مع «مدى مصر» لنسخة مختصرة من نقاش مائدة مستديرة ضمن مشروع  «النَزَعات العابرة للحدود الوطنية في المواطنة: الاستبداد وثقافة المقاومة العالمية الناشئة»، لمؤسسة القرن الدولي/ the century foundation.بدعم من مؤسسة كارنيجي/ Carnegie Corporation، في نيويورك، ومؤسسات المجتمع المفتوح/ the Open Society Foundations. يمكن العثور على النص الكامل باللغة الإنجليزية هنا: https://tcf.org/content/report/no-region-is-an-island-crises-and-their-solutions-connect-the-west-and-middle-east/?agreed=1

يواجه العالم اليوم أزمة رهيبة في الديمقراطية والحوكمة.

ويبدو أنه لا توجد منطقة محصنة ضد هذه الأزمة، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث بلغت الأزمة ذروتها مع محاولة العصيان المسلح في 6 يناير 2021 التي جاءت بعد موسم كامل من الاحتجاجات ضد عنف الشرطة في مختلف الولايات، بالإضافة إلى النزاع المرير مع الرئاسة. 

كان اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي مجرد فصل آخر في سلسلة تحدي الأفكار الليبرالية المتنامي على مستوى العالم. إن دورات استحواذ الأنظمة المستبدة على الحكم، وموجات الاحتجاجات الجماهيرية وفشل الإدارة يمكن إرجاعها إلى أحداث 11 سبتمبر 2011 وتبعاتها، والأزمة الاقتصادية لعام 2008. ولكن في واقع الأمر، تعود جذور هذه الأزمة إلى عدة عقود ماضية، حتى إن لم يصبح اضمحلال الديمقراطية أمرًا لا يمكن إنكاره إلا في السنوات الأخيرة فقط. بعض أشد الأمثلة وضوحًا على تغلغل أو إعادة إحياء الأنظمة المستبدة تمهيد رئيس الهند المنتخب الطريق لإسقاط الجنسية عن ملايين المسلمين، وسحب الصين حقوق سياسية أساسية من هونج كونج، واكتساب رئيس الفلبين المنتخب شعبية كبيرة بعد قيادته حملة قتل عشوائية بدعوى الحرب على المخدرات، فيما فاز برئاسة البرازيل جندي مظلات سابق بنى حملته الانتخابية على الحنين إلى الديكتاتورية العسكرية. 

وتوضح الأمثلة التي لا حصر لها من كل منطقة بالعالم بما لا يحتمل الشك أن هجومًا ممنهجًا يستهدف صلب أفكار المواطنة والحقوق العالمية بشكل غير مسبوق في عهد ما بعد الحرب العالمية الثانية. 

الديمقراطيات تساوت مع الديكتاتوريات بفشلها في توفير سبل الحياة، والخدمات، أو المسؤولية والمحاسبة. الفساد، وإفلات الشرطة من العقاب، والعنف الجامح للجماعات المسلحة أصبحت كلها أوجه مألوفة للحياة العامة في كل مناطق العالم، فيما الحكومات عاجزة أو عازفة عن توفير أي شكل من أشكال العدالة أو الأمن الحقيقي.

شهدت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية جدلًا عالميًا حول نظام الحكم الأفضل، إلا أنه كان هناك اتفاق واسع حول مسؤولية الدولة الناجحة في توفير الأمان والصحة والرخاء لكل مواطنيها. في السنوات الأخيرة، اعتنق القادة السياسيون مذهبًا انهزاميًا نفعي يفترض أن الحكم الرشيد هو ببساطة أمر غير قابل للتحقيق، بل أن العديد منهم قد تنصلوا من فكرة أن الدول الحاكمة ينبغي أن تكون مسؤولة عن توفير الحقوق والخدمات الأساسية للمحكومين.

إن ترنح الولايات المتحدة نحو الحكم الاستبدادي هو أمر لا يمكن تصوره بالنسبة للبعض، فقد روجت الطبقة السياسية ومؤسسة السياسات الخارجية طويلًا لفكرة أن أمريكا محصنة بشكل فريد ضد القوى المعادية للديمقراطية، إلا أن اللحظة التاريخية الراهنة ينبغي أن تعلمنا درسًا شديد الاختلاف: الاستثنائية الأمريكية والغربية وهم محض. فلا الولايات المتحدة ولا الغرب بشكل عام غير مسؤولين عن القوى التي تشكل الحياة السياسية للمجتمعات في كل أنحاء العالم.  ثلاث ملاحظات أساسية دفعت مؤسسة القرن/ the century foundation لبدء الدراسة المقارنة التي استغرقت عامين بعنوان: «نَزَعات المواطنة العابرة للحدود: الاستبداد وصعود ثقافة المقاومة العالمية».  الملاحظة الأولى هي أن العالم يواجه أزمة جوهرية تهدد بتقويض كل مكاسب الإدارة والحكم التي حٌققت في عهد ما بعد الحرب، والملاحظة الثانية هي أن هذه الأزمة عابرة للحدود، ونتيجة لأن القوى التي تعبر الحدود بيسر قد تفوق قوتها قوة الدول في بعض الأحيان، أما الملاحظة الثالثة فهي أنه مثلما كانت الأزمة نتاج شبكات عابرة للحدود -وفشل تشبيكي- فلا بد أن يأتي الحل كذلك من خلال التعاون والتعلم والعمل العابر للحدود. 

لتعزيز هذه الدراسة، قامت مؤسسة القرن/ the century foundation بجمع أكاديميين وواضعي سياسات وصحفيين من منطقتين بتعريفهما الواسع: الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وغرب أوروبا وأمريكا الشمالية. اخترنا التركيز على هاتين المنطقتين لما لنا من خبرة مؤسسية عميقة في مجالهما، ولكونهما محل أغلب بحوث السياسات التي نجريها، وكذلك لأن الصلات واسعة النطاق والإشكالية في كثير من الأحيان التي تربطها ترمز إلى العلاقات التي تكمن وراء الأزمة العالمية الأوسع.

في سلسلة من الموائد المستديرة واللقاءات والتقارير والتعليقات، ركز المشاركون/ات في مشروع «نَزَعات المواطنة العابرة للحدود» على عدد من أبرز جوانب هذه الأزمة العالمية: الميليشيات، وقضايا الجندر والجنسانية، ومساءلة الشرطة، والاحتجاجات. وقدمت المبادرة منظورات جديدة حول المشاكل الاستقطابية في كلتا المنطقتين، بداية من دور الحرب الدولية ضد الإرهاب في تصاعد المشاكل الخاصة بالمراقبة والسيطرة المحلية، إلى الروابط التاريخية بين الهلع الأخلاقي السابق حول فيروس نقص المناعة ومرض الإيدز في الولايات المتحدة، والحروب الثقافية المدبرة الأخيرة على اللاجئين، وكذلك حول الجنسانية في أوروبا والمشرق.    

إلا أننا نؤمن أن أساليب مؤسسة القرن/ the century foundation المتبعة في هذا المشروع تحمل أهمية أكبر: يمكن استخدامها كنموذج لتجاوز الاستثنائية، وللتعلم بشكل عابر للحدود والمناطق، فالمقاربة العابرة للحدود التي ساهمت في توضيح الاتجاهات والحلول لمشكلات مثل عنف الميليشيات، وعدم خضوع الشرطة للمساءلة، يمكنها أن تساهم في قضايا طارئة أكثر تعقيدًا مثل الصحة العالمية والتغيير المناخي.

المستبدون والمتمردون يتناقلون الخبرات عبر الحدود

عندما تأمل باحثو مشروعنا، بشكل جماعي، أزمات المناطق المختلفة التي يدرسونها، وجدوا أن هناك صلات متشابكة تربط بين مناطق العالم عبر الحدود. الأنظمة الاستبدادية تتواصل مع بعضها، حيث يقتبسون من بعضهم الآليات لإحباط التحركات الجماهيرية، وتتبادل مؤسساتهم التكتيكات وتطور الأيديولوجيات، وفي كثير من الأحيان يتم ذلك من خلال برامج التدريب والتبادل المهني طويلة الأمد، ويتجلى هذا التلقيح المتبادل بوضوح في القطاع الأمني، في برامج تدريب الجيش والشرطة، كما يظهر هذا التبادل أيضًا بين المجموعات شبه العسكرية، حيث تعمل المجموعات المسلحة الهجينة وغير النظامية على محاكاة الأنظمة الرسمية التي يدعمونها أو يعارضونها.

تتبع الحركات الأيديولوجية التي تدعم الاستبداد وتقوض المعايير الديمقراطية دليل الإرشادات نفسه عبر المناطق، وتظهر تلك الاستراتيجيات المتشابهة بوضوح في استخدام الحروب الثقافية والهلع الأخلاقي لحشد الدعم لأجندات سياسية سابقة الوجود، إلا أن ما ينفع الأنظمة ينفع كذلك القوى التي تعارضها. تتبنى المقاومة الشعبية نفس أنماط التعلم العابرة للحدود، وكذلك تبنى الحركات الاحتجاجية على تكتيكات وأيديولوجيات واستراتيجيات بعضها البعض، سواء داخل المناطق أو عبرها. كل حركة احتجاج محلية أو وطنية تحمل طابعًا شديد الخصوصية من حيث الأسلوب والمطالب السياسية المحددة. وفي الوقت ذاته، هناك تطور واضح في الاقتباس والتعلم تربط بين الانتفاضات العربية لـ2010 - 2011 وحركة «احتلوا وول ستريت»، والحركات السياسية المعارضة للتقشف في أوروبا، ثم الموجات الاحتجاجية اللاحقة في كل من العراق ولبنان والجزائر والسودان وغيرهم، وتظاهرات «حياة السود مهمة» في 2020. 

إن حركات المقاومة الشعبية والحركات السياسية الإصلاحية وكذلك القوى الرجعية كثيرًا ما تستمد قوتها من سبل التضامن العابر للحدود بنفس درجة الكفاءة التي يحققها أعداؤهم المستبدون عن طريق نشر الهلع الأخلاقي عبر المناطق. ولكن حتى إن كانت المقاربة العابرة للحدود ضرورية لفهم هذه النَزَعَات العابرة للحدود، ينبغي مع ذلك توخي الحذر لتجنب الوقوع في خطأ التعميم، فقد تكون المناطق وحدات تحليل كاشفة، بالرغم من أن تعريفاتها قد تتغير، ويمكن كذلك الوقوع في خطأ المبالغة في تقدير الطبيعية الإقليمية للأزمات الممنهجة. 

مشروع «نَزَعَات المواطنة العابرة للحدود» يسعى لتحقيق توازن يجمع بين البحث عن أوجه الشبه الحقيقية بين المناطق المختلفة والاعتراف بأن الكثير من الناس يعتبرون أنفسهم جزءًا من مجتمع إقليمي، ولكن في نفس الوعي بأن هذه «الحدود» المرسومة حول المناطق لها جذورها المصطنعة والإمبريالية، كما يقول جاكوب موندو، أحد المشاركين في مجموعة العمل على موضوع الميليشيات بمشروع «نَزَعَات المواطنة العابرة للحدود» أن الشرق الأوسط منطقة شكلتها القوى الامبريالية الغربية عن طريق التدخل العسكري وأشكال أخرى من العنف. 

كثيرًا ما تتم شؤون الأمن والتجارة والسياسة على نطاقات إقليمية واسعة، ولا تقتصر أهميتها على البعد الجغرافي فحسب، وإنما لما تتضمنه من علاقات بين الدول كذلك. ولذلك أي ملخص بسيط وغير شامل للانتماءات العملية الإقليمية يُظهر أن التكتلات الإقليمية، الرسمية منها وغير الرسمية، هي التي تصيغ الأحداث في الشرق الأوسط، وتربط الصراعات والروابط الاقتصادية الأحداث عبر المنطقة، من تركيا إلى شمالي السودان جنوبًا، ومن المغرب حتى غربي إيران شرقًا. عندما يتعلق الأمر بشؤون مختلفة، تكتلات أخرى هي التي تتصدر المشهد -«العالم العربي» والمقصود به البلدان الناطقة بالعربية كلغة مهيمنة، أو دول الخليج العربي التي تتكون من عصبة صغيرة من الممالك والإمارات الغنية بالنفط، والتي تتحكم في قدر كبير من ديناميكيات المنطقة نتيجة لقوتها الاقتصادية، أو تدخلاتها أو صراعاتها الداخلية. وهناك العديد من التكتلات السياسية الأخرى التي يتضخم حجم تأثيرها ويتصاغر باستمرار (الموقعون على الاتفاقية الإبراهيمة، جامعة الدول العربية). يمتد تأثير الربيع العربي الذي بدأ في تونس في 2010 حتى يومنا هذا، وبالرغم من تبني غالبية الحركات الاحتجاجية لأجنداتها السياسية الخاصة، إلا أن صلة تربطها بالحركة الإقليمية الأوسع للثورات الشعبية ضد الحكم المتحجر. 

بنفس الشكل، بدأت الدول الغربية تدرك أنه رغم تفرد خصائصها إلا أنها تتأثر بالاتجاهات الإقليمية بل والدولية أيضًا. إن أزمة الديمقراطية والإدارة التي حلت على دول أوروبا وأمريكا الشمالية هي ظاهرة طويلة الأمد ذات أبعاد قومية وإقليمية وعالمية، فقد اعتادت الولايات المتحدة على وجه التحديد تخيل تجاربها الخاصة كنقطة مرجعية محايدة، فيما تقسم باقي العالم إلى مناطق تُعَرَّف طبقًا لعلاقتها بأمريكا كمركز. في عهود سابقة، كانت الدول الأوروبية ذات التوسع الإمبريالي تفعل الشيء ذاته.

ومع ذلك، ورغم أنه يمكننا تعريف الغرب بمصطلحات جغرافية واضحة بهدف التحليل، إلا أن التعميم في الأمور السياسية والثقافية والسمات الاجتماعية لهذه المنطقة قد يصبح إشكاليًا. يستخدم صانعو السياسات بالمناقشات التي تدور حول أمور متنوعة كالهجرة ودور الدين في الحياة العامة والأمن العالمي مصطلحات ضبابية وصيغ متغيرة مثل «الثقافة الغربية» أو «النظام الليبرالي الدولي»، أما في شؤون الأمن، تفرض الدول الغربية سطوتها وتحدد المصطلحات والشروط من خلال حلف شمال الأطلسي، ومجموعات ذات طابع مؤسسي أخف مثل الدول الناطقة بالإنجليزية أعضاء تحالف «الخمس أعين». بعد الحرب العالمية الثانية، سيطرت الولايات المتحدة وشركاؤها المنتقون على مجالات التجارة الدولية والتمويل والدعم من خلال منظمات دولية مستقلة اسميًا، فيما تقع هيكليًا تحت هيمنة الولايات المتحدة وشركائها المقربين، والتي من ضمنها منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. 

مناطق متصلة 

إن الإخفاقات التي أضعفت الثقة في قوة الدولة وهبطت بمستوى المواطنة والحقوق هي إخفاقات متصلة وعالمية وتتجاوز الثقافات والأنظمة السياسية. لقد ساعد صعود اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة على وضع نهاية للافتراضات المتغطرسة وغير المبررة بأن الغرب محصن ضد الاستبداد أو الرجعية المضادة للديمقراطية أو عنف الميليشيات، فيما أوضحت التحركات الجماهيرية مثل «احتلوا وول ستريت» و«حياة السود مهمة» أن الاتجاهات العالمية ذات الإمكانيات البناءة يمكنها الظهور في ديمقراطيات الغرب الثرية والناضجة، تمامًا كما ظهرت في الشرق الأوسط والمناطق الأخرى، وهنا تشير الأزمة العالمية التي تزداد حدة إلى الحاجة إلى حلول عالمية مختلطة وعابرة للحدود.

إن الوعي الغربي المستحدث بالصراع المشترك ضد القوى المضادة للديمقراطية وعنف الدولة وسوء الإدارة يستمد فائدة ضخمة من معرفة وخبرات النظراء في المناطق الأخرى، ولذلك فإن تأمل الوضع في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية بالتوازي مع الوضع في الشرق الأوسط هو أمر مثمر للغاية حيث إنهما منطقتين شديدتا التشابك. 

أخضعت الحرب الدولية على الإرهاب المنطقتين لعقود من الصراعات والعسكرة، وضاعفت من عمق الصلات التي تربطهما. سخرت الولايات المتحدة مواردها لعقود للحرب في أفغانستان والعراق وعشرات الصراعات على نطاق أضيق، فيما كانت تعسكر مقاربتها للأمن المحلي وبناء دولة مراقبة لم يسبق لها مثيل، وتسببت المغامرة العسكرية بالخارج في انتكاسة بالداخل تزامنت مع هوس صانعي السياسات وقوى الشرطة المتزايدة في العسكرة بمبدأ انعدام المخاطرة الأمنية. ومع حلول عام 2020، بدأت الأفكار والمبادئ الليبرالية الأساسية في الولايات المتحدة بالانهيار، مثل الديمقراطية وحق الانتخاب والمساواة قبل القانون للجميع، ولم يكن هذا الانهيار نتاجًا بسيطًا للحرب العالمية ضد الإرهاب، لأنه يمكن أيضًا إرجاعه إلى انعدام المساواة وانهيار السوق في 2008 وأحداث أخرى (سنذكرها بالتفصيل لاحقًا)، إلا أن عواقب السياسات الخارجية المعيبة لواشنطن لعبت دورًا أساسيًا في التعجيل بدولة المراقبة وتعميق الشروخ الاجتماعية الناتجة عن الصراعات حول الحقوق والمواطنة والإجراءات القانونية، وانتشرت تأثيرات شبيهة في أنحاء الغرب. 

لقد عانى الشرق الأوسط من تبعات الحرب العالمية على الإرهاب، واستخدمت الأنظمة المستبدة والديكتاتوريات العسكرية خطاب الحرب الأمريكية على الإرهاب لتسمية خصومهم المحليين بالـ«إسلاميين» أو الـ«إرهابيين» لضمان تدفق مساعدات الأمن الأمريكي، وتفاقم نتيجة لذلك القمع والصراعات وفشل الدولة في العقود التالية لأحداث 11 سبتمبر 2001. وجاهدت في الشرق الأوسط الأنظمة لتعزيز سلطتها وسيطرتها على الشعوب تحت الحوكمة الهزيلة، فيما سعت القوى الإصلاحية (نشطاء، باحثون، سياسيون وغيرهم) لإعادة تعريف اتفاقيات المواطنة والحقوق، وأزيح عن  هذا الصراع الغطاء مع حلول الثورات العربية من 2010لـ2011 إلا أنه كان قد بدأ قبل ذلك بكثير، منذ عام 1970 على أقل تقدير، تصوغ حركة النضال من أجل الحقوق الفلسطينية وغيرها في الشرق الأوسط بدائل للاستبداد والعنف في شكله المعاصر.

لو بذل جهد واعٍ لوضع الشرق الأوسط والغرب جنبًا إلى جنب، من الممكن أن يساهم ذلك في الوصول إلى فهم أوضح لكلتا المنطقتين. كثيرًا ما تفوت الخبراء الإقليميين خلال انغماسهم في خصائص البلدان والمناطق التي يركزون عليها ملاحظة العناصر المتشابكة والصفات المشتركة والتفاعل المتبادل واسع النطاق الذي يجمع بين المنطقتين، فعندما تقع أحداث في منطقة ما، كثيرًا ما تؤدي إلى وقوع أو احتدام الأحداث في منطقة أخرى، ولهذا فإن التجارب السياسية لمنطقة كثيرًا ما تنطوي على الخبرة المُتَعَلمة من تجارب منطقة أخرى. تربط الشرق الأوسط والغرب شبكة عميقة من الصلات، وبالتالي فإن تحليل مشترك للمنطقتين يوفر فرصة قوية للتحرر من محدودية التحليلات المصومعة الناتجة من مراكز الفكر.

الاستثنائية السامة

مزج دراسة الشرق الأوسط بدراسة الغرب يزيح الغطاء عن إحدى عادات التفكير بالغة السوء: الاستثنائية، التي تكون أقرب لعقيدة راسخة في أذهان المحللين وصانعي السياسات في الدوائر السياسية الغربية؛ ولكنها عكاز ونقطة عمياء في نفس الوقت، كما أنها معتقد لا أساس له، وأحد أكبر معوقات التقدم في كلتا المنطقتين. 

لقد أثبتت الأحداث الفارقة خلال العقدين الماضيين -مرة تلو الأخرى- أن الغرب والشرق الأوسط ليس أي منهما استثنائي. ذَكَّر «هجوم 11 سبتمبر» الأمريكيين بأن الولايات المتحدة عرضة للتأثر بالاضطرابات العالمية. أما عن رد الولايات المتحدة على أحداث «11 سبتمبر»، وبالأخص الاحتلال الكارثي للعراق، والذي كان مبني على معلومات مخابراتية باطلة ومنطق قانوني مزر، فقد حطم أسطورة الاستثنائية والمثالية الأمريكية بشكل حاسم. وعمقت الأزمة المالية العالمية عام 2008 القناعة عبر العالم بأن الأسواق المعاصرة والسياسات النيوليبرالية غير قادرة على توفير سبل عيش متساوية أو مستدامة. وكانت الثورات العربية التي بدأت في 2010 متعطشة للديمقراطية والمحاسبة والعدالة الاجتماعية مثل أي منطقة أخرى (كما أدت الحركات السياسية الشعبية في آسيا في التسعينيات إلى دحض القناعة الخاطئة والعنصرية المنتشرة في الغرب بذلك العهد تمامًا، والتي تفترض أن آسيا أقل رغبة في الديمقراطية من المناطق الأخرى)

في عهد أقرب، كان فوز الحكام الاستبداديين المنتخبين بشكل ديمقراطي، في كل من الولايات المتحدة والبرازيل والمجر والهند والفيليبين، تأكيدًا أنه لا يوجد مجتمع محصن ضد الاستبداد، فيما الاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة في كل أرجاء العالم، والتي تندلع في كثير من الأحيان ضد نفس أشكال عنف الشرطة، تشير إلى أن البلدان متفاوتة الثراء والأنظمة السياسية يمكنها أن تعاني من نفس المشاكل المؤسسية. بعض صانعي السياسات كانوا يعتقدون أن مناطقهم آمنة من أشكال التطرف والفظائع إلى أن فاجأهم اندلاع الحرب في أوكرانيا، وصدمهم الدعم الواسع للسرديات الزائفة والمتطرفة في بعض الأوساط الغربية.

بالرغم من القرائن الواضحة لعوار فكرة الاستثنائية، إلا أن صانعي القرار والباحثين في الغرب أخضعوا الشرق الأوسط لشكل شديد السمية من أشكال التحليل، حيث أرجعوا مشاكل تلك المنطقة كذبًا إلى خصائص ثقافية وسياسية متأصلة فيه. لكن بواقع الأمر، تعد التدخلات الغربية، منذ عهد الاستعمار حتى الحرب العالمية على الإرهاب هي التي صاغت سياسات المنطقة، وأدت إلى الكثير من صراعاتها.  ويظل كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد 1978، هو أوضح تعبير عن الحجة القائلة -إن السياسات والأفكار الغربية قد استثنت الشرق الأوسط على مر التاريخ، وكأن المنطقة تعمل وفقًا لقوانين مختلفة عن سائر المجتمعات البشرية في كل مكان آخر بالعالم.

يرتكز صانعو السياسات والمحللون في الغرب على هذه القناعات عديمة الأساس والعنصرية في كثير من الأحيان، بما في ذلك افتراض أن الإسلام متعارض مع الديمقراطية، أو أن العنف الطائفي والعرقي يعد أمرًا روتينيًا طبيعيًا. وكانت هذه الاستثنائية الغربية للشرق الأوسط وراء إقدام الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى على وضع سياسات خبيثة وضارة، مثل دعم الأنظمة العنيفة في الشرق الأوسط، وقيام الولايات المتحدة بتكليف شركائها من حكومات الشرق الأوسط بتنفيذ عمليات التعذيب بالنيابة عنها، أو الاستهداف الغاشم للمدنيين في الحرب على الإرهاب، وحملات الاعتقال الواسعة وغير القانونية، وتقليص الحقوق وتجاهل الإجراءات القانونية  المستحقة الملزمة للخصوم الذين يتم وصفهم بالإرهابيين. 

جعلت المؤسسات السياسية والبحثية والأكاديمية من الاستثنائية سمة دائمة لمخرجاتهم نتيجة لوضع خبرائهم الإقليميين داخل صوامع فكرية مغلقة.  هناك جانب من هذا التقسيم الإقليمي لا يمكن تفاديه عند تنظيم أقسام البحث أو مؤسسات صنع السياسات، ويدرج هذا التقسيم التحليل والإنتاج المعرفي إلى فئات جغرافية ومنهجية ووظائفية بشكل هيكلي منتظم، ونتيجة لهذه العوامل التنظيمية والهيكلية، يمكن لأكثر الخبراء حرصًا على تجاوز الاستثنائية أو الصوامع الإقليمية الوقوع في شرك العادات المهنية والمؤسسية ضيقة الأفق. 

في المشروع، تصف مايا مقداشي في حوارها مع كارما آر شافيز، نموذجًا شيقًا لكيفية إعادة إنتاج هذه الاستثنائية في مجال البحث الأكاديمي:

«من النادر أن نجد كتابًا عن الدراسات النسوية أو الجندرية أو الكويرية (أو أي كتاب نظري بشكل عام) يعتمد على بحث داخل الولايات المتحدة وينتهي عنوانه بعبارة "في الولايات المتحدة". بل على عكس ذلك، يأتي العنوان خالٍ من أية إشارة إلى المكان، وفي بعض الأحيان تكون الكتابة نفسها كذلك. وكأن البحث الذي يجري داخل الولايات المتحدة يعبر عن العالم أجمع. تقدم الولايات المتحدة كمكان نموذجي لاستخلاص وصنع سرديات (نظريات) عالمية شاملة أو لديها قدرة وصول عالمية شاملة».

حسب منطق الاستثنائية، لا يمكن للشرق الأوسط أن يعلمنا إلا عن نفسه. فلا يمكن له الإسهام في النظريات وليست له دلالة أبعد من موقعه.  

الجهود المبذولة في مشروع «نَزَعَات المواطنة العابرة للحدود» تبنى على الجهود التي بذلت في مشروع سابق لمؤسسة القرن/ the century foundation بعنوان «المواطنة وسخطها». وجد المشاركون/ات في المشروع الأخير الذي انتهى عام 2019 أرضية مشتركة قوية بين الحقوق العالمية الشاملة عبر الحدود وتصنيفات الهوية في الشرق الأوسط، كما عمل مشروع «المواطنة وسخطها» على إيجاد طرق لمناقشة السعي من أجل مواطنة هادفة عبر الحدود من داخل التنوع الموجود في الشرق الأوسط. ولذلك يأخذ مشروع «نَزَعَات المواطنة العابرة للحدود» الفكرة خارج حدود الإطار الإقليمي.

المحلل والفكاهي كارل شارو، أحد المشاركين في مشروع «المواطنة وسخطها»، بدأ منذ عام 2016 الإشارة إلى نفسه مازحًا بالخبير في شؤون أ.غ.أ.ش (أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية) ساخرًا من الطبيعة المختزلة للكثير من التحليلات التي تصدر حول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أن دعابة شارو تحمل في طياتها استبصارًا هامًا ووسيلة عملية لاختبار التعميمات الإقليمية الاستثنائية. أية أداة تحليلية تصلح لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ينبغي أن تصلح لمنطقة أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية بنفس القدر، وكذلك بنفس المنطق، فكل تحليل مختزل أو متعصب أو ماهوي لا نفع له. وإذا كان أي إدعاء سيبدو سخيفًا إذا ما اقترن بمنطقة أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، فإنه سيكون بنفس قدر السخافة والخرق إذا ما اقترن بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويمكن للمقارنة أن تكشف الأساليب والمنهجيات الضعيفة للتخلص منها سريعًا. على سبيل المثال، كم كان المفكرون الغربيون الجادون ليتجاهلوا سريعًا بحثًا يتساءل إن كان العنف جزءًا متأصلًا من المسيحية، وإذا كانت المسيحية تتعارض مع الديمقراطية، أو مثلًا إذا كانت «الثقافة الأمريكية» ناضجة بالقدر الكافي لتقبل فكرة التسويات المتأصلة في الديمقراطية التشريعية. لو كانت الأسئلة لا تنطبق على مجتمع ما فلا ينبغي أن تنطبق على المجتمعات الأخرى بنفس القدر.

تجاوز الاستثنائية

يمثل الاعتراف بالضرر الذي تسببه الاستثنائية للتحليلات والسياسات، وحذفها من الأسئلة والكتابات التي ننتجها، خطوات هامة لتجاوزها. لكن تلك الاستثنائية محفورة بعمق في الأسئلة التي نطرحها حول منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأوروبا الغربية وشمال أمريكا، لهذا يتطلب التفكير خارج حدود الصوامع الفكرية المقسمة بناءً على المناطق -والتغلب على الاستثنائية- ابتكار أساليب ومقاربات جديدة للإنتاج المعرفي، ويحاول مشروع «نَزَعَات المواطنة العابرة للحدود» الدفع بهذه المنهجية عن طريق وضع الخبراء في شؤون الشرق الأوسط وشؤون الغرب وأبحاثهم على قدم المساواة.

 على مدار ما يزيد عن العام، التقى خبراء المنطقتين لاستكشاف الصفات المشتركة والصلات السببية في أربعة موضوعات بدت جاهزة لهذه الدراسة عبر الإقليميةالعابرة للحدود: الميليشيات، وقضايا الجندر والجنسانية، ومحاسبة الشرطة، والاحتجاجات.

تم اختيار هذه الموضوعات بسبب التفاعل المتبادل والظاهر عبر المناطق (على سبيل المثال: بين الاحتجاجات، ومبادرات إصلاح الشرطة، أو الجماعات المسلحة) أو أوجه التشابه الواضحة (على سبيل المثال: الديناميكيات المتشابهة في المناطق المختلفة للهلع الجندري وفرض القيود على الحرية الأكاديمية). طبيعة المشروع اقتضت أن يشارك خبراء أكاديميون وتطبيقيون في النقاش. وتمت صياغة العملية بأكملها في شكل حوار. 

وجد الباحثون والنشطاء الكثير من الأرضيات المشتركة وكذلك مساحة للاختلاف. مرة تلو الأخرى، وجدوا أنفسهم يحطمون الحواجز التي تفصل بين الباحثين والنشطاء الذين يعملون على القضايا ذاتها في مناطق مختلفة. في بعض الموضوعات، أظهرت المناقشات علاقة قصدية مباشرة بين المناطق، من خلال التمويل والتدريب والتعاون المؤسسي أو السياسات الحكومية، كما أكدت المناقشات على أهمية النظر إلى الاتجاهات المشتركة دون الإفراط في التعميم والالتزام بالتحديد بدون استثنائية.

كلمة «العابرة للحدود» في العنوان الهدف منها الإشارة إلى منهجية المشروع أكثر من الإشارة إلى البعد الجغرافي: «عابرة للحدود» تشير إلى الالتزام بمقاربة أي موضوع داخل سياقه العالمي وليس المحلي فقط. وبينما قد يُفترض أن الاهتمام بالبعد العابر للحدود يتجاوز الاهتمام بالدولة إلا أن نتائج المشروع تشير باستمرار لأهمية الدولة. بالتالي يوضح لنا النشطاء والمتخصصون في قضايا الجندر كيف أن الجندر والجنسانية تصيغ علاقة الفرد بالدولة بأشكال جوهرية. تدور أوجه النزاع في المواجهات بين المواطنين والشرطة حول ديناميكيات المواطنة وسلطة الدولة والمجتمع. وهنا يكون الجدل حول الحد الذي يجب أن تتوقف عنده صلاحيات الشرطة ما هو إلا سؤال عن دور الدولة، وكيف تحقق النظام الاجتماعي؟ وما هي المنافع التي ينبغي أن توفرها وكيف؟. بينما تمثل الشرطة والجيش سبل العنف الشرعية للدولة بالمفهوم الفيبيري، إلا أن الدور المتنامي للجماعات المسلحة شبه الحكومية تقوض هذه الفكرة بشكل جوهري مادي. أشار المشاركون في المشروع إلى أن تحليل سلطة الدولة يعد مفتاحًا أساسيًا لفهم الميليشيات. عادة ما توجه الاحتجاجات والحركات السياسية مطالبها للدولة (وهي غالبًا ما تكون مطالبات بإعادة التفاوض حول المواطنة) كما أنها تدعو أعضاء آخرين بحكوماتها إلى التعاطي مع أشكال مختلفة من المواطنة، وفي النهاية تظل الدولة هي القوة الأكثر قابلية لإخماد الحركات السياسية. 

المشاركون في المشروع أجروا تحليلات مقارنة وعبر إقليمية، ولكن المنهجية التي تشكلت تركز على «الحجم» وتصل بين المناطق. فكما جاء على لسان إيما سبروس في حوارها مع صبيحة علوش حول الجندر والجنسانية؛ أن هذه المنهجية «تسمح لنا أن ندرج في الحوار نطاقات أضيق ومواقع أكثر محلية لنرى ما يمكننا تعلمه من البحث الإقليمي دون الوطني والعابر للحدود».   

نتائج المشروع:

ستقوم مؤسسة القرن the century foundation بنشر نتائج المشروع مقسمة إلى مواضيع على مدار الأسابيع الخمسة المقبلة. في هذه المرحلة، أنتج مشروع «نَزَعَات  المواطنة العابرة للحدود» تسعة عشر تقريرًا مكتوبًا ومدونة صوتية من ثمان حلقات. وصمم أغلب العمل في شكل حوارات تعبر شكلًا أو آخر من الحدود، وقسم العمل إلى أربع مجموعات: الميليشيات، وقضايا الجندر والجنسانية، ومحاسبة الشرطة، والاحتجاجات.

الميليشيات

وجدت مجموعة العمل على موضوع الميليشيات أن قوى متشابهة هي التي تدفع الجماعات المسلحة غير النظامية، حتى إن كانت تنتمي لبيئات مختلفة تمامًا، واتضح أن الهوية والتوافق الثقافي كثيرًا ما يلعبان دورًا في التجنيد داخل الجماعات المسلحة، كما اتضح أن قوة الجماعات المسلحة تعتمد على قدرة الدولة على البقاء بقدر ما تعتمد علـى الجماعة المسلحة نفسها. 

ووجدت المائدة المستديرة لمجموعة الميليشيات أوجه تشابه عبر المناطق، تشمل السياسات المبنية على الهوية، وأيديولوجيات المباراة الصفرية، والاستعداد لاستخدام العنف في الصراع على السلطة، كما تستخدم الجماعات المسلحة تكتيكات متشابهة لتعبئة المقاومة ضد سلطة الدولة. يتعاون المسلحون أصحاب الأيديولوجيات الواحدة، مثل الاستعلاء الأبيض، عبر الحدود. وهنا الأكثر إثارة للدهشة، هو أن المتطرفين من أصحاب الأجندات المختلفة بشكل جذري، مثل أنصار الدولة الإسلامية والنازيون الجدد، يتواصلون ويتشاركون المعرفة المتعلقة بالعمليات داخل المناطق وعبرها. 

أظهر لنا عصيان 6 يناير المسلح أن فهم الجماعات المسلحة هو أمر أساسي لتحليل الأزمة في الولايات المتحدة، كما كان فهمها أساسيًا تمامًا لتناول أزمة الأمن والإدارة في الشرق الأوسط. وبالإضافة إلى المائدة المستديرة، وسع عدد من المشاركين في مجموعة العمل بحثهم العابر للحدود من خلال المقالات الفردية. تكتب أماندا روجرز عن المعايير المزدوجة التي تعطل البحث في مجال التطرف الإسلامي فيما تسهل على أنصار الاستعلاء الأبيض الوجود في المجال العام. وفي المدونة الصوتية بعنوان «أوردر فروم آشز»، تتحدث عن الجذور الاجتماعية والبعد الجندري للجماعات المسلحة. ويستكشف أرون لوند وسام جاكسون العلاقة بين العنف على الإنترنت والعنف بعيدًا عنه، أو بمعنى آخر، الطريق من التعبئة عبر الإنترنت إلى العنف المسلح. ويناقش ثاناسيس كامبانيس مع ريناد منصور الحدود المحبطة لمبدأ الجهات الفاعلة المختلطة كوسيلة لشرح عنف الجماعات المسلحة المعاصرة. ومع ندوة الدوسري، يستكشف كامبانيس أيضًا السبب خلف المبالغة في تصور دور التمويل الأجنبي للجماعات المسلحة، أو سوء فهمه. ويجادل جيكوب موندي حول أن رواج مصطلح «ميليشيات» والإيمان بأننا في مواجهة «طريقة جديدة للحرب» هو أمر في غير محله، حيث إن العنف الذي يؤرق الشرق الأوسط والغرب اليوم موجود منذ عدة عقود. وفي حوار مع كورت برادوك، يستكشف كيف أن التقارب الرمزي والثقافي غير المتوقع عبر المناطق يعزز الولاء للجماعة المسلحة. وفي المدونة الصوتية، يناقش موندي السبب الذي يجعله يرى أن أعمال الحرب لم تتغير بشكل جذري، بالرغم من التغير الذي طرأ على الطريقة التي يتحدث بها الناس عن الصراع.

الجندر والجنسانية

برز الجندر والجنسانية كمحورين أساسيين لتحليل قضايا الميليشيات ومحاسبة الشرطة والحركات الاحتجاجية. ورصد الباحثون المشاركون في مجموعة العمل أوجه التشابه عبر المناطق، ليس فقط في مجال التحديات السياسية ولكن في أساليب الإنتاج المعرفي كذلك. كان عدد كبير من المشاركين بمجموعة العمل يتقنون بالفعل إيجاد الروابط عبر الصوامع الفكرية، وكانوا حريصين على إيضاح أن قضايا الجندر والجنسانية ليست أمرًا ذي صلة بالمجموعات المهمشة فحسب. 

ووجدت المائدة المستديرة للجندر والجنسانية أن الهلع الأخلاقي هو ظاهرة مركزية مشتركة عبر المناطق، حيث يلجأ الفاعلون السياسيون الأقوياء رغم السياقات شديدة الاختلاف إلى تكتيكات شبه متطابقة لتعبئة الدعم لمشاريعهم السياسية سابقة الوجود، ويفعلون بذلك عن طريق استخدام الفورات الاجتماعية والثقافية، فيما تحدث هذه الفورات كرد فعل لخطر متخيل يهدد الملكية الجنسية -على سبيل المثال انتشار الأخبار عن وقوع اعتداءات جنسية على يد مهاجرين أو استخدام عابرات/عابري الجنس لدورات المياه العامة، إلا أن الهلع الأخلاقي يمكنه أن يؤثر في الأشخاص من كل الميول الجنسية، ويمكنه أن يستهدف الأفكار كذلك. في مختلف أرجاء العالم، يستخدم الرجعيون الهلع الأخلاقي لبناء ائتلافات اجتماعية سريعة ما كنت لتأتلف في ظروف أخرى. 

امتدادًا للمناقشات داخل مجموعة العمل، تناقش كل من لبنى درويش وكيت كوريسكي حول الهلع الأخلاقي على المدونة الصوتية «أوردر فروم آشز». وتكتب مايا مقداشي وكارما آر شافيز عن الحدود المفروضة ذاتيًا التي تخلقها الاستثنائية، وتستكملان النقاش على المدونة الصوتية. وتُظهِر دراستهما عن لبنان والولايات المتحدة الأساليب المشتركة التي تستخدمها الحكومات لمنح أو حصر المواطنة بناءً على الميول الجنسية.

وتناقش إيما سبروس وصبيحة علوش حول التحديات التي تواجهها دراسات الجندر النقدية في الأكاديميا، بدءًا من الهجمات اليمينية سيئة القصد إلى الممارسات المؤسسية التي تجعل الفرار من المقاربات الجامدة للجندر والجنس أمرًا صعبًا. 

محاسبة الشرطة

لاحظ المشاركون في مجموعة العمل على موضوع محاسبة الشرطة عددًا من السمات المشتركة عبر الإقليمية العابرة للحدود الواضحة. كان عنف الشرطة هو السبب المباشر لاندلاع الثورات العربية 2010-2011. أحد أول مطالب الانتفاضات الشعبية وأكثرها جوهرية كان وضع حد لأعمال العنف والتعذيب التي تمارسها الشرطة دون محاسبة. بعد ذلك بقرابة العقد أدى تزايد قتل الأمريكيين السود على يد الشرطة -والغياب المستمر لأية عواقب أو محاسبة- إلى اشتعال الاحتجاجات في كل أنحاء الولايات المتحدة.

بحثت مجموعة العمل كذلك عن مقارنات أقل وضوحًا وارتباطًا، مثل شبكة العوامل المحركة والارتدادات التي تربط بين قوات الأمن في الغرب والشرق الأوسط عن طريق برامج التدريب، وتناول ملف الأمن بمنطق الحرب على الإرهاب، وكشفت المجموعة كذلك عن الدور الذي تلعبه الشبكة الدولية لبرامج تدريب الشرطة المحلية كعامل محرك للاتجاهات العالمية غير الصحية، ووجدت المجموعة أنه غالبًا ما يأتي رد صانعي السياسات على انتهاكات الشرطة في صورة إجراءات إصلاحية، مبنية على فكرة أن أفراد الشرطة يسيئون التصرف لعدم تلقيهم التدريب الكافي أو لضعف علاقتهم بالمجتمع أو غياب المهنية أو لأسباب ثقافية، إلا أن بعض الباحثين يرون أن نماذج إصلاح الشرطة المعروفة كثيرًا ما تخلق من المشاكل أكثر مما تحل، وهو الأمر المتفاقم في مجال صناعة إصلاحات الشرطة المعولم. لم تركز المجموعة كثيرًا على نجاح أو فشل الإصلاحات، وإنما ركزت على تأثيرها المقصود وغير المقصود.

عالم الاجتماع أليكس فيتال الذي يتشاور مع الشرطة ومجموعات حقوق الإنسان في الوقت ذاته، يناقش مع نايرة أنطون محدودية التنوع التمثيلي كوسيلة لإصلاح الشرطة، ويستشهد بالحالات التي فشلت فيها رئيسات الشرطة من النساء في التعامل مع المشكلات المنهجية الخاصة بمقاربة الشرطة لقضية العنف ضد النساء. وفي مدونة صوتية، يناقش فيتال وهيال أكارسو وجود صناعة عالمية لإصلاح الشرطة، وإذا كانت هناك أزمة دولية تواجه شرعية الشرطة.  كما يناقش كل من نيكول نجوين وأكارسو وفيتال أبحاثهم الإثنوغرافية المتعمقة في أداء الشرطة في تركيا والولايات المتحدة، والمسارات التي اتخذتها أبحاثهم عبر العقود، من الانغماس في الأمور المتعلقة بقوات الشرطة إلى دائرة تركيز أوسع تشمل المجتمعات الخاضعة للشرطة. 

الاحتجاجات

تمثل الاحتجاجات أكثر نقاط الانطلاق طبيعية عند تأمل أزمة المواطنة العالمية من منظور عبر إقليمي عابر للحدود. إن موجة الاحتجاجات التي عصفت بالكوكب في 2010-2011 كانت شديدة المحلية والعالمية في الوقت ذاته، إذ ربط التضامن والمطالب المتشابهة بين التظاهرات في تونس ومصر والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، حيث كانت هتافات «احتلوا وول ستريت» تردد المطالبات المصرية بـ«عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، وطوال العقد التالي لهذه الحركات السياسية، استمرت الاحتجاجات في الاندلاع بشكل متقطع، بتكتيكات واستراتيجيات مُطَورَة تشير بوضوح لحدوث عملية التعلم داخل المناطق وعبرها. لقد أثبتت الاحتجاجات قدرتها على الصمود، لكن كانت كذلك أيضًا، الأنظمة الاستبدادية الجامدة وأنظمة الحكم غير المتجاوبة التي تندلع الاحتجاجات ضدها.

تحرت مجموعة عمل الاحتجاجات عن الظروف التي تمكن الحركات السياسية الاحتجاجية من اكتساب قوة سياسية دائمة، وكان أحد أكبر التحديات التي تواجه النشطاء هو توظيف الطاقة السياسية التي تولدها الاحتجاجات للانتقال من الاحتجاج إلى التنظيم. ومثل تراجع التنظيمات التقليدية وصعود تكنولوجيا الاتصال الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي تغيير للظروف التي تتطور في ظلها الاحتجاجات من الحشد إلى تكوين الحركات السياسية، ومنحت هذه التطورات كل من النظام والمحتجين أدوات جديدة. في كل أنحاء العالم، تستخدم الأنظمة مجموعة متشابهة من التدابير لشل الحركات، يشمل ذلك القانون والعنف واستراتيجيات الاستقطاب، فيما تتعلم الحركات الاحتجاجية من نظيرتها في البلدان الأخرى باستمرار، وتتناقل الآليات والاستراتيجيات من سياق وطني وإقليمي إلى آخر. 

يرصد بينجامين بريس وتوماس كاروثرز بعض الاتجاهات المشتركة في تعليقهما التحليلي الشامل على الاحتجاجات المندلعة في كل مناطق العالم. ويعقد الناشط اللبناني والمؤسس لائتلاف إعلامي مستقل، جان قصير، في حواره مع الباحث طايف الخضري، مقارنة بين التجربة الاحتجاجية في لبنان ونظيرتها في العراق. وفي المدونة الصوتية، تتحدث نيكول كارتي المدربة والناشطة التي تمتد جذورها إلى حركة «احتلوا وول ستريت»، إلى قصير، عن الطريق من الاحتجاج إلى تكوين الحركات السياسية. وتكتب كارتي كذلك مقالًا عن الدروس العالمية المستفادة من حركة «من أجل حياة السود».يتحدث في المدونة الصوتية أيضًا، إيفان ماروفيك، أحد قادة الحركة التي أطاحت بالديكتاتور سلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا، ويتعاون ماروفيك مع الحركات السياسية في مختلف أرجاء العالم منذ ذلك الحين، ويكتب تقريرًا عن رؤيته المتراكمة على مدار عقدين لما يتطلبه بناء حركات سياسية قوية من الاحتجاجات الجماعية، ليكون لديها القدرة على الاستمرار. 

حلول عابرة للحدود

سعت دراسات وافرة لتوضيح التفاعل المتبادل والمحير بين الدولة وغير الدولة والجهات الفاعلة المختلطة. ولكن الدول والحركات السياسية الشعبية والمؤسسات وكل أشكال المجموعات الاجتماعية ما زالت تجاهد لتفهم على وجه التحديد من الذي يملك السلطة ويضع السياسات، لأنه حتى الدول القوية لا تسيطر بشكل كامل أو مركزي على الجماعات المسلحة أو أجهزة إنفاذ القانون أو التثقيف الجماهيري على سبيل المثال لا الحصر، وفي أحيان كثيرة، وحتى بعد دراسة متعمقة، يصعب تحديد أي المجموعات أو القوى هي التي توجه النَزَعَات العالمية الواضحة وغير المفهومة للاحتجاج ومحاسبة الشرطة والهلع الأخلاقي وعنف الميليشيات. 

وتجعل أزمة الديمقراطية العالمية الحالية الحاجة إلى هذا البحث أكثر إلحاحَا، ويختبر مشروع «نَزَعَات المواطنة العابرة للحدود» مقاربة جديدة للرد على مثل هذه الأسئلة عن طريق التركيز على منطقتين شديدتا التشابك منذ أمد بعيد -الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية.

لكن منهجية ونتائج المشروع كان لها تبعات أوسع، ففي مختلف أنحاء العالم، هناك حاجة ملحة للتركيز على الاحتياجات الأساسية والتضافر لمواجهة المشاكل المشتركة، بدءًا من الأزمات غير المادية مثل صعود الاستبداد إلى الأمور المادية الطارئة التي لا تعترف بالحدود ولا تستثني مناطق، مثل وباء «كوفيد-19» والتغير المناخي، ويعد هذا المشروع محاولة لهضم الدروس المعقدة والملحة للعقدين الماضيين، بهدف صياغة الحلول وتفادي تكرار الأخطاء.

وَلَّد المشروع إدراكًا هامًا تنوي مؤسسة القرن/ the century foundation تعميمه في باقي أعمالها، وأهمية هذا الإدراك هو أن المحللين وصانعي السياسات لديهم فرصة أكبر لفهم مشاكل الإدارة لهذا العصر إذا ما نحوا جانبًا الفكرة الخاطئة التي تقول إن تجربة كل بلد أو منطقة هي تجربة فريدة، فهذه الاستثنائية، كما شرحنا بالأعلى وكما نشرح في كل منشورات المشروع، قد أعاقت التحليل في كل من الشرق الأوسط والغرب.

يدرك الغرب استبداد الأنظمة في الشرق الأوسط (بالرغم من أنه يخطئ في التعامل معه على أنه الوضع الطبيعي للمنطقة)، ولكنه يفشل في إدراك استبداد أنظمته أو حتى كونها عرضة للانجراف نحو الاستبداد، والقول إنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تتعلم من الشرق الأوسط يعني الاعتراف أخيرًا بأن الولايات المتحدة وأوروبا ليسوا شديدي الاختلاف عن الشرق الأوسط كما هو الشائع. ومنذ البداية، يسعى هذا المشروع البحثي لمؤسسة القرن/ the century foundation إلى قلب موازين القوى الضمنية في دوائر البحث وصنع السياسات، والتي تعطي الأولوية للتجارب الغربية وتضع الولايات المتحدة والغرب كمعيار لوصف باقي العالم. 

الاستبداد يستمد قوته بشكل متزايد من النَزَعَات المتشابكة العابرة للحدود، أي القوى التي تتجاوز أحيانًا سلطة الدولة ولا تبطئها الحدود، ويقترح هذا المشروع مقاربة جديدة للمشكلات العابرة للحدود التي نواجهها اليوم -المشكلات التي إذا تركت دون علاج ستقودنا إلى المزيد من الفوضى وستتزايد صعوبة معالجتها مع كل عام يمر.

عندما يتعمد صناع السياسات والنشطاء والباحثون الخروج من صوامعهم الفكرية الإقليمية، يمكنهم أن يدركوا بشكل أسرع أن الأزمة العالمية للمحاسبة والأمن والإدارة تتطلب حلول تشبيكية وعابرة للحدود تمامًا مثل المشكلات التي تسعى لحلها. 

عن الكتّاب

آراء أخرى

رأي
نواف القديمي

الدولة القوية والمجتمع المُنقاد

«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).