تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

لماذا يكرهون ثورة يناير؟ جمال حمدان يجيب

عمرو بدر
6 دقيقة قراءة
لماذا يكرهون ثورة يناير؟ جمال حمدان يجيب

«جميعهم يكرهون ثورة يناير»: قالها صديقي بينما كنا نمر أمام مقر الحزب الوطني المنحل، ونتذكر حشود الناس في اللحظة الأولى لدخولهم ميدان التحرير يوم 28 يناير 2011.

كانت ثورة يناير حلمًا يحاول ملايين المصريين تحقيقه ببناء الدولة المدنية، دولة الحرية والعدل والمواطنة واحترام حقوق الإنسان، فيما على الجانب الآخر كان أصحاب السلطة والسطوة والنفوذ في المجتمع يرون شيئًا آخر، ويتدافعون للخلاص من هذه الثورة بوصفها جاءت لتنتزع نفوذهم وتحولهم إلى بشر عاديين! 

ظن أصحاب السطوة والنفوذ من رجال الأعمال وأصحاب السلطة أن انتصار ثورة يناير يخصم من رصيد نفوذهم وترتيبهم الطبقي في المجتمع، ويحاصر قوتهم ويُخضع سطوتهم لقوة القانون.

كانت الثورة طاقة تغيير كبرى، اختلفت عن كل ثورات وحراكات التاريخ المصري، فلم ترفع مجرد شعارات إصلاحية، ولم تطلب تجميلًا لوجه نظام الحكم، بل أرادت هدم «الثوابت» التاريخية في علاقة الحاكم بالمحكوم، ووضع نهاية لقاعدة أن الوطن ملك لحاكمه ولأصحاب السلطة. ضغطت من أجل التخلص من احتكار البلد، وحاولت أن تعيد ملكيته لأصحابه الأصليين. 

في سياق حديثي مع صديقي عن ثورة يناير كان جمال حمدان حاضرًا، هذا المفكر وعالم الجغرافيا الشهير، الذي -وللمصادفة- كان كتابه الأشهر «شخصية مصر» الصادر منذ نحو 40 عامًا يحمل الإجابة على السؤال المهم: لماذا يكرهون ثورة يناير؟

جولة في كتاب حمدان كانت كاشفة لماذا اجتمع كل الكارهين ضد ثورة يناير فهزموها في جولتها الأولى. 

يقول في كتابه: «وسواء كانت مصر أم الدنيا أو أم الديكتاتورية، فلا شبهة في أن الديكتاتورية هي النقطة السوداء والشوهاء في شخصية مصر بلا استثناء، وهي منبع كل السلبيات والشوائب المتوغلة في الشخصية المصرية، وليس على مستوى المجتمع فحسب، ولكن الفرد أيضًا، لا في الداخل فقط ولكن في الخارج كذلك». ويتابع: «ولقد تغيرت مصر الحديثة في جميع جوانب حياتها المادية واللامادية بدرجات متفاوتة، إلا نظام الحكم الاستبدادي المطلق بالتحديد والفرعونية السياسية وحدها، فهي لا تزال تعيش بين (أو فوق) ظهرانينا بكل ثقلها وعتوها، وإن تنكرت في صيغة شكلية ملفقة هي 'الديمقراطية الشرقية' أو بالأحرى 'الديموكتاتورية'».

هنا، تبدو صعوبة المعركة الأولى والنبيلة والحاسمة التي خاضتها ثورة يناير، فقد أرادت بجمهورها وحلمها إسقاط الديكتاتورية، والتخلص من النقطة «السوداء الشوهاء» في شخصية مصر. 

رفعت ثورة يناير شعار «الحرية» كأحد أهدافها الرئيسية الكبرى، كان الوجدان العام والنبيل وهو يخوض معركة الحرية، ويسعى لإسقاط الديكتاتورية بشكل نهائي وحاسم، لا يدرك أنه مُقبل على معركة ومهمة تاريخية كبرى، وصدام مع نقطة سوداء متجذرة في التاريخ منذ الفراعنة، لهذا بدت ثورة يناير مختلفة وهي تخوض معركة التغيير، فقد أرادت بناء مصر جديدة خالصة من شوائب التاريخ ونقاطه السوداء، وقد نجحت في إسقاط ديكتاتور، لكنها فشلت في مهمتها التاريخية لإسقاط الديكتاتورية ذاتها، فالقوى القديمة المستفيدة من بقاء الديكتاتورية كبيرة وقوية ونافذة، وقد تحالفت وقاتلت جميعها على اختلاف مصالحها في لحظة تاريخية فارقة لتسقط يناير قبل أن تخسر نفوذها وقوتها وسطوتها.

ولكي تعلم أن يناير كانت تخوض معركة جذرية في طريق نهضة حقيقية اقرأ معي ما قاله حمدان: 

«المؤكد أن مصر المعاصرة لن تتغير جذريًا، ولن تتطور إلى دولة عصرية وشعب حر، إلا حين تدفن الفرعونية السياسية مع آخر بقايا الحضارة الفرعونية الميتة». هنا إذن كان السبب الأول لتلك الكراهية، حسب ما أكده حمدان، فقد كانت الثورة تسعى للتخلص من «الفرعونية السياسية» والديكتاتورية، لذلك كان أنصارهما يبادلون ثورة يناير العداء ويسعون للخلاص منها.

بدا مشهد آلاف الشباب المصري وهم يحاصرون سفارة العدو الإسرائيلي على نيل الجيزة عام 2011 ملفتًا وجديدًا ومدهشًا. أجيال ربما لا تعرف الكثير عن الصراع العربي الإسرائيلي تُسقط علم إسرائيل وتهتف ضدها. كان الحصار تعبيرًا عن جيل جديد في الحياة السياسية المصرية، جيل وُلد مع ثورة يناير، ولكن الأهم أن هذا الجيل قد حمل رسائل كبرى بحصاره للسفارة. أهم هذه الرسائل أنه لا انفراد بإدارة الشؤون الخارجية بعيدًا عن الشعب بعد اليوم، ولا حرية مطلقة للسلطة في تحديد من العدو ومن الصديق. رسالة على بساطتها ونبلها كانت تحمل صدامًا مباشرًا وجديدًا مع قواعد «فرعونية» مستقرة منذ سنوات طويلة. يقول جمال حمدان: «إن سياستنا الخارجية ترتبط بسياستنا الداخلية أشد الارتباط، وبدرجة قَل أن تعرفها أي دولة أخرى في العالم، وأزمة مصر الخارجية هي دائمًا أزمتها الداخلية في الأصل والمصدر والأساس، وحل الأولى هو حل الأخيرة أولًا وقبل كل شيء. وما زال صحيحًا أن حل مشكلة مصر الخارجية وتحريرها لا بد أولًا أن يمر بالعاصمة داخليًا، وكما في دول الشرق الأوسط والعالم المتخلف، ليس ثمة شيء في سياسة مصر الخارجية اسمه الشعب -من الوجهة العملية- ولا أوهام في هذا أو انفعال، فصناعة السياسة الخارجية وتشكيلها وتوجيهها هي عمليًا وواقعيًا -وبغض النظر عن الشكليات السطحية المموهة- حكر لرجل واحد هو الحاكم وحده لا شريك له، إنه حاكم مطلق خارجيًا كما هو داخليًا، ولا يكاد يوجد حاكم في العالم القديم أو الحديث ينفرد بوضع سياسة بلده الخارجية كحاكم مصر».

هنا كان الصدام المباشر مع السلطة وقواعدها المتجذرة، هذه السلطة التي تنفرد بشكل حصري بتحديد ووضع السياسة الخارجية، وكانت ضغوط جيل يناير وهو يحاول كسر الصيغة القديمة بحصاره لسفارة إسرائيل جزءًا من محاولاته الجادة «لكسر الفرعنة السياسية» والديكتاتورية، لذا اصطدم ليس فقط بالسلطة المباشرة التي كانت تحكم وقتها؛ بل بكل أنصار الديكتاتورية، وبكل الذين يتربحون من السياسات الخارجية القائمة، هؤلاء الذين خافوا من دماء شابة جاءت لتفرض قواعد مختلفة تعبر عن زمان جديد، ومن تصورات شابة عن شكل الدولة المنتظرة، هذه القوى، الداخلية والخارجية، وجدت أن هناك سببًا ثانيًا، كشفه حمدان، لكي يكرهوا ثورة يناير! 

«إن مرض مصر المزمن في الحاضر والموروث من الماضي هو نظامها، نظام الحكم، فلقد تغيرت مصر في كل شيء تقريبًا إلا شيء واحد هو النظام السياسي، وهو وحده الذي يقاوم بضراوة كل تغير. 

لقد تحرر الإنسان المصري أخيرًا -أو يوشك أن يتحرر من التخلف- ولكنه لم يتحرر قط أو بعد من الأسر، ظفر بالتنمية نسبيًا؛ ولكنه لم يظفر بالحرية إطلاقًا، أصبح إنسانًا متقدمًا نوعًا ما، ولكن ليس إنسانًا حرًا حقًا». 

هذا هو السبب الثالث الذي كشفه حمدان لكراهية أصحاب السلطة والسطوة للثورة، فلقد أرادت أن تغير النظام حقًا، هذا النظام الذي اعتبر حمدان أن كل شيء في مصر قد تغير فيما بقي هو جامدًا لا يتطور ولا يتغير، وقد كان شعار يناير الأبرز «الشعب يريد إسقاط النظام» تعبيرًا عن رغبة جدية في نظام جديد، نظام يتم بناؤه على الحرية، ويحمل لكل الناس الكرامة والعدل والمساواة، و«يدفن الفرعنة السياسية» الحاكمة، ويبشر بعصر جديد على أنقاض الاستبداد والتسلط. 

ثلاثة أسباب مهمة وكافية، شرحها حمدان، لكي يكره هؤلاء ثورة يناير ويخافون منها، فقد حاولت ترسيخ قاعدة غاية في الإنسانية والبساطة: بشر عاديون يحكمون بشرًا عاديين، لا آلهة ولا فراعنة. وهي قاعدة على بساطتها وإنسانيتها كانت، وما زالت، تحتاج لجهود كبيرة لتنتصر لدولة الحرية والعدل.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

نقد النقد الذاتي

«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).