تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

رسالة لن يقرأها زياد الرحباني

راجي مهدي
7 دقيقة قراءة
رسالة لن يقرأها زياد الرحباني

رفيقي زياد        

تحية طيبة وبعد..

هذه رسالة ليس بإمكانك قراءتها، لا أعرف إن كانت ستصلك لو كتبتها قبل رحيلك، لكن الفكرة لم تخطر لي من الأساس إلا اليوم. اليوم؛ حين غادرت شارع الحمرا للمرة الأخيرة وسط حشد من الناس لم أكن بينهم بحكم الجغرافيا، لكني كنت بينهم بحكم ما هو أقوى من الجغرافيا. حين تعرفت بك ذات يوم سعيد وأنت تغني «أنا مش كافر» على شريط كاسيت لدى والدي، كان الكلام والنمط مختلفًا عن السائد لكنه ليس غريبًا. يومها تعرفت بك، وما غبت أبدًا. توطدت علاقتي بك أكثر حين ورد اسمك في رواية بيروت بيروت لصنع الله إبراهيم، الذي دفعني إلى أحضان لبنان، وتاريخه وتاريخ شيوعييه الذين كنت واحدًا منهم. لكنني اكتشفت أنك لست مجرد واحد منهم، بل كنت تنظيمًا موازياً، شعرًا ومسرحًا وتلحينًا وغناءً. 

لا أعرف إن كان ما سبق مقدمة مملة، كنت بالقطع ستسأمها قائلًا «خرا ع هيك رسالة» أو أنني دخلت إلى المتن مباشرة، كما لا أعرف أيضًا إن كان من الجائز أن أناديك برفيقي زياد، فنحن لم نلتق قط -ولن- ولم نكن يومًا في صفوف نفس الحزب، غير أنها تعبر عن رابط أقوى، كما أن الياء ليست حرفًا زائدًا في نهاية الكلمة، فكل واحد هنا يحمل نفس أفكارك يشعر بأنك رفيقه، لذا فلتعذرني على رفع التكليف بلا سياق، أو بسياق فلا يهم الآن.

خبر رحيلك؛ نزل كالرصاصة التي أصابت المقتل فأطلقت خيطًا من الشجون لا ينقطع، وحزنًا لا عزاء له، اعذرني على وصلة الندب تلك، فما حدث هو أني تخيلت مسرحًا ينهار على رأسي بعد انسحاب أحد آخر أعلامه، زمنًا يتقوّض بعد أن عشت فيه طويلًا، راح صوتك يتداخل في رأسي مع الأفكار، صوتك الحاضر لا في أغانيك الصولو لكن حتى وسط المجاميع وهي تغني «جايي مع الشعب المسكين»، وأقسم لك أني فوجئت، بالأمس، فقط أنك قد بلغت التاسعة والستين من العمر. متى وكيف؟ لا أعرف، كل ما أعرفه أن صورتك الوحيدة في ذهني هي صورتك بالقميص المخطط في مسرحية نزل السرور، وهي صورة منتشرة لك على الإنترنت بكثافة، تبدو فيها ضجرًا بكل شئ ومتمردًا على كل شئ. هذا أنت، لا أظنني الوحيد الذي أحتفظ لك بتلك الصورة في ذهني، لا تشيخ ولا تكبر، كما لا تشيخ أغانيك وألحانك. فحين دلفت إلى عالمك، لم تكن مجرد شاعر موهوب، ولا مؤلف وممثل مسرحي موهوب، ولا مغني موهوب، ولا ملحن موهوب، كنت أيضًا متمردًا كما تمنى المرء أن يكون، وكنت ماركسيًا في زمنٍ صدّق فيه الكثيرون ما قاله فوكوياما عن نهاية التاريخ، كنت كل هذا. حين تركت بيت عاصي وفيروز، كنت متمردًا على سلطة العائلة، وحين اخترت انحيازك السياسي في بلد أدمن الطائفية كان هذا تمردًا شديد الحسم، وحين رُحت تحدد هويتك الفنية بالقطع مع السائد كان هذا اكتمالًا لما صار أنت. 

بالأمس فقط؛ علمت أنك مؤلف وملحن نشيد الأممية العربي، نشيد الحزب الشيوعي اللبناني، لم أندهش، بالأصل لم يكن غيرك قادرًا على ذلك، لكن ما استغربته حقًا هو ما سأحكيه لك الآن، ولعلك لو عرفته لاستغربت أيضًا، ولو أنك ما رحلت لكانت ردود أفعالك، على ما حدث باليومين الماضيين، صَنَعت مجلدين في الهجاء والسخرية السياسية، فوق ما لديك من رصيد في هذا الباب أيضًا. فحين انتشر خبر رحيلك، تسابق الجميع إلى نعيك، رفاقك الماركسيين بالطبع، لكني أقسم لك أنك صرت قواتيًا وكتائبيًا وشيعيًا ومن جماعة حزب الله. لقد صرت كل شئ ونسى الكل أنك كنت شيوعيًا بالانتماء الحزبي وبالأفكار. نسى الكتائبيون والقواتيون ما بينهم وبين حزبك من افتراق تاريخي وراحوا أمام الإجماع الشعبي العابر للطوائف يلتحقون بموكب نعيك لعلهم بك يجسرون الهوة بينهم وبين جماهيرك التي تنوء بحزنها عليك الجبال. حزب الله أيضًا سار في الموكب مع السائرين، بحكايات مختلقة تارة وأخرى حقيقية مجتزأة تارة أخرى، راحوا ينسجون صورة زياد الوطني المقاوم لكنهم ينسون زياد الذي طرح عليهم أسئلة حساسة في زمن اغتيال مهدي عامل، وفي زمن الاعتداءات على النصب التذكارية للشيوعيين أبطال المقاومة والتصدي للغزو الإسرائيلي. كلهم اجتمعوا على شئ آخر غير طائفيتهم، هذا الشئ هو أنه إذا كان زياد قد رحل، وإذا كان له كل هذا الحضور، فالمهم الآن أن تختفي شيوعيته خلف رداء الموسيقار العبقري والفنان الموهوب. 

هناك نكتة أخرى وسط مرارة الأيام يا زياد، أنت الآن زياد ابن فيروز، وليس في هذا عارٌ ما، فسواء قالوا زياد ابن عاصي أو زياد ابن فيروز يبقى هدفهم الأساس أن يثلموا نصلك المتمرد، ولو استطاعوا لحذفوا تراثك -هل تصير تراثاً؟- الثوري والهجائي الساخر والمتمرد وأبقوا على زياد الفذ فنيًا، إنهم لن يستطيعوا إلغاءك، من الأفضل أن يشطبوا شطرًا منك فتصير عاديًا، لأنك بما عشته تمثل نموذجًا كاملًا، خروج عن السلطة الأبوية، والتصرف كصعلوك شيوعي في بيروت الغربية، تغني وتهتف ضد الطائفيين، وتسخر من قوات الردع السورية ومن أنور السادات، وتقدم للناس شخصيات كصبحي الجيز الذي صار رفيقًا، وترسم صورة المجتمع الطبقي في «الحالة تعبانة يا ليلى»، أنت خطر عليهم يا زياد كنت وستظل، لذا فإنهم يحاولون سرقتك، أو سرقة جزء منك فتصير عاديًا.

أثقلت عليك في الليلة الثانية للغياب بهموم كثيرة، لكني أريد أن أوضح لك شيئًا، الصورة ليست سوداء إلى هذا الحد، بالأمس حاورني صديق مشترك، أنت لا تعرفه كما لا تعرفني، لكننا أعتبرناك كما اعتبرك غيرنا صديقاً بالفعل، وقد حضر مشهد رحيلك، وأوصل لك السلام، هل وصلك بالفعل؟. حاورني صديقي عن هؤلاء الذين قرروا بعد رحيلك أن يحاكموك على موقفك مما حدث في سوريا، أنت بالطبع في نظر اليسار «الديموئراطي» من عصر المحراث الخشبي، وكثير منا معك، لكن لا تقلق فلا أحد منهم قد وضع قبل اسمك كلمة الناشط فتصير الناشط زياد الرحباني، المهم أنك كـ«يساري» من عصر المحراث الخشبي قد دعمت ديكتاتورًا الذي هو بالطبع بشار الأسد، وأضاف جمهور أبومحمد الجولاني أنه لا يجوز الترحم عليك، لأنك مسيحي تارة، ولأنك شيوعي تارات، لكن ما يهم هنا هو أنه أحالني إلى حوار لك أجرته معك عام 2013 صحيفة مصرية مشهورة كان يشبه النبوءة، هل تذكر أنت ماذا قُلت؟ «نظام بشار قاتل»، «لا أعتقد أن حكم البعث جيد»، وقلت: «لا أحد يدافع عن نظام الأسد، لكن اللي بيفكروا يغيروه بهذه الطريقة كذابين، دول جايين ع السلطة وبس وهايفرجوك على شئ أسوأ بكتير.. يمكن يجيبوا رفيق حريري تاني يقوم بنفس الدور في سوريا ويتربحوا من بيزنس الإعمار». يطمس هؤلاء نصف كلامك ويحورون النصف الآخر فتصبح في روايتهم داعمًا لنظام مجرم بدلًا من أن يقرأوا في هذا الكلام ما يشبه النبوءة القائمة على تحليل متماسك. بالطبع أنت تمثل طبعة من يسار يعادي في جوهره الناشطية والحقوقية، كما يعادي الطائفية والرأسمالية، فلك أن تتصور كم زياداً قرأت نعيه في يومين.

بعد أن وصلت إلى هذا الجزء من الرسالة أجدني أتساءل عن جدواها، لماذا أدير حوارًا من طرفٍ واحد مع رفيق «تركني ع الأرض وراح»، سألت نفسي اليوم لماذا لم أبكِ فور معرفتي بالخبر، بكيت في ليلة التشييع، ولماذا، ومنذ الأمس، أتعامل مع رحيلك باعتباره مسألة يتداخل فيها الشخصي بالعام؟ ولماذا كان مشهد فيروز في الكنيسة ببكفيا جزءًا صغيرًا من صورة أوسع؟ ربما لأنه مشهد يخصك ويخصها، أم فقدت ابنها، ربما لأن الشعور بالفقد في هذه اللحظة لا يخص فيروز وحدها بل يخص كل فرد فينا، يخص أحلامه وأحزانه التي كنت -قصدت أو لم تقصد- جزءًا منها، كل فردٍ فينا كان وما زال يحلم بالوطن الحر والشعب السعيد، كل فرد فينا يشعر بالفقد الذي من الممكن تمامًا أن يعادل شعور فيروز بالفقد، نحن فقدناك بهذا القدر أيضًا، لم تكن بالنسبة لنا ولن تكون زياد ابن فيروز، أنت الرفيق زياد، أبوالزوز الساخر، الفاجومي، أبو الزوز الماركسي الذي انتسب رسميًا لعضوية الحزب في 2013، بعد أن صار منذ زمنٍ طويل صوت الحزب ومرآته وإذاعته وإعلامه دون أن يكون عضوًا منتسبًا، وأنت أبو الزوز الذي الذي صار، للكبار والصغار في لبنان وخارجه، رمزًا لما ينبغي أن يكون عليه الفرد منّا: ملتزمًا بمبدأ، حرًّا في اعتقاده، صريحًا في إعلان ما يعتقد، ومستعدًّا لدفع الثمن، وأنت زياد الذي يطلب الحب كما نطلبه جميعاً «بلا ولا شي» وأنت زياد الذي كان غناؤه هتافًا وهتافه غناء، وموقفه السياسي في زمن الاغتيالات حادًا وواضحًا وحاسمًا دون حساب، في زمن كانت البنادق مرفوعة في وجه الشيوعيين اللبنانيين اخترت أن تكون أمام الحزب لا وراءه، تعلن من إذاعته وعلى مسؤوليتك الشخصية أن هؤلاء يقطعون الطريق على لبنان الوطني الديمقراطي، وأن التحالف معهم تحالف من طرف واحد، وأنت الذي حين سادوا كنت تقول أن هؤلاء لا يرديون تحالفًا بل إذعانًا. هذا أنت وهذا ما أردت بحديثي معك أن أشرحه وأن أؤكده لنفسي ولكل من حز فيهم رحيلك المفاجئ.

ختاماً، ليس هذا آخر حديثنا، قد لا أكتب لك رسائل أخرى، لكنك لن تغيب، ولن يكون حضورك صنميًا ولا نمطيًا وأنت عدو القوالب، حضورك سيكون كما كان دومًا، ناريًا ومتمردًا. ستكون دومًا الرد على من «بيقولوا ضُبوا» ومعك نقول «ما راح نضُب». راح نمشي ونكفي الطريق.

طبت حيًا وحيًا يازياد. يا رفيقي زياد.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).