لائحة «الوطنية للصحافة».. خطوة جديدة في طريق «الحصار»
منذ أن عرفت مصر الصحافة قبل قرن ونصف تقريبًا، وعمليات مصادرة وتعطيل الصحف وسجن ونفي الصحفيين لم تتوقف. أن تكون صحفيًا حرًّا، تمارس عملك وتبدي رأيك دون قيود أو تضييق هذا هو الاستثناء، أما القاعدة التي عملت معظم الأنظمة المتعاقبة على شرعنتها وتقنينها فهي أن الصحافة المُستقلة مُلاحقة ومُتهمة دائمًا.
الأصل أن تُشرع المجالس النيابية قوانين لتنظيم وتسهيل العمل الصحفي وتحصين الصحفيين من الملاحقة خلال ممارسة عملهم وإبداء رأيهم في أي قضية كانت، إلا أن معظم القوانين التي أصدرتها البرلمانات المصرية منذ 1881 كان يهدف إلى تقنين عمليات الرقابة والإغلاق حتى يسهّل على السلطة التحكم والسيطرة على الصُحف، فتُمنع من ممارسة دورها في إخبار الناس الحقائق، واطلاعهم على الأفكار والآراء المختلفة.
باستثناء قانون نقابة الصحفيين الذي صدر في 1941 بتعديلاته المُتعاقبة، يمكن القول إن كل التشريعات ذات الصلة بالصحافة كبلت العملي الصحفي وفرضت قيودًا على الصحفيين، رغم أن مواد الدساتير والاتفاقيات والعهود الدولية التي وقعت عليها مصر كفلت حرية الفكر والرأي، وألزمت الدولة بضمان استقلال الصحافة، وحظرت الرقابة عليها إلا في أوقات الحرب والتعبئة العامة.
في مطلع نوفمبر 1939، انتهى الدكتور محمود عزمي، رائد الحريات العامة وأحد الآباء المؤسسين لمهنة الصحافة، من صياغة مشروع أول قانون لنقابة الصحفيين بهدف تنظيم علاقة الصحفيين بالحكومة والجمهور والمؤسسات الصحفية.
عزمي الذي كان مستشارًا لرئيس الوزراء في ذلك التوقيت صاغ مواد القانون على غرار القوانين المُشابهة التي اطلع عليها خلال زيارته المتكررة للعواصم الأوروبية، فوازن بين حقوق وواجبات الصحفيين بشكل أرضى الجماعة الصحفية التي كانت تتحمل عبء التبشير بالحرية، وتكافح لاستقلال البلاد من المُستعمِر الإنجليزي آنذاك.
وفي 27 نوفمبر من نفس العام، قدّم رئيس الوزراء مشروع القانون إلى مجلس النواب لمناقشة مواده، وخلال المناقشات أُثيرت أزمة حادة بعد أن أضاف ممثل الحكومة مادة تحظر على النقابة الاشتغال بالسياسة كغيرها من النقابات المهنية.
النائب يوسف الجندي، والذي اشتهر بـ«رئيس جمهورية زفتى»، تصدى لهذا الأمر وأبدى معارضته الشديدة لمساواة نقابة الصحفيين بغيرها من النقابات المهنية، وقال في محاولة لإقناع زملائه بصحة موقفه: «كيف يحظر على نقابة الصحفيين الاشتغال بالسياسة؟ ..إن تنظيم مهنة الصحافة وتكوين نقابة للصحفيين يستلزم الاشتغال بالسياسة، فإذا سنّت الحكومة قانونًا من شأنه الحد من حرية الصُحف مما يستدعي أن تناقشه هيئة النقابة فسيتم منعها من مناقشته بحجة اشتغالها بالأعمال السياسية، مع أن طبيعة تنظيم المهنة تقتضي من النقابة الكلام في السياسة، كما أن العمل على رفع شأن الصحافة وإعلاء كلمتها يستدعي حتمًا تعرض النقابة للشؤون السياسية».
بعد مداولات دامت نحو عام ونصف، اقتنع النواب بوجهة نظر الجندي، وصوَّت البرلمان بالموافقة على القانون رقم 10 لسنة 1941، وصدر المرسوم الملكي بتأسيس نقابة الصحفيين في 31 مارس من ذات العام.
قبل هذا القانون، لم يكن هناك أي تشريع ينظم العمل الصحفي اللهم إلا قانون المطبوعات الذي أصدرته حكومة شريف باشا في 26 نوفمبر 1881. مواد هذا القانون فُصّلت لتمكن الحكومة من إحكام قبضتها على الصحافة، وأجاز القانون «للحكومة في كل الأحوال، حجز وضبط جميع الرسومات والنقوشات، مهما كان نوعها أو جنسيتها، متى وضحت أنها مغايرة للنظام العمومي أو الدين»، وبالفعل أُغلقت صُحف «الطائف» و«الزمان» و«السفير»، وعُطلت «المفيد» و«النجاح».
توقف العمل بقانون المطبوعات نحو 15 عامًا، ثم أُعيد العمل به في 25 مارس 1909، بعد اشتباك الصحافة مع سلطة الاحتلال في أكثر من قضية كان أبرزها حادث دنشواي، ففعّلت الحكومة مجددًا مواد هذا القانون لتتعطل عشرات الصحف، ويُسجن ويُنفي العديد من الصحفيين.
وبعد إقرار دستور 1923 بسنوات قليلة، جرت تعديلات على قانون العقوبات في ما يتعلق بجرائم النشر، أتاحت للحكومات ملاحقة وحبس الصحفيين، وعقب إنقلاب إسماعيل باشا صدقي على المنجز الأهم لثورة 1919، وإعلانه دستور 1930، شُددت العقوبات في القوانين السارية وصدرت قرارات بتعطيل وإغلاق عشرات الصحف وحبس مئات الصحفيين المعارضين لتوجهات رئيس الوزراء الجديد.
ورغم التضييق الذي فرضته ثورة 23 يوليو على الصحافة والصحفيين، إلا أنها لم تعبث بمواد قانون «الصحفيين» ولم تقترب من المواد التي تحفظ للصحفي حقه في إبداء رأيه وتمنح للنقابة الحق في الاشتغال بالسياسة، فلم تطرأ تعديلات جوهرية على النسخة الأولى من قانون النقابة في التعديل بقانون رقم (185) الذي صدر في 1955، أو النسخة الأخيرة رقم (76) لسنة 1970، والتي صدّق جمال عبد الناصر عليها قبل وفاته بأيام.
النسخة الأخيرة من القانون تحدثت صراحة عن «عمل النقابة على ضمان حرية الصحفيين في أداء رسالتهم»، كما كلفت المادة (47) مجلس النقابة بـ«وضع خطة العمل السياسي في النقابة ومتابعة تنفيذها».
ورغم عدم مساس دولة يوليو بقانون النقابة إلا أنها لاحقت على أرض الواقع عشرات المخالفين لتوجهاتها وسياستها بقرارات فصل واعتقال، أما الكارثة الأكبر فكانت تأميم الثورة للمؤسسات الصحفية القائمة والتي كانت مملوكة لأفراد أو شخصيات اعتبارية بموجب القانون رقم (156) لسنة 1960 والذي عُرف بقانون «تأميم الصحافة».
بموجب هذا القانون، آلت ملكية الصحف إلى «الاتحاد القومي»، ومنذ هذا الوقت أُطلق على «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» و«الهلال» و«روز اليوسف» الصُحف القومية، ثم انتقلت تلك الملكية في 1964 إلى «الاتحاد الاشتراكي» بموجب تعديل المادة 5 من القانون (156) والذي كان يهدف إلى «عدم سيطرة رأس المال والقوى الرجعية على وسائل التوجيه.. كي تتأكد للشعب ملكية وسيلة التوجيه الكبرى والتي بها أيضًا تتأكد المعاني الأصيلة للديمقراطية وللحريات، وفي مقدمتها حرية الصحافة، لتحقيق أهداف المجتمع الديمقراطي الاشتراكي التعاوني»، بحسب ما جاء في ديباجة القانون.
بعد قانون «تأميم الصحافة»، توالت القوانين الخاصة بتنظيم «سلطة الصحافة»، والتي كانت تهدف إلى تحجيم دور نقابة الصحفيين دون أن تمس قانونها، وذلك عبر تشريعات موازية، فصدر في عام 1980 القانون رقم (148) في أعقاب المعركة الشهيرة بين الرئيس الراحل أنور السادات والجمعية العمومية لنقابة الصحفيين التي أعلنت رفضها التطبيع مع إسرائيل في أعقاب «كامب ديفيد».
وعندما فشل السادات في تفعيل قراره بتحويل النقابة إلى «نادٍ للصحفيين»، صدر القانون المُشار إليه، متضمنًا مواد تسمح بحبس الصحفيين في «جرائم النشر»، ومُنحت سلطات مطلقة إلى مجلس، نشأ بموجب هذا القانون، وهو «الأعلى للصحافة» الذي يمنح التراخيص ويلغيها، ويحيل المخالفين إلى التحقيق ويجازيهم.
لم تكن مجالس الصحافة بدعةً في ذلك الوقت، فالعديد من الدول الديمقراطية يوجد بها مجالس للصحافة والإعلام، لكن الهدف الأساسي من وجود تلك المجالس في ظل الأنظمة الديمقراطية هو الدفاع عن حرية الصحافة وحماية الصحفيين من أي قيد، في حين أن مجلس الصحافة الذي أسسه السادات كان هدفه هو تعزيز إحكام سيطرته على الصحافة والصحفيين.
المفارقة أن القانون الذي سمح بتنوع أنماط ملكية المؤسسات الصحفية ومنح الحق للأحزاب والشخصيات الاعتبارية في إصدار الصحف ونصّ على أن «الصحفيين مستقلين ولا سلطان عليهم في أعمالهم لغير القانون، وأنه لا يجوز أن يكون الرأي الذي يصدر عن الصحفي أو المعلومات الصحيحة التي ينشرها سببًا للمساس بأمنه»، هو نفسه الذي جعل لرئيس السلطة التنفيذية ولاية مباشرة على الصحف، في حين يُفترض أن تراقب الصحافة أعمال هذه السلطة لصالح المواطن؛ «لرئيس الجمهورية دعوة المجلس الأعلى للصحافة لاجتماع غير عادي، وفي هذه الحالة تكون رئاسة الاجتماع لرئيس الجمهورية».
حتى نهاية عصر حسني مبارك ظلت تلك المفارقات موجودة، مواد الدساتير تحظر الرقابة على الصحف وتكفل حرية إبداء الرأي، والتشريعات تقيد مواد الدستور وترفع من جدار حصار الصحافة، بل أن التشريع الواحد ظهرت بين مواده العديد من المتناقضات، فقوانين تنظيم سلطة الصحافة تبدأ موادها بنصوص تؤكد على استقلال الصحف وحرية الصحفيين وحقوقهم في ممارسة أعمالهم، وفي الختام تظهر مواد التقييد والمنع والحظر والحبس والفصل.
نفس المفارقات ظهرت في القانون رقم 93 لسنة 1995 الذي أثار أزمة كبيرة إثر اعتراض الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين على مواده، وانتهت الأزمة باستجابة مبارك لمطالب الصحفيين، وعُدّل بالقانون رقم 96 لسنة 1996، وهو ما اعتُبر انتصارًا كبيرًا حينها.
لكن هذا الانتصار لم يمنع من وجود ذات المتناقضات في القانون (96)، ففي الوقت الذي نصّت مواده على أن «الصحافة سلطة شعبية تمارس رسالتها بحرية واستقلال وتعبّر عن مختلف اتجاهات الرأي العام»، وحظرت فرض الرقابة على الصحف إلا في حالة الحرب والطوارئ، كما حالت دون المساس بالصحفي بسبب إبداء رأيه أو ممارسة عمله، تضمنت مواده أيضًا بنودًا تُجيز حبس الصحفي وتغريمه، وتجعل من «الأعلى للصحافة» حسيبًا ورقيبًا على الصُحف.
في السنوات الثلاث الأخيرة، ورغم ما تضمنه دستور 2014 من مواد عديدة تكفل حرية الفكر والرأي بأي وسيلة من وسائل التعبير وتمنح الحق للمواطنين في تنظيم الاجتماعات العامة والخاصة، إلا أن قوانين تنظيم الصحافة والإعلام التي صدرت في 2018 بلوائحها التنفيذية قيدت تلك الحقوق الدستورية، ونسفت كل أحلام الجماعة الصحفية التي طالت عنان السماء بعد ثورة 25 يناير. تخيّل أبناء القلم عقب الثورة أن حالة الحصار المقنن وغير المقنن ذهبت بلا رجعة، فإذ بنا نفيق على كابوس شرعنة كل القيود والأوضاع الاستثنائية التي مارستها الحكومات السالفة والحاضرة على الصحافة، فتحوّلت الرقابة والمنع والحجب والملاحقة إلى نصوص في قوانين ولوائح جائرة.
كفلت القوانين سيئة الذكر للهيئات الإعلامية ولـ«الاعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي»، أن تمنع صحفًا أو موادًا إعلامية من التدوال بدعوى إنها «تتعرض للأديان والمذاهب أو تكدر السلم العام أو تمارس نشاطًا معاديًا لمبادئ الديمقراطية أو تحرض على الإباحية… إلخ»، كما فرضت على الصحفي الذي يسعى إلى إجراء أي تغطية صحفية الحصول على تصريح قبل تأدية عمله، وهو ما ضرب المهنة في الصميم.
منحت تلك القوانين الوصاية لـ«الأعلى لتنظيم الإعلام» على صفحات «التنفيس» الاجتماعي، ومنحت المجلس حق حجب «المواقع والمدونات والحسابات الشخصية متى بلغ عدد متابعيها خمسة آلاف متابع أو أكثر»، لذات الأسباب التي ذُكرت في الفقرة السابقة.
وعندما خرجت اللوائح التنفيذية لتلك القوانين، تشددت في فرض الغرامات والجزاءات ورفعت من قيمة رسوم تراخيص وسائل الإعلام، الأمر الذي جعل تأسيس صحيفة أو قناة أو موقع إلكتروني من الأمور شبه مستحيل.
آخر طوبة وُضعت لتعلية جدار حصار الصحافة المقنن، هي مشروع اللائحة الإدارية الموحدة للعاملين بالمؤسسات الصحفية القومية التي أعدتها «الهيئة الوطنية للصحافة»، وأثارت جدلًا حادًا بعد أن سُربت قبل أيام بسبب ما تضمنته من مواد تجيز الفصل اعتمادًا على تقييم رئيس التحرير.
العجيب أن مشروع اللائحة الشاذ، خرج عن سر الخلطة المصرية المعمول بها منذ عقود، فبنودها نصّت للمرة الأولى على منع الصحفي من إبداء رأيه، وحظرت عليه الكلام في الشأن الخاص أو العام داخل مجالس العمل.
مشروع لائحة «الوطنية للصحافة» تجاهل الحقوق والضمانات التي وردت في قانون نقابة الصحفيين، لذا كان من المنطقي عدم عرضه على النقابة لإبداء الرأي فيه، ومنح إدارات المؤسسات الصحفية الحق في استهداف الصحفيين والعاملين بسبب مواقفهم أو آرائهم.
حظر المشروع مناقشة «المسائل الدينية أو السياسية أو الطائفية أثناء العمل أو في مقره»، ومَن يخالف ذلك يتعرّض إلى المساءلة التأديبية. كما حظر على العاملين بالصحف «جمع نقود لأي فرد أو هيئة، أو توزيع منشورات أو جمع توقيعات أو الاشتراك في تنظيم اجتماعات داخل مقر العمل دون موافقة رئيس مجلس الإدارة»، وهو ما يعني تحويل تلك المؤسسات إلى دور «إصلاح وتأهيل»، والصحفيين إلى «نزلاء» تُعدّ عليهم الأنفاس، وليسوا أصحاب رأي ومن حقهم التعبير عنه بأي طريقة ما دام جرى ذلك دون مخالفة القانون.
لن تكون تلك هي الطوبة الأخيرة في جدار حصار الصحافة الذي تتسابق حكومات حجب الحقيقة على تعليته، فكلما وجدوا ثغرة للتنفيس طمسوها، وكلما ظهرت مساحة للحرية كتموها.
آراء أخرى
ليلى والبَدل وسلم «الصحفيين»
« تاريخ نقابة الصحفيين مع تغوّل السلطة التنفيذية ليس وليد حملة التضامن مع ليلى سويف و«جزرة» البدل»
الصحافة والفساد و«ورق حائط» جونسون
«كلما تراجعت مستويات حرية الصحافة ونشاط المجتمع المدني تزايدت معدلات الفساد»
استباحة مسؤول في السلطة
«في عهود سابقة كانت الاختلاف بين السلطة وأحد رجالها ينتهي بإزاحة هذا المسؤول دون تشهير أو إهانة،»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد