كيف نرى «معظم العالم» في «الشيخ جرَّاج»؟
أليس هذا هو الأمر باختصار؟ وأليس هذا ما يجمعنا بالأساس؟ هذا ما تبادر إلى ذهني لمَّا رأيت كاريكاتير الفنانة دعاء العدل المصحوب بهاشتاج «انقذوا الشيخ جراح»، وتظهر به امرأة يسحبها جنود من الجزء الأعلى لجسدها، بينما الجزء الأسفل منه عبارة عن شجرة جذورها ضاربة في الأرض، على ما يبدو، منذ سنين طويلة.

نعرف دائمًا هؤلاء الباقين في المكان- من غرسوا أجسادهم في الأرض، من تشبَّثوا بالجذر كمحمد أبو سويلم في مشهد النهاية في فيلم الأرض- من خلال سرديَّتين. في إحداهما، هم مضحوك عليهم أو مجبرون، استخدمتهم جماعات أو منظمات معادية للقانون والتحضُّر على تنويعاتها. في سردية أخرى، يظهر هؤلاء باعتبارهم أبطال، يشاركون في فعل مقاومة بطولي، بالبقاء -وهم عُزَّل- في المنزل رغم الصاروخ، أو في الميدان رغم رصاص قوات مكافحة الشغب، أو في الأرض رغم الجرَّافة القادمة لتنفيذ المرحلة الأولى من مشروع تحويل المنطقة لمنتجع سياحي عالمي، لا نرى منه سوى صورًا مصنوعة بواسطة برامج تصميم جرافيك تدَّعي القدرة على التقاط لمحات من المستقبل. وهذا هو البقاء الذي يحتوي على عنصر المقاومة، والبطولة أيضًا. في السرديَّتين المتضادتين، تبدو الهوية في لب الموضوع؛ فهؤلاء الباقون إما أُجبروا أو انضحك عليهم من قبل الأعداء (أعداء الوطن على سبيل المثال)، أو هم أبطال يعرِّضون حيواتهم للخطر في سبيل الجماعة، القضية، الوطن، إلخ.
لا شك أن لكل من السَّرديَّتين منطق في بعض الأحوال؛ فهناك من تستخدمهم جماعات ضد إراداتهم (كدروع بشرية) على سبيل المثال، وهناك من يجعلون من أجسادهم دروعًا لخدمة الوطن، أو لخدمة قضية إنسانية (كقصة نشأة منظمة جرين بيس أو كقصة دهس ريتشيل كوري). لكن ماذا عن «معظم العالم»؟ ماذا عن المهمشين في كل مكان في الأرض، الذين تتوجه نحوهم جرَّافات العولمة والحداثة والتطوير، فيكون مجرد تشبُّثهم بمنازلهم أو أرضهم، أو أشياء أخرى، هو بحد ذاته فعل من أفعال المقاومة؟ ماذا عن البقاء، رغم العنف القادم، بهدف البقاء، أي «المكوث» كسبيل للاستمرار في الحياة بكل بساطة، دون حديث عن البطولة أو الوطنية؟ المكوث هنا يشكِّل مقاومة بالتأكيد، لكن ليس بمعناها السياسي المنطوي على مشاعر رومانسية عن البطولة، التضحية، الوطنية أو الإنسانية مثلًا، إنما بمعناها الفيزيائي، أي قيام مادة أو جسم على سبيل المثال بإعاقة تأثير أو تقدم مادة أو جسم أو تيار ما.

في كاريكاتير دعاء العدل صياغة لـ«نحن» عابرة للقوميات والأديان والثقافات ولرومانسيات البطولة أيضًا. فلا نرى امرأة «تقاوم» بالضرورة؛ تبدو فقط باقية، لا تتحرك، يديها على الأرجح مستسلمتان، ولكن جذورها راسخة في الأرض. ولا نرى علم فلسطين، ولا المسجد الأقصى ورواده الممنوعين، ولا نرى «القضية» في علامة النَّصر، ولا حتى تظهر وحشية واضحة أو استثنائية في تعامل مسلحي الدولة الصهيونية مع هذه المرأة.
فهناك على ما يبدو عدم اكتراث بالعلم الوطني الفلسطيني هذا، فما قيمته إذا كان ما يوحِّدنا شيئًا حقيقيًا وعميقًا وواسعًا عريضًا، لا مجرد ادِّعاء بتوافر شروط أربعة حدَّدتها معاهدة مونتڤيديو (البالية) لما يشكِّل «دولة»، أو أربعة ألوان تم ترتيبهم على عجل وفي الأغلب دون حكمة سوى تمييزهم عن تنويعات أخرى لترتيب نفس الألوان في أعلام ما يزيد على 20 «دولة» أخرى؟ وما قيمة إظهار الوحشية وصرف الانتباه إليها، إذا كان هناك ما هو أجدر بانتباهنا، فالأمر يتعلَّق بتهديد حق بشر في البقاء؟ فماذا إن توقَّفت إسرائيل عن «الوحشية» تلك، عن منع المصلين، أو عن معاملة المتظاهرين بقسوة، أو إن توقفت عن القصف العسكري (كما في دير ياسين وغزة وما بينهما) واستخدمت بدلًا منه أحكام محاكم مدنية يجلس عليها قضاة «محترمون» (كما في الشيخ جرَّاح مثلًا)؟ «لن نتوقف عن محاولة البقاء، لأننا غير معنيين بتغيير كيفية التهميش، بل بتغيير واقعه» هكذا قرأت الكاريكاتير.
لا نستدل على «الهوية» الفلسطينية لهذه المرأة سوى من خلال كوفية- فلكلور شعبي، تشكَّل عبر الزمن دون اتِّفاق، بطريقة عضوية، كدِحِّية أو دبكة أو ساندويش كنافة نابلسية. للوهلة الأولى، تتعارض الإشارة لـ«الهوية» تلك مع قراءتي لـ«نحن» العابرة التي أدافع عنها. لكن على العكس، هنا يبدو ما أشاهده وكأنه يقول: من قال إننا -نحن- واحد؟ نحن متعددون، ومتغيرون، ونتبادل أدوارًا، ولكن الآن يوحدنا مصيرنا، إذ وجدنا أنفسنا على طريق في مواجهة عولمة راديكالية تتقدَّم لتدهس كل ما هو عضوي -بما في ذلك الكوفية- فقاومنا بالبقاء في أماكننا.
يعود الكاريكاتير بالأمور إلى أصولها، ويتجاهل التفاصيل التي تشتِّت الانتباه، فكأن المرأة الراسخة جذورها في الأرض تقول: كلنا إنسان، وكلنا نريد البقاء، فادعمونا ضد أقلية تريد تحقيق «التطوُّر» على حساب بقائنا نحن – نحن، لا فقط في الشيخ جراح، لكن في جميع أنحاء العالم. فلا فرق يذكر بين الشيخ جراح ومن تطوَّرت تل أبيب على أنقاض منازلهم بيافا، أو بينهما وبين المزمع بناء فنادق وحمامات سباحة على منازلهم وأراضيهم، سواء كان ذلك ضمن «خطة تحويل جزيرة الوراق إلى منتجع سياحي عالمي» أو ضمن مشروع «نيوم» في مناطق الحويطات بالسعودية أو في «خطة تطوير كارتاهينا» بكولومبيا.
إن ما يجمعني بهؤلاء ليس إنسانيتي أو دمي أو ديني، بل الشعور بالتهميش، ولو كان منزلي وأرضي أبعد ما يكون عن التهديد لأنني في منأى عن جرافات التطوير تلك، بسبب امتيازات كثيرة. شعوري هذا هو بأنني -أنا أيضًا- خارج، ولو بنسبة أقل كثيرًا، ذلك النمط المُنَزَّل لما يجب أن تكون عليه الحياة ويكون عليه الفرد في المجتمع الحديث؛ أنني اضطُررت لقول ما لم أرد قوله، أنني كتمت غضبًا، أن صوتي قد تم حجبه، أنني أريد لأشياء عضوية ما أن تبقى في حياتي (منها لغتي، موسيقاي، أكلاتي ورقصاتي). أليست قصة «دولة إسرائيل» بالأساس، كما في رواية ثيودور هرتسل «الأرض القديمة الجديدة» هي عبارة عن خلق نمط اجتماعي «جديد» و«متطوِّر»، محاولة لخلق مدينة «متحضرة»، كأوروبا، مدينة جديدة على أرض قديمة، يكون أناسها جديدون، متحضرون، ومن هم خارج هذا النظام الجديد، خارج هذا النمط، فهم على هامشها، هم وحيواتهم، لغاتهم، موسيقاهم، أكلاتهم، رقصاتهم، ملابسهم… إلخ.
هناك دعوة في الكاريكاتير للتوقف عن عدة أشياء، منها التوقف عن الـ«تكبييير- اللهُ أكبر» والهتاف للأقصى ورفع صور قبَّة الصَّخرة، ولكنها أيضًا دعوة للتوقف عن الحديث بلغة القانون وحقوق الإنسان، و«الحق في حرية العبادة» وضرورة احترام مبدأ «التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين في النزاعات المسلحة» إلخ. كما فعلت الخارجية المصريَّة في بيانها الذي لم يتحدث عن أي شيء سوى «السماح للمصلين بممارسة شعائرهم»، وكأنها تصيغ الوصفة السحريَّة لسلطات الاستعمار الاستيطاني لاحتواء الأزمة دون التخلي عن سياسة الاستيطان!
الدعوة هي للتخلي عن هذا كله، والبحث عن ما يوحدنا، عن هذا العابر للقوميات والأديان، وهو تهميشنا، بدرجات متفاوتة بالطبع، من قبل نظام راديكالي يحجبنا ويحذفنا ويجرِّفنا (مجازًا أو حرفيًا). فما هو ذاك الذي يجمع «هؤلاء الذين في القدس الشرقية وكولومبيا ومجتمعات السكان الأصليين (في أمريكا اللاتينية)» بحسب تعبير إدارة إنستجرام التي اضطُّرَّت اليوم إلى الاعتذار عن ممارستها القديمة بحجب/حذف أصوات المهمشين. أليس تهميشهم وكتم أصواتهم من قبل هذا النظام، وتضامنهم ضده وفضحه وإجباره على الاعتذار لهم مجتمعين، وكأنه يقرُّ بما يوحِّدهم هذا؟

في كاريكاتير دعاء العدل، سمعت نداءً للتضامن من الشيخ جراح يقول: تضامنوا مع حقنا، نحن المهمَّشون ونشكِّل «معظم العالم»، في البقاء، كفعل سلبي، لا يحتوي على مقاومة بطولية بالضرورة، ولا تهتموا كثيرًا بمسألة «كيف يُسلب حقنا في البقاء» فهذا يُعنى به بالأساس الخطاب القانوني الدولي، لأن الـ«كيف» ككيف تطلق الطائرة الصاروخ (بمخالفة القانون الدولي أو باحترامه)، وكيف تتعامل الدولة مع من اعتقلتهم، وكيف تتقدَّم آلة التجريف نحونا.. إلخ، مهمة، لكنها ثانوية، وإنما شغلنا الشاغل هو لماذا تُسلب حقوقنا بالأساس؟ لماذا تطلق الطائرة الصاروخ؟ ولماذا تعتقلنا الدولة؟ ولماذا تتقدَّم هذه الجرَّافة نحونا بالأساس؟ ولماذا نحن دائمًا من يدفع ثمن «التطوير» هذا؟ نحن من هم دائمًا على هوامش خطط التطوير لا مركزها، ومن لا يريدون بالضرورة البطولة أو الوطنية، بل فقط البقاء.
هذا ما يوحِّدنا.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
تفاهة التطبيع (1-3)
«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»
حطام التاريخ ومعنى أن نقاوم
«الحروب تصنع سردياتها لكنها لا تذكر أسماء الجميع»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد