كيف ستنفق الحكومة أموالنا؟
"لقد كانت هناك مناقشات كثيرة حول كيفية تخفيض النفقات الحكومية، ولكن هناك اهتمام قليل للغاية بكيفية جعل الإنفاق الحكومي أكثر كفاءة".. هذه الكلمات لأستاذ السياسات العامة بجامعة هارفارد كينيث روجوف، وهو يتحدث في مقال له عن النقاش المحتدم في الولايات المتحدة حول كيفية احتواء موازنة الحكومة.
جدل مشابه يدور في مصر والعديد من البلدان النامية حول نفس الموضوع، وإن كانت طبيعة النفقات المطلوب ترشيدها هنا مختلفة، فالحديث يتركز على فاتورة دعم الطاقة، التي تسعي الحكومة إلى تقليصها بزعم أن هذا الدعم يفيد قطاع واسع من المقتدرين، وبالتالى يمكن توفيره وتوجيهه إلى مجالات أخرى من الإنفاق العام تستفيد منها الفئات الأقل دخلًا، كالتعليم والصحة والمواصلات، لكن في وسط المناقشات الكثيرة التي أُثيرت حول هذه القضية نسينا أن نسأل: هل الأموال التي سنأخذها من دعم الطاقة ونوجهها للأجهزة الحكومية القائمة على خدمات كالتعليم والصحة ستصل فعلا للفقراء؟
موازنة العام المالى الجديد (2014-2015) تحاول أن تقول لنا بوضوح أن نسبة مهمة من الأموال التي تم توفيرها من دعم الطاقة ذهبت إلى خدمات تنموية، فهي تتحدث عن أن الحكومة زادت من الإنفاق على الصحة والتعليم بـ22 مليار جنيه، تشمل 11 مليار جنيه إضافية عن الزيادة الطبيعية فى الإنفاق على هذين القطاعين، ولكن في المقابل تخبرنا خطة التنمية الاقتصادية الصادرة عن وزارة التخطيط أن الإنفاق على الاستثمارات العامة (التي هي بطبيعة الحال من أكثر مجالات الإنفاق انعكاسا على حياة الفقراء) في مجال التعليم قبل الجامعي قد انخفضت من 4.5 مليار جنيه في العام الماضي إلى 4 مليار فقط هذا العام، فهل تم تقليل الاستثمارات لعجز في توفير الموارد المالية أم لاستغلال الأموال بشكل أكثر كفاءة؟.. لا تجيب الخطة عن هذه الأسئلة.
من يريدون محاسبة الحكومة على كفاءة استثماراتها في مجال التعليم عليهم بداية أن يسألوا: هل تبني هيئة الأبنية التعليمية المدارس بتكلفة اقتصادية؟.. فمثلاً، للبنك الدولي دراسة صدرت عام 2005 قيل فيها إنه من الممكن بناء المدارس بتكلفة أقل 30% من التكلفة التي تنفقها الهيئة الآن، فهل تم تعديل نمط بناء الهيئة المكلف خلال الفترة الماضية؟
وعليهم أن يسألوا أيضًا: هل يتم تنفيذ تلك الاستثمارات في المواعيد المخططة لها، فوفقا لبيانات وزارة التعليم، تراجعت معدلات التنفيذ بهيئة الأبنية التعليمية إلى 60% في العام المالي 2012-2013 مقارنة بـ67% في العام الأسبق.
على أي حال، فالاستثمارات العامة لا تمثل كل موازنة التعليم المدرسي، بل إن النصيب الأعظم من هذه الموازنة يذهب للأجور، 89% من الإنفاق على هذا القطاع بحسب الحساب الختامي لعام 2011-2012، وهي مفارقة في حد ذاتها، فالدولة تنفق مبالغ ضخمة على أجور قطاع التعليم، وأرباب الأسر ينفقون أيضًا مبالغ ضخمة على الدروس الخصوصية، فلماذا لا توفر ميزانية أجور التعليم دخلًا لائقًا للمعلمين؟
أحد الأسباب الرئيسية هو أن نسبة مهمة من موازنة الأجور تذهب إلى الإداريين ممن ليس لهم علاقة بالتدريس، وتعتبر وزارة التعليم أن معدل الإداريين إلى المعلمين في مصر مرتفع مقارنة بالمعدلات العالمية، بل وتعلق الوزارة في أحد تقاريرها الإستراتيجية على جهازها الإداري بقولها: "تعانى دواوين عموم الوزارة والمديريات والإدارات التعليمية من الترهل الشديد في العمالة، وضعف الإنتاجية، وسوء جودة الخدمة بشكل مثير للانتباه".
بصفة عامة، في الموازنة الجديدة نحن ننفق أكثر على نظام تعليمي هو الأقل جودة في العالم، وهذا التوصيف ليس ارتجاليا، ولكنه ترتيب مصر في مؤشر جودة التعليم الأساسي في تقرير التنافسية العالمي، وإن كان من الممكن أن نتفهم أن تضخم الجهاز الإداري للوزارة يعود إلى دور الدولة القديم في توفير فرص العمل، عن طريق إلحاق الخريجين الجدد بأجهزتها الحكومية، فكان على الوزارة وباقي الوزارات التي ستتلقي إنفاقًا استثنائيًا أن تفصح بشفافية عن توزيع الأجور بداخلها، حتى لا تذهب نسبة مهمة من الإنفاق الاستثنائي إلى نخب صغيرة داخل الأجهزة الحكومية تحصل هى الأخرى على دخول استثنائية.
هل تذكرون مطالب اضرابات الأطباء؟ كان واحد منها هو معرفة توزيع الأجور داخل ديوان وزارة الصحة، هذا القطاع أيضًا تذهب النسبة الأكبر من الإنفاق عليه إلى الأجور، 63% ، لذا أراد الأطباء أن يطمئنوا إلى عدم وجود نخب محظوظة داخل تلك الوزارة تحصل على أجور استثنائية، ولكن هذا المطلب الذي تكرر في اضرابات الأطباء لم يلق استجابة حكومية.
الفيصل إذن في تقييم جدوي إعادة هيكلة الدعم هو قدرة الدولة على تحسين خدماتها الإجتماعية بالوفورات التي حققتها من عملية الهيكلة. النجاح في إنفاق تلك الوفورات، كما تبين، يتطلب مجتمع يقظ وفاعل يحاسب الحكومة على أوجه الهدر المختلفة في الإنفاق، وإذا كانت قطاعات واسعة من المواطنين اكتفت بالصمت وتقبلت الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود، فهي لن تصمت للأبد، لأن عملية تحرير أسعارالطاقة ستستمر خلال السنوات المقبلة، وهو ما يتطلب من كل المهتمين بالشأن العام السعي بشكل أكبر لمحاسبة الحكومة على مدى رشادتها في بناء نظام اجتماعي جديد.
آراء أخرى
السياسة النقدية الأمريكية.. ترامب ضد حراس الدولار
«ما زال الفيدرالي ورئيسه ملتزمين بسياسة الحفاظ على أسعار الفائدة الآن، وتخفيضها بوتيرة متريثة»
الاقتصادات العربية ومرايا أزماتها
«مقدمة ملف «شبكة فبراير» في الاقتصاد السياسي»
قطع الطريق على «25 يناير»
«على السلطة أن تطرح أجندتها للإصلاح على الناس قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الاعتذار لهم بعد فوات الآوان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد