تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

كيس مهنّد العجائبي

رامي خريس
7 دقيقة قراءة

هذا المقال ضمن ملف «عزيزى مهنّد أبو غوش»، لقراءة الملف كاملًا اضغط هُنا.

إذا أردتُ التعامل مع الزمن بمقاييس عصر الديجيتال اللحظي، فإنّني أستطيع القول، وبدون كثير مُبالغة، إنني أعرف مهنّد أبو غوش منذ عصورٍ سحيقة ضاربةٍ في القِدم. في تلك العصور، كان الإنترنت العربيّ أقرب إلى صحراءٍ شاسعة تتخلّلها واحاتٌ مُتناثرة تهبّ عليها نسائم من مستقبلٍ بعيد. كانت غواية الاكتشاف طازجة وروح المُغامرة في أوجها لا تحدّها حدود. كان الزمن بطيئًا، وكان الشعور الطاغي الذي يملأ كياننا هو الثقة بأنّ شبابنا سرمديّ لن تنال منه دورات الزمن وتقلّباته. وهناك، بينما كنتُ أهيم على وجهي، سمعتُ عن مهنّد لأوّل مرّة دون أن أعرف اسمه، ورأيتُ أطيافه العديدة وهي تتطاير مثل رذاذ متألّق في الأثير. كان بنظري شخصيّة أسطوريّة غامضة تحمل على ظهرها كيسًا عجائبيّا مثل كيس بابا نويل، مُتقفية أثر الأولياء والمجاذيب الذين مرّوا عبر التاريخ في وديان وسهوب أرض كنعان. ومن ذلك الكيس، كان مُهنّد يُخرج حكاياتٍ استثنائيّة عن أولادٍ فلسطينيين لا أعرفهم صعدوا إلى النجوم ولم يعودوا (1)، وأغنياتٍ لفرقٍ ومُغنين لم يكن لي سابق عهد بهم (2)، وشتائم مُبتكرة ونزقة للغاية، وإفيهات ساخرة بديعة وذكيّة جدًا، وتصاميم جرافيكيّة تحمل ثيماتٍ لا تنتمي للزمن التجاريّ اللمّاع، وقبل ذلك كلّه، لغة تنهمرُ حاسمة مثل مطر مداريّ في جزيرة كاريبيّة، شاقّة سيولًا هادرة في أرض البلاغة المدرسية الكسولة التي اعتدتُ عليها، وفاتحة أمامي طاقة التجريب والخيال المُعجمي لأقصى مدى.

كان بابا نويلي شيوعيّا غريبًا في عصر القحط الأيديولوجي والإعلانات البرّاقة التي تُبشّر بانتصار العولمة وموت السياسة، وكان كيسه العجائبيّ يصوغ ذائقتي الفنيّة والأدبيّة والسياسيّة على نحو يوميّ في بدايات الألفيّة الجديدة. وكلّما ازدادت هدايا الكيس، ازداد معها فضولي، الذي تحوّل إلى هاجسٍ مُضنٍ لمُراهق مهووس، للتعرّف على هويّة هذا الشيخ الغامض وللتواصل معه بأي طريقة وللبحث عن كل أثر تركه في العالم الافتراضي. ذهبتَ كلّ محاولاتي سُدى لفترة طويلة حتى بلغ اليأس مني مبلغه، فقد كان مهنّد يلعب ألعابه الماكرة في التخفّي وفي ارتداء عباءات التمويه الكثيرة. وفي يومٍ من الأيام، وقع بين يديّ، بطريقة لا أقوى على تذكّرها الآن، الإيميل الشخصيّ له، وقد ابتهلت أن ينجح مسعاي في الحديث إليه مباشرة عندما أضفته على برنامج MSN Messenger. وبعد أيّام قليلة، حدثت المعجزة، وظهر اسمه الكوديّ على يمين الشاشة مصحوبًا بالصوت المميّز لبرنامج التراسل الفوريّ الأكثر شهرة في ذلك الزمن. كان الأمر ظفرًا كبيرًا بعد رحلة استقصاءٍ شاقة، وقد دشّن هذا الظَفْرُ أطول صداقة «افتراضيّة» في حياتي.

كان مهنّد أوّل فلسطيني يتعرّف على المواقع التي قدمت آنذاك خدمات التدوين المجاني ليوظفها في التعبئة السياسية وللإسهام في النقد الثقافي والفكريّ، وقد شجعني وساعدني على افتتاح مدوّنتي الخاصة، وقد قمتُ بذلك فعلًا واستلهمتُ اسمها من اسم أولى مدوّناته. أصبح التدوين والمدوّنات المساحة التي أتواصل من خلالها، أنا القاطن في قطاع غزّة، مع صديقي الافتراضي الذي كان يتنقّل بين مدن فلسطينيّة كثيرة. غدت هذه المساحة الأثيريّة، التي أغناها مهنّد بالجرافيك والأدب، النافذة التي كنتُ أرسم عبرها صورتي عن فلسطين ما وراء أسوار السجن الكبير الذي كنت أعيش فيه، فيما كانت لمهنّد نافذة للسؤال عن أسرى محرّرين من غزّة كان قد التقاهم في أقبية التحقيق خلال فترات اعتقاله المُتعدّدة في السجون الإسرائيليّة. وعبر هذا الجسر اللامرئي، المُتجاوز لنقاط التفتيش والأسلاك الشائكة، كنّا نتبادل الأغاني (3) والتصميمات والشتائم (4) ونخوض مغامراتٍ مشتركة (5)، ونُمنّي أنفسنا دائما بلقاءٍ قريب.

ثم جاء مارك زوكربيرغ وقال: هيتَ لكم. مثل كل الديكتاتوريين المهووسين بالمشروعات الكبرى، أراد طالب جامعة هارفارد أن يُعمّر البريّة وأن يشق فيها الطرق السريعة ويرفع عليها ناطحات السحاب. من بعيد، رأينا الأسمنت وهو يبتلع صحراءنا الفسيحة مترًا مترًا، ووقفنا على أطلال واحاتنا الخضراء ونحن نرى مراكز التسوّق، التي تبيع سلعًا مُفرطة التشابه، تغزوها. ولتكتمل الحلقة الجهنميّة، خُلّقت لنا كائناتٌ معياريّة على طريقة مختبر ألدوس هكسلي لتقطن المدن الجديدة. الكائنات المعياريّة هي صنو السلع المعياريّة، كلاهما وقودٌ حيويّ لعمليّة «التدمير الخلّاق».

في ضجّة الورشة الجديدة، كان مهنّد يغدو أكثر عاديّة بالنسبة لي: أبٌ لطفلين مُشاكسين يُحاصره زحام الواجبات اليوميّة وتُؤرّقه آلام الظهر مثل موظّف بيروقراطيّ عتيق. لكن مهنّد لم يغد، ولا للحظة واحدة، كائنًا معياريًا، ولم تُقتل روح البدوي فيه. كان يجد طريقه على الدوام لوضع إصبع الوسطى في النقاط الرخوة في «السيستم» ولابتداع وسائل خاصة ليكون «أزعر المدينة» العصيّ على التدجين. يرزح مهنّد في سجون إسرائيل، ذراع «السيستم» الأكثر عجرفة وإجرامًا، لهذه الأسباب بالذات، أي لأنه يجرؤ على العودة دومًا إلى سيرته الأولى: عشبة بريّة في صحرائنا الأولى الفسيحة.

هوامش: 

1- أولى القصص التي اصطدمت بها لمهنّد كانت قصّة بعنوان «أبو حاتم» (أو «قلم أحمر») -لا أقوى على تذكّر العنوان الأدق الآن- تتحدّث عن موظف فلسطيني من القدس يكتشف استشهاد ابنه أثناء عودته من دوامه الرسمي في إحدى المدارس من خلال شعارات النعي التي كُتبت على الجدران. كانت القصّة نموذجًا كاملًا لما يجب أن يكونه الشكل الأدبيّ للقصّة القصيرة كما كنت أفهمها وأتذوقها وخمنت على الفور أن وراءها قاصٌ محترف. قال لي مهنّد لاحقًا إنّ هذا النص حاز على الجائزة الأولى في المسابقة السنوية التي تعقدها إذاعة BBC للقصص القصيرة للمستمعين.

2- في بدايات تعرّفي عليه، كان مهنّد مُغرمًا إلى حدّ بعيد بنص حسين البرغوثي الشعري الذي يقول مطلعه: «ثلاثين نجمة تضوي على واد السرو». عرفت منه لاحقًا أنّ النص لُحن وغُني من قِبل فرقة «صابرين» التي أسسها الملحّن سعيد مراد إلى جانب المغنية كاميليا جبران والتي لم أكن أعرفها قبل ذاك. أرسل لي مهنّد ألبومات الفرقة: «دخان البراكين»، «موت النبي»، «جاي الحمام» و«صلّي علّي» ودعاني للاستماع لها. وأستطيع القول اليوم، إنّه لو لم يكن له من فضل سوى تعريفي بـ «صابرين» لكفاه. فمنذ ما يقرب من عقدين من الزمن، أحرص على إعادة الاستماع لأغنيات الفرقة أسبوعيّا بكل العاطفة المشبوبة التي تملكتني حين استمعت لها للمرّة الأولى. أعتبر «صابرين» أفضل مُنجز فلسطينيّ موسيقي في العقود الأخيرة، لا على مستوى اللحن والكلمة فحسب، بل على مستوى الابتكار النغمي والتوظيف الخلّاق للآلات الموسيقية الذي كان ولا يزال سابقًا لعصره. لا أستطيع سماع «صابرين» بدون أن يخطر لذهني مهنّد، وأن تنبسط أمامي تلال رام الله والقدس التي رسمها عبر نصوصه الأدبية الكثيرة.

3- كان صاحبنا مولعًا بأرشفة الأغاني الثورية والوطنية، والتعاون مع كل المهتمين من أجل نشرها على أوسع نطاق وتعريف المستمعين الجدد بها. في إحدى زياراتي لدمشق عدتُ حاملًا معي قرصًا مدمجًا فيه كل أعمال الفنان السوريّ سميح شقير وأخته سهير. سألني مهنّد إذا كان القرص يحتوي على أغنية «عشبة في حطام المراكب» التي كتبها سليم بركات، وخلال دقائق أرسلتها له. كانت فرحته عارمة مثل فرحة طفل اكتشف للتو متعة سريّة. أخبرني حينها أنه قضى سنوات في البحث عن نسخة من هذه الأغنية بدون جدوى. نشر الأغنية في مدوّنته وخصّني بنصّ فيه من الإطراء ما فيه.

4- في نشاط سياسي جامعي إحياءً ليوم الأسير الفلسطيني، قمنا باستخدام أحد تصاميم مهنّد الجرافيكية بدون إذنه. مهنّد الذي لا يقبل الضيم ولا التعدّي على حقوق الملكية الفكريّة قرّر معاقبتنا على فعلتنا فنشر في مدونته وصلة تقريع مدوية متهمًا إيانا بالسرقة وبالكسل. تداعينا للرد عليه في مدونته ودارت هناك معركة حامية الوطيس استمرت بضعة أيام من الردود والردود المقابلة والشتائم والشتائم المقابلة. مهنّد الذي فاجأه ردنا عليه والذي أضنته الحرب، كتب بعد بضعة أيام معلنًا التهدئة واصفًا ما جرى بـ «مونديال التلاطش بالخرا».

5- في بداية أزمة فيروس «كورونا» تداعى بعض العاملين في الشأن الفني والثقافي لإنشاء إذاعات افتراضيّة لتزجية الوقت خلال فترة الحجر الصحي. أعادت هذه المبادرات تذكيري بواحدة من أكثر المشروعات الصغيرة الواعدة التي عملت عليها كمدوّن. ففي وقت ما نهاية 2005 أو بداية 2006، أطلق مهنّد عبر مدوّنته إذاعة خاصّة تحت اسم «إذاعة الافتراضي» كان يبث عبرها أغنيات من أرشيفه الموسيقي. استهوتني الفكرة تمامًا، وطلبت من مهنّد إعانتي على إنشاء إذاعة خاصّة بمدونتي وقد أمدني بالطريقة التي أذهلتني بدائيّتها وكفاءته في نفس الوقت. طلب مني مهنّد أن أفتح ملف Note على جهازي وأن أنسخ فيه روابط الأغنيات التي أرغب ببثها تباعًا بعد أن أقوم برفعها على مواقع مجانيّة بامتداد rm الصوتي. ثم قام بتزويدي بكود HTML لمشغّل صوتي لأضيفه لمدونتي، وأن أضّمنه رابطًا بملف الـ Note الذي يحتوي الأغنيات. وهكذا أصبح لدي إذاعة باسم «موّال» أبث عبرها الأغنيات والأمسيات الشعريّة. وفي مرحلة لاحقة بدأت بتسجيل إيجازات إخبارية بصوتي عن الأوضاع في غزّة وكنت أنوي توسيع محتوى البث ليشمل برامج إذاعية كاملة إلا أن قصف محطة الكهرباء المركزية في صيف 2006، والانقطاعات الطويلة في التيار الكهربائي حال دون استكمال المشروع. شكْلت الإذاعتان ملتقى للمستمعين الباحثين عن الأغنيات النادرة ولروّاد حركة التدوين المصرية في بداياتها.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

خريف حزب الله

«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).