تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

كل سنة وأنت طيب يا سيادة الفريق

لينا عطاالله
4 دقيقة قراءة

"أين رأيت السيسي اليوم؟"

هذا هو السؤال الذي تمحور حوله "فيتيش السيسي"، إضافة جديدة لحالة السخرية السياسية المزدهرة في مصر. تلقي المدونة الضوء على شعبية عبد الفتاح السيسي، القائد العام للقوات المسلحة، و التي تعبر عن نفسها عن طريق مبادرات يومية متنوعة، بدءاً من طباعة صورته على قطع الشيكولاتة و وصولاً إلى تعبير امرأة على الملأ عن انجذابها الشخصي للجنرال على صفحات الرأي في الجرائد اليومية.

بجانب الفكاهة التي تثيرها رسائل الحب والشيكولاتة يمكن تفسير هذه اللفتات كتعبير عن تقدير حقيقي لرجل يُنظر إليه كمثال للرجولة والشهامة في وقت يتخبط فيه الآخرون في المعمعة السياسية. تلك المبادرات دفعت الإعلام أن يبلور حالة  الاستعداد لحكم قائد عسكري آخر.

و يقع هذا الاستنتاج في سياق أوسع من الحديث عن فشل الثورة والعودة لما قبلها. هذا الاستنتاج يتوافق بشكل ملائم أيضاً مع التحليلات التي أصرت قبل وبعد الثورة على أن الشعب غير مستعد للديمقراطية - هذا التحليل المسبق الذي تفوه به من لم يرتاحوا قط للقدرة المرتقبة للثورة على زعزعة بعض المفاهيم المستقرة.

و لكن لا يمكن فصل شعبية السيسي، مثلها مثل أي شيء آخر، عن إطار محدد. لقد لمع نجم السيسي فقط عندما تصدى لمحمد مرسي وأجبره على ترك السلطة في يونيو. استغلت الجنرال و من معه السخط المتزايد علي حكم الاخوان المسلمين، والذين تم اتهامهم كثيراً بتحويل الدولة إلى عشيرة. العديد من المصريين أرادوا استرجاع هذه الدولة عن طريق رفع شعارات تنادي بحقهم فيها والتظاهر ضد الإخوان المسلمين. في هذه الاثناء عرّف الجيش، وعلى رأسه السيسي، نفسه التعريف الأمثل في الوقت الأمثل: منقذ الدولة وركيزتها الأساسية.

تُترجم شعبية السيسي إلى شعور أقرب إلى الهيستيريا الفوق طبيعية، مثله مثل الكره المبالغ فيه تجاه الإخوان المسلمين والخوف من إرهابهم. و تلك هي الحالات المبالغة التي تأتي مع الثورة، مثلها مثل انعدام الصبر الذي أنتجته الثورة بوصفها حدث مكدس مليء بالوعود. بعد ثلاث سنوات، تترجم هذه الحدّة في الحدث إلى حدّة في المشاعر، بقطبيها اللذين يتمثلان في التمجيد والشيطنة.

و على أرض الواقع، الوضع الحالي للجيش منذ أن اختار رحيل مرسي تسبب في خلاء المجال السياسي. في حربه المدّعاه على ما تبقى من الإخوان المسلمين والخطر المترقّب من انتقامهم "الإرهابي"، أعلن السيسي أنه لا يجوز لصوت أن يتجاوز هذه المعركة. يعني هذا إعادة إنتاج الخطاب الذي رددته كل الأنظمة التي حكمت مصر منذ استقلالها: استبدال الحرية بالأمن. و بالتالي، فلا مساحة للسياسة.

بعد مرور ما يقرب من أربعة أشهر على رحيل مرسي، لم تتقدم أي من القوى المدنية لملئ المساحة السياسية التي يستفرد بها الجيش. القوى المدنية الأكثر تنظيماً اختارت أن تنضم لصف الجيش بدون مفاوضة، إلا قليلاً، على خارطة الطريق التي وضعها الجيش، بما فيها من نقاط محورية مثل الدستور.

أصبح السؤال الآن هو: هل يستطيع السيسي الحفاظ على شعبيته بعد زوال شبح الإخوان؟ إذا كان السيسي يستثمر حربه ضد الإخوان لكسب قبول شعبي أكبر كل يوم، فإلى أي حد يمتد ذلك؟ الحروب لابد لها أن تنتهي، خاصةً ومع إثبات تعرض الإخوان المسلمين لأزمة عميقة تهدد وجودهم كل يوم. هل يمكن اختزال السياسة في حرب مدّعاة على الإرهاب إذا قلت المعاداة التي يشعر بها أؤلئك الذين يحبون السيسي تجاه الاخوان، عندما يختفي الإخوان تدريجياً من المجال السياسي؟ وماذا عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية العاجلة المتروكة على الرف؟ كم من الوقت بعد يمكن تركها هناك عندما تنتهي هذه الحرب، علي الأقل في عقول الناس؟ لكم من الوقت تستطيع دولة تعريف نفسها من خلال عدو بعد أن يكف هذا العدو عن الوجود؟

وإذا تم عرض بدائل مقنعة للمصريين في شكل سياسيين مصلحين، هل يستمرون في تمجيد السيسي بلا شروط لأنهم يحبون الرجال ذوي المناصب العسكرية والزي العسكري؟ الوقت هو الأقدر على إجابة هذه الأسئلة، إلا أن الانتخابات الرئاسية في ٢٠١٢ أعطتنا بعض الدلائل عن الهوى السياسي للشعب، عندما تنافس اثني عشر مرشحاً على المنصب. بينما فاز محمد مرسي بالرئاسة بعد منافسة أحمد شفيق ذو الخلفية العسكرية في الجولة الثانية. إلا أن الجولة الأولي أسفرت عن رقم ذي دلالة كثيراً ما يتم تجاهلها. مجموع الأصوات التي حصل عليها المرشحون الثلاثة الذين تلوا شفيق و مرسي والذين لم يمثل أيٌ منهم القوات المسلحة أو الإسلام السياسي بشكل واضح، يفوق عدد الأصوات التي حصل عليها أي من مرسي وشفيق. هؤلاء الـ ٤٣٪، هذه الأغلبية، عبرت عن آراء مختلفة عندما كان المجال السياسي ذاخراً بالمفاوضات والنقاشات.

عندما يتم رفع صورة السيسي اليوم بجانب صورة جمال عبد الناصر، يدفعنا هذا للتفكر في وله المصريين بالقيادة العسكرية القوية في أوقات الأزمات، في لحظة من اندماج الحقبات. ولكن بجانب معركتهم المشتركة مع الإخوان - و التي تختلف بطبيعة الحال بالنسبة لكل منهم - التشابه بين الرمزين يصمد إلا على مستوى بلاغي على أقصي تقدير: كلاهما منقذ للدولة. ولكن أي دولة كان يتوقع لمصر أن تكون في الستينيات، وأي عقد جمع بين الدولة والشعب آنذاك؟ وما هي تلك الدولة الآن وما هو العقد الذي تستطيع عقده مع الناس؟ الإجابات تتفاوت كثيراً. آنذاك، وُلدت دولة جديدة وكان لديها وعودها الخاصة للشعب. أما الآن، فبقايا تلك الدولة تظل في شكل سلسلة من المؤسسات الباقية والمقوّاه التي لا تملك رؤية تتعدي نجاتها الشخصية. مصر السيسي تحتاج لأن تتعدي الخطاب الشعبوي وتقدم وعود جديدة لكي تستمر. و لكن هل تملك ذلك؟

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).