افتتاح المتحف الكبير: عن الانتشاء الوطني والبهجة المبرمجة
في الأيام التي سبقت افتتاح المتحف المصري الكبير، غمر الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي خطاب احتفالي جارف يتصاعد مع اقتراب الموعد، قوامه شلال صور للمستخدمين مولّدة بالذكاء الاصطناعي تظهرهم على هيئات فراعنة ومصريين قدماء، ومقاطع ومقالات تمجّد الحدث حتى إن البعض وصفه بالأعظم في تاريخ مصر. وقيادات تتحدث بحماس عن عبقرية الإنسان المصري، ومقاطع صوتية تؤكد أننا نسل الفراعنة العظام وحدهم، ولسنا عربًا. اللافت لم يكن الحدث نفسه، الذي انتهى بجودة متوسطة أحبطت حتى أغلب المهللين، بل الخطاب المُحيط به: الإصرار على أن «خلي الناس تفرح»، ووجوب تنحية السياسة جانبًا، في افتتاح تصدرته -للمفارقة- رسائل سياسية واضحة في استضافة ضيوف مثل أحمد عز وهشام طلعت مصطفى، بزعم أننا بصدد لحظة صفاء وطني، مفصولة عن كل ما عداها.
يتكرر هذا الخطاب في كل احتفال رسمي أو عرض وطني، في موكب المومياوات، وفي الاحتفالات بذكرى حرب أكتوبر، وفي الدعاية للعاصمة الإدارية الجديدة والأساطير المُحاكة حولها، وفي كل مشهد تُرفع فيه الأعلام ويُطلب من الناس الاصطفاف والتهليل. يُختزل الاشتباك العام كله في صورة بصرية مبهجة، ويُجرّد الاجتماعي والوجداني من عمقه السياسي، ويُدفع الناس نحو مساحة شعورية مضبوطة تُسمّى «الفرح الوطني» كواجب مدني، بينما يُعاد تعريف أي محاولة للتعقيد، أو استدعاء القمع، أو حتى الحزن العام، كخيانة صريحة لروح الجماعة الوطنية.
مع الوقت، لم يعد هذا شعار السلطة وحدها. كان اللافت في الأيام التي سبقت افتتاح المتحف أن الخطاب ذاته صار على ألسنة معارضين ومثقفين «متعقلين»، يرون في الحديث عن عشرات الآلاف من المعتقلين نكدًا، وفي النقد تعطيلًا للفرح الجمعي، الذي يحظر المساس به بأسئلة كبيرة، وإلا انهالت اتهامات «المزايدة» و«التفلسف».
لكن ماذا يعني أن يُختزل الوطن في مشهد من بهجة مبرمجة، لا يُسمح لها أن تتلوّث بأسئلة الجوع أو السجن أو الغياب؟ حين يُعاد تعريف الوجدان بما يليق بالعرض الرسمي، يصبح السؤال الحتمي: أيمكن، تحت هذا النظام، أن يوجد فرح قومي بريء؟
ليس جديدًا في مصر أن يُستَخدَم المشروع القومي أداةً لتغييب الجسد المقهور لصالح سردية المجد الجمعي. كلما علت نغمة «النهضة» و«العظمة»، تعمّق الصمت حول أولئك الذين سُحقوا ليُقام فوقهم هذا المجد.
حين بنى جمال عبد الناصر السد العالي، قُدّمت مصر للعالم بوصفها نموذجًا للبناء بعد التحرر من الاستعمار. لكن تحت لافتات ذلك الخطاب المهيب دُفنت مآسٍ بشرية لا تزال آثارها حية حتى اليوم. تهجير أهالي النوبة لم يكن مجرد «إعادة توطين» كما وصفته الدعاية، بل اقتلاع جماعي من الجغرافيا والذاكرة، تقطّعت خلاله أوصال مجتمعٍ عاش لقرون في تماسّ حميم مع الأرض والنيل. صيغ الفقد كـ«تضحية وطنية».. ثمن يُفرض لتقدم الأمة.
في الوقت نفسه، كانت السجون المصرية، من الواحات إلى القلعة، تمتلئ بالمعتقلين السياسيين من شتى الاتجاهات وتنضح بألوان التعذيب والتنكيل. لم يكن القمع حدثًا جانبيًا، بل مكوّنًا أصيلًا في مشروع الدولة ما بعد الاستعمارية.
لكن التشابه لا يعني التماثل، فما الذي يميز لحظتنا الحاضرة تحت هذا النظام عن سابقاتها؟
تشرح سارة سالم، في كتابها Anticolonial Afterlives in Egypt: The Politics of Hegemony أن مشروع عبد الناصر، بشكل لا ينفك عن قسوته وعنفه المحلي، كان يحمل وعدًا جماعيًا بالتحرر الوطني، وبالتالي شكّل اللحظة الوحيدة في تاريخ مصر الحديث لما يمكن تسميته بالهيمنة الثقافية بتعريف جرامشي.
توضّح سالم أنّ الهيمنة تُفهم كصيغة من الحكم تقوم على تلاحم القسر والرضا، بحيث تستمد الممارسات القمعية شرعيتها من قبولها كضرورة للمشروع الأكبر. ليست الهيمنة نفيًا للعنف، بل تطبيعه عبر إلباسه ثوب الإجماع. ومن هذا المنظور، تمثل الحقبة الناصرية الحالة الوحيدة للهيمنة في التاريخ المصري الحديث، إذ نجح مشروع عبد الناصر في تحقيق هذا التوازن الجرامشي بين القيادة والسيطرة، جمع بين القهر وبين إنتاج رضا متجذر في لحظة تحرر وطني مناهضة للاستعمار.
يفسر هذا كيف ظل بعض الشيوعيين الذين حُبسوا في سجون ناصر، كما يُروى، مؤمنين بمشروعه التحرري ضد الإمبريالية، ولو على حساب حريتهم. كانوا سجناء جسدًا، لكنهم شركاء في الخيال السياسي للدولة. هكذا امتزج الرضا بالقسر، والقمع بالاقتناع، والسوط بالحلم.
بدأ الخيط الدقيق بين الرضا والقسر يتآكل منذ السبعينيات، مع أنور السادات ثم حسني مبارك. لم يعد النظام يُنكِّل خدمةً لمشروعٍ تحرري، ولا دفاعًا عن حلمٍ يجمع الناس تحت رايةٍ واحدة. تحولت الدولة، تحت مسميات، الاضطرار والحكمة إلى منتج لنفس السياسات الاستعمارية، لكن بوجوه محلية وكيلة عن المستعمر الخارجي، مع منافذ محدودة للتنظيم والتعبير المحكوم عن الغضب. ازداد القسر وانحسر الرضا شيئًا فشيئًا، حتى استبدلت هيمنة المشروع التحرري باستقرار حذر واندماج كامل في النظام العالمي النيوليبرالي.
مع اندلاع ثورة يناير، بدت الحلقة للحظة وكأنها انكسرت، واستعاد جسد المصريين حضوره في الفضاء العام بعد عقود من الغياب. لكن بعد عام متخبط وسياسات تراوحت بين الفشل والسلطوية تحت حكم الاخوان المسلمين، سرعان ما حل عام 2013، ورسّخ النظام الجديد سلطته بانقلاب عسكري فاض بعنف دموي حد الفجاجة، من مذبحتي «رابعة» و«النهضة» اللتين قضيتا على مبدأ التجمع في المجال العام، إلى تفكيك المجتمع المدني وتجفيف النقابات المستقلة، إلى محو الأحزاب من الحياة السياسية.
خرج النظام المولود من رحم الدم ليحاول ضخّ شحنة رضا شعبية، ويصنع شرعية وجدانية عبر خطاب «التفويض الشعبي»، وقدّم نفسه باعتباره المنقذ والحارس والقائد الضروري الذي نجّى الدولة من الفوضى. هذا ما وصفه بريخت دي سميت في Gramsci on Tahrir بالنظام الـ«قيصري» بالمعنى الجرامشي: حالة تنشأ حين تعجز الطبقة الحاكمة عن إنتاج الرضا أو القسر، وتفشل القوى المعارضة في فرض بديل، فيقف المجتمع عند حائط سد. في هذا المأزق، حيث «القديم يحتضر والجديد تتعسّر ولادته»، يبرز «القيصر» وسيطًا سلطويًا يحسم الصراع من الأعلى باسم «الإنقاذ» أو «استعادة الاستقرار». لا يقوم الحسم على التوافق أو الإقناع، بل على قسر استثنائي تُبرّره الضرورة الوطنية.
اليوم، وكناتج مباشر لتلك اللحظة الاستثنائية، تكتظ السجون بأكثر من 60 ألف سجين سياسي، قضى آلاف منهم أكثر من عقد خلف الجدران لمجرد تدوينة على وسائل التواصل أو وقفة احتجاج. مات المئات تحت التعذيب، أو بالإهمال الطبي، أو اختناقًا في زنازين مكتظة. اختطف الاختفاء القسري المئات، ويُعاد تدوير المفرج عنهم في قضايا جديدة إلى ما لا نهاية. يمشي الـ«عادي» والـ«طبيعي» والـ«يومي» للحاضر يدًا بيد مع هذا العنف المؤسس المستمر، يرتكن عليه فيجعل استمراره ممكنًا، لذا يبذل النظام قصارى جهده لإخفاء هذا العنف ومحوه من العيون، بل ومن الذاكرة الجمعية.
لكن شحنة التفويض الأولى لم تدُم طويلًا. غرقت مصر في الديون والجوع، وتآكل ما تبقى من طبقتها الوسطى. لم يعد التنكيل حتى ثمنًا مزعومًا للتحرر أو صالح الشعب، بل صار التنكيل هو الـ(لا)مشروع نفسه، غاية تُرتجى لذاتها. صار النظام يقاتل لا لشيء سوى البقاء -بقاءه هو- وبات كل ثمن مباح ليُطيل عمر ظله، ولو فوق أنقاض الجميع. جف الرضا، وساد القسر. انهوست الدولة بمشاريع عبثية متلاحقة -من أطول برج لأعرض كوبري- تليق باللا معنى المميز للحظة الراهنة.
ومع غياب أي مشروع تحرري، أو حتى إصلاحي، يربط المتوجعين ببعضهم وبنسيج الوطن، انحصر أفق النظام كلما رغب في تصنيع بعض الرضا في أكثر أنواع الخطاب بدائية: الشوفينية القومية.
وسط هذا التنكيل الموحش سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا، يتوق كثير من الناس، بقلوب أرهقها الإحباط، إلى الفرح ولو عابرًا، إلى لحظة انتشاء تُضفي على العيش اليومي المتآكل ظلّ قيمةٍ كبرى تمنحهم إحساسًا ولو زائفًا بالانتماء والفخر. فليس كل من فرح بموكب أو متحف أو إنجاز رسمي مؤمنًا بالنظام أو منتفعًا من بقائه، بل يفرح كثيرون لأنهم لا يطيقون مواجهة القسوة العارية بلا غطاء من الحلم. هنا تأتي الدورة الموسمية للفرح القسري. من تفريعة قناة السويس، التي وُصفت بـ«هدية مصر للعالم»، إلى العاصمة الإدارية الجديدة بوصفها «مدينة عالمية» تحوي «أطول برج في أفريقيا»، وصولًا إلى موكب المومياوات، والآن المتحف المصري الكبير. يصبح التاريخ هو الملاذ الأخير، تُستحلب منه رموز الانتماء. تُستعار هيبة الفراعنة لتُغلف بها سلطة الحاضر، ويُمدّ خطّ الوهم بين ملوك الأمس وزعيم اليوم. يُخلق لدى الناس إحساسٌ مهيب يعطي معنى لوجودهم، حتى لو كان هذا الوجود مشروخًا بالفقر والمرض والقهر والسجن. تأتي لحظات الانتشاء القومي تلك كفرص ذهبية للنظام لتخدير ملايين المسحوقين، ولتسريع محو عنفه المؤسس والمستمر، وطمس مئات الآلاف من ضحاياه من المعتقلين وأهاليهم الذين لا مكان لهم في سردية مصر الجديدة.
ليس الغرض هنا إذًا الإدانة ولا الوقوف في موقعٍ أخلاقي متعالٍ يُصدر أحكامًا على من فرحوا، أو من وجدوا في تلك اللحظة متنفسًا. ما يُراد، على العكس، هو الإصرار على التعقيد، على أن تُقرأ الأمور في تشابكها الكامل لا في بساطتها المريحة، خصوصًا عندما يشارك في هذا التسطيح من يحسبون على مثقفي المجتمع وثورييه. فكل استدعاء لخطابٍ شوفيني أو شعبوي يكتفي بالصور المبهجة والشعارات المكرّرة، ليس إلا تغذية للمنظومة نفسها التي تقتنص حالة التوق الجمعي إلى المعنى لتصنع منها زينة لوجهها. ما يُحتفل به اليوم ينبني على ما انتهك بالأمس، وما يُنتهك اليوم هو شرط احتفالات الغد. لذا، فالفصل بين الفرح من جهة، والأجساد المهشمة من جهة أخرى، بين الشخصي والسياسي، بين الاحتفال والقهر، هو مشاركة في المحو وإن تم بحسن نية.
الانتشاء القومي الذي يُولَد -أو يُوَلّد- في هكذا رحم لا يمكن أن يكون بريئًا من السياسة، حتى وإن كان الشعور به صادقًا، لأنه في لحظة انبعاثه يُستدعى لإنتاج ماكينة القهر نفسها التي فرضت من البداية حتمية هذا الانتشاء متنفسًا وحيدًا.
ليس الدافع هنا، كما يوحي بعض المتأففين من محاولات تعقيد المشهد، إثارة العاطفة والـ«نكد» أو ابتزاز الفرحين بخطاب من قبيل كيف نذوق الطعام بينما يُحبس أصدقاؤنا، أو كيف نضحك والأقصى أسير. ليس الدافع حتى أي تقييم للمتحف ذاته، ولا للحضارة المصرية القديمة، ولا لمعارك طواحين الهواء الهوياتية بين الكيميتيين والإسلاميين. الهدف هو رسم رابط مادي مباشر يُرغمنا على قراءة الفرح والانتشاء القومي بوصفهما جزءًا لا يتجزأ من (لا)مشروع السلطة. ليست هناك «نقرة ونقرة»، بل مشاعر مُهَندَسة، مستثارة موسميًا، تعمل كمزلق فعال لضمان سلاسة سير النظام نحو سراب «مصر الجديدة»، الـ(لا)مشروع الذي لا نعرف له أي ملمح ممسوك إلا حكمه الأبدي.
آراء أخرى
إخفاء الاختفاء القسري.. واستثماره أيضا
«في #اليوم_العالمي_لضحايا_الاختفاء_القسري: كارم يحيى يكتب عن المختفين في مصر بين عهد مبارك والعهد الحالي»
آخر كلام: هل كتب يسري فودة عن ماصوني دون أن يعرفه؟
«"طيب الله أوقاتكم"، كان هذا أول ما ينطق به لسانه في إطلالته على مشاهديه على مدى ست سنوات. مقولة تعلقت بيسري فودة وتعلق مشاهدوه به وبها»
أمهات يبحثن عن أبنائهن
«كيف شكّل الاختفاء القسري حركات اجتماعية نسائية ______________________ أسهمت جريمة الاختفاء القسري في نشوء حركات اجتماعية تكونت من زوجات وأمهات المفقودين من ضحايا الحروب اﻷهلية والحكم…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد