تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

قراءة في أخطر كتاب عن أوضاع جهاز الشرطة في العهد البائد العائد (2 من 2)

بلال فضل
12 دقيقة قراءة

كيف تحول الفساد داخل جهاز الشرطة من اختيار فردي إلى أسلوب حياة؟

.................................................

​بالتأكيد أصبحت "بايخة" جدًا تلك النكتة التي تتحدث عن شخص قرر أن يغير معاناته من كونه يحمل اسم "حبيب النتن"، فقرر أن يغير اسمه إلى "محمد ابراهيم النتن"، لكن الأبوخ منها أننا حين نتعامل مع ملف شديد الخطورة والأهمية مثل ملف الأمن، نفعل طيلة الوقت مثلما فعل ذلك الشخص "النتن"، فنعتقد أن تغيير أسماء المسئولين عن وزارة الداخلية يمكن أن يجعلها أكثر كفاءة وفعالية وأقل قتلًا وقمعًا وفسادًا، مع أن مصر لن تشهد أمنًا حقيقيًا ولا استقرارًا فعليًا، طالما تباطأت في إعادة هيكلة جهاز الشرطة، وهي عبارة سعى كل من حكموا مصر عقب الثورة إلى اقناع المصريين بأنها سيئة السمعة وممولة من الخارج ومشبوهة أو في أحسن الأحوال مطاطة ومثالية وغير قابلة للتنفيذ، مع أن العديد من المنظمات الحقوقية قامت بإعداد مبادرات عملية تحولها من عبارة نظرية إلى واقع ملموس إذا توفرت النية الصادقة لذلك، لكن كيف تتوفر النية ونحن نعطي القط مفتاح الكرّار، وننتظر من المستفيد من الواقع الفاسد أن يكون طرفًا في إنهائه؟

جمعيات أصدقاء الشرطة!

في كتابه المهم (تعليمات سيادتك) الصادر عن دار ميريت، يقدم ضابط الشرطة السابق محمد حسني أبو العز قراءة عميقة وأمينة للواقع اليومي لجهاز الشرطة الذي تحول الفساد فيه من اختيار فردي يمكن محاربته باستبعاد العناصر الفاسدة والمفسدة، إلى أسلوب حياة وفلسفة عمل، لكن ذلك يتم بعد منح الفساد أسماء جديدة لكي يمكن التعايش معه، بنفس الطريقة التي تعايش بها "النتن" مع اسمه بعد التغيير، أسماء مثل "السحتجة" و"البرشطة" و"رمي الهلب" و"التكتيف" و"التضبيط"، وغيرها من الأسماء التي يرصد أبو العز كيف تحولت إلى فلسفات معتمدة للعمل الأمني، منذ سُئل وزير الداخلية الأشهر زكي بدر عن مرتبات الضباط والأفراد التي لا تكفي احتياجاتهم المعيشية، فتدفعهم إلى استغلال نفوذهم من أجل تعويض نقص تلك المرتبات، فرد بصوته الأجش قائلًا: "جنيه الداخلية بميت جنيه"، ليجيئ بعده بسنين خليفته في ملاعب القمع حبيب العادلي، فيجيب على نفس السؤال في حوار أجراه مع "الإع.. لامي" مفيد فوزي في عيد الشرطة، بإجابة مقتضبة وموحية "القليل يكفي".

ولكي تفهم كيف يتحول قليل الداخلية إلى كثير، لن تجد أفضل مما يرويه محمد حسني أبو العز في كتابه عن "التضبيط" الذي كان أول شيئ تعلمه على الإطلاق بعد تخرجه من كلية الشرطة، حين فاجأه كضابط شرطة مبتدئ كيف يحرص الكثيرون على التقرب إليه والمبالغة في احترامه وتقديره، بعد أن كان نكرة طول حياته، فيفرح بذلك ويظن من فرط سذاجته أنهم يحبونه مثلًا من أجل شخصيته الظريفة اللطيفة، قبل أن يكتشف أنهم يتقربون لبدلته وليس لشخصه، وأنهم ليسوا أصدقاءه بل أصدقاء الشرطة أو بمعنى أصح زبائنها الذين لا يخلو منهم زمان أو مكان.

"أصدقاء الشرطة" هؤلاء يقسمهم أبو العز إلى أنواع كالآتي: "منهم من يتقرب من أجل مصالحه المباشرة، ومنهم من يتقرب تحسبًا لأي أمر ربما يحتاجك فيه، وهناك من يتقرب لمجرد أن يتمنظر بك أمام العالم، وهؤلاء جميعا يشترط أن يكونوا أغنياء أو أنصاف أغنياء أو على الأقل كسيّبة. فما حاجة الفقير إليك على كل حال أو بمعنى أصح ما حاجتك أنت إليه. ما إن يُعَيَّن مدير أمن جديد أو مأمور قسم أو رئيس مباحث أو مدير مرور أو رئيس مكتب أو حتى رئيس نقطة، حتى تجد زبائنه وقد تقدموا إليه جمعًا أو فُرادى لكي يباركوا له، وتبدأ هذه المباركة غالبًا بإعادة تأثيث المكتب أو تجديد القسم أو حتى إعادة بنائه، وتنتهي أحيانًا بأبعد مما قد يصل إليه خيالك".

يقع الضابط الجديد هنا في تناقض كبير، حين يتعرض لإغراءات مادية حقيقية لكنها غير مباشرة، ليس في المسألة رشوة مباشرة يمكن أن تمس شرفه، كل ما هو مطلوب منه هنا أن يتكيف مع أوضاع قائمة ومتعارف عليها قبل ممارسته لعمله، أوضاع أصبحت قديمة وراسخة حتى أن رفضه لها يمكن أن يجعله مثارًا لسخرية زملائه، هو هنا، كما يقول أبو العز، لا يرى أنه يرتشي بل يتكيف مع الواقع، لأن التعريف المعتمد للرشوة هو أن تطلب مقابلًا ما لأمر غير قانوني، أما حين تقبل تصرفات كهذه فأنت فقط تتيح الفرصة لأصدقاء الشرطة أن يعبروا عن محبتهم لها، وعليك أن تنسى أو تتناسى أنه من المستحيل حين تسمح لهؤلاء الأصدقاء بفعل ذلك أن تقوم بعدها بتطبيق القانون عليهم مثلما تطبقه على غيرهم.

يرى أبو العز أن وضعًا مثل هذا "يعد بمثابة إغراء كبير للضابط خاصة أن الرواتب هزيلة لا تتناسب مع الوضع الاجتماعي، ولا مع الفوقية الكاذبة الملازمة لمهنة ضابط الشرطة، ولا مع الصورة الذهنية التي رسمتها له الأعمال الفنية في ذهن المجتمع، فهل يمكنك مثلًا أن تتخيل ضابط مباحث ليس لديه سوى طقم واحد، أو بيشرب كليوباترا، أو راكب أتوبيس... هذا بالنسبة للضباط المفترض فيهم الشرف، فما بالك بالفاسدين، فهناك من الضباط من يدفعه جشعه إلى أبعد من هؤلاء الزبائن، فيمتد إلى الشرفاء الذين يعيشون في حالهم، بل ويمتد أحيانًا إلى الغلابة اللي بياكلوا عيش، ويمتد كذلك ليشمل بيع القضايا، وأحيانا إلى تلفيقها لبيعها، وأكثر من ذلك، وهؤلاء هم من يعتبرهم باقي الضباط لصوصًا. ومن الجدير بالذكر أن هناك من الضباط من سيضطر لممارسة هذا الأمر لمصلحة قياداته دون أن يمارسه لمصلحته هو، فإن من لا يفعل وخصوصًا في الأمن العام غالبًا ما سيجد نفسه مهمشًا خارج المنظومة بلا أي مستقبل، مهما اجتهد في العمل، إلا إذا استطاع التغلب على هذا بقوة نفوذ واسطته، أو بثراء عائلته".

وفي حين يرى أبو العز أن "هذا الوضع أخذ في الإنحسار تدريجيًا مع الأجيال الجديدة، لأن قيادات الشرطة قصروا القبول في كلية الشرطة في السنوات الأخيرة على أبناء الأسر ذات المستوى المادي المرتفع ولو نسبيًا، في إطار ما كان يسمى بسياسة تزاوج المال بالسلطة"، إلا أنه ينسى أن لكل مستوى مادي مهما بلغ ارتفاعه نوع الصداقة الذي يليق به، فإذا كانت خرطوشة السجائر هدية مناسبة لضابط في الأرياف، فإقامة مفتوحة في فندق خمس نجوم ستكون مناسبة لضابط في منطقة سياحية، وسيتم التعامل معها بنفس الأريحية التي لا علاقة لها بمستواك الإجتماعي أو كونك من "مستوى أنضف" بنص التعبير غير المقبول إنسانيا الذي يورده أبو العز في كتابه، فما يجعلك "أنضف" ليس مستواك الإجتماعي أو الأسري، بل كونك تعمل في ظل رقابة حقيقية تحاسبك وتطبق عليك موادًا قانونية بليت داخل النصوص من قلة استخدامها أو من استخدامها حسب المزاج، ما سيجعل جميع الضباط والأمناء والعساكر "أنضف" بغض النظر عن مستوياتهم هو وجود إدارة ناجحة لجهاز الشرطة تعطي المنتسب إلى جهاز الشرطة حقه العادل المكافئ لجهده وتدريبه وتراقب أداءه دون تمييز أو تفرقة وتحاسبه إذا أخطأ دون تمييز أو تفرقة، وإدارة "أنضف" مثل هذه هي التي ستجعل جميع المواطنين يشعرون بأداء أمني فعال وكفء، دون أن ينتظروا حظهم في "ضابط ابن ناس" أو "ضابط ابن حلال" أو "ضابط متربي" لكي يفلتوا بفضل أصله وتربيته وأخلاقه من المعاملة الحقيرة والمتعجرفة ومنعدمة الكفاءة.

لكن بغض النظر عن استخدام ذلك التعبير غير المقبول، يحسب لمحمد حسني أبو العز أنه ختم استعراضه لظاهرة السحتجة والبرشطة داخل جهاز الشرطة باعتراف صادق يقول فيه "وبالرغم من أنني انتبهت مبكرًا إلى مدى فداحة هذا الأمر، إلا أنه أصبح عادة لا أستطيع أن أدعي أنني نجحت في التخلص منها تمامًا، فهي شيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وما زلت حتى الآن رغم استقالتي أمارس تلك السحتجة اللا إرادية على من حولي.. دون وعي".

احبسه أو سيبه!

في موضع آخر من كتاب (تعليمات سيادتك) يروي  أبو العز مشهدًا مهمًا تقع أحداثه في نيابة السلام بمجمع محاكم مصر الجديدة بتاريخ ديسمبر 2005، راويًا نصه كالآتي: "استقبلني وكيل النيابة كالعادة مُرحبًا بي داعيًا إياي للجلوس، جلست بعد أن سلمت عليه وعلى زميليه اللذين يشاركانه الحجرة الأنيقة والمنهمكين في عملهما. التفت للسكرتير: طلع القضايا بتاعت محمد بيه محمد. ثم التفت لي: تشرب إيه بقى الأول؟، قبل أن يضيف قائلا: يا باشا أنا على فكرة بابعتلك بقالي ييجي شهرين.. وفيه عندنا هنا ييجي ثلاثين قضية ليك لازم تتسئل فيهم قبل ما الورق يمشي من عندنا.. فمش كده يعني.. حرام عليك.. الشغل بيتأخر والله.

ـ والله ياباشا إنت عارف ضغط الشغل عامل إزاي.. يعني أنا بايت طول الليل في الكمين وجاي من هناك على هنا على طول فمعلهش بقى غصب عني والله.

ـ يا باشا ربنا يكون في عونك. ثم يبتسم وكيل النيابة مستطردا "هي على فكرة القضايا كلها خدت إخلاء سبيل.. مافيش تقريبا ولا واحد اتحبس فيهم.. بس إنت فاهم بقى ورق وروتين ووجع دماغ لازم يخلص".

قالها ربما بقصد إغاظتي وربما بقصد تنبيهي.. لا أعلم، ولكن عل كل حال فهو لا يعلم أن إخلاء سبيلهم يريحني أكثر مما يغيظني أو يضايقني، فأنا لم أصل يومًا إلى القناعة بما أفعله، فأغلب من أقوم بضبطهم ضحايا، وأغلبهم ممن لا ظهر لهم ولا سند، يتعاطون المخدرات لكي يسكنوا بها اليأس، أو يبيعونها بعد أن ضاقت بهم السبل، أما المجرمون الحقيقيون أولئك الذين يستحقون الحبس فلم تصل إليهم يدي إلا نادرًا".

ولكي لا يتصور القارئ أن هذا المشهد المفزع ليس إلا مشهد استثنائي وعابر في عمل جهاز الشرطة، يقوم محمد حسني أبو العز بوضع يده على جوهر العوار القانوني الذي يكتنف عمل جهاز الشرطة طبقًا للتعبير القضائي الشهير، وهو أن ضابط الشرطة وخصوصًا ضابط المباحث حين يعترضه موقف فيه مخالفة للقانون، لا يجد نفسه مطالبًا باتخاذ الإجراء القانوني اللازم، بقدر ما يجد نفسه مطالبًا بالاتصال التليفوني برئيسه لكي يتلقى التعليمات بشأن ما يجب فعله، وقد يمتد ذلك الاتصال التليفوني حسب الموقف وحسب مرتكبه إلى سلسلة من الاتصالات التليفونية المتصاعدة التي قد تصل للوزير شخصيا، وقد يوصلها الوزير نفسه إلى رئاسة الجمهورية أو إلى جهات سيادية أخرى طبقًا لأسماء وهويات الأشخاص الموجودين في الموقف، لتأتي التعليمات للضابط في النهاية بأمر من اثنين "احبسه أو سيبه"، في غياب كامل للقانون عن المشهد، بحيث يتم استدعاؤه بعد ذلك في حالة الحبس، أو يتم استدعاؤه لتضبيط التداعيات التي ربما سببتها غشومية ما رافقت الموقف.

ضابط الشرطة يعلم هنا جيدًا أن الاعتراض على التعليمات أيًا كانت ليس واردًا أبدًا، مهما كانت مخالفة للقانون، فهو رجل عسكري ينفذ التعليمات، وحتى إذا وجد رئيسًا متساهلًا يسمح له بإبداء رأيه، فعليه أن يدرك أن ذلك ليس مضمونًا دائمًا، وأن عليه أن يتذكر دائمًا ما يتم ترديده على سمعه مرارًا وتكرارًا من كل من هم أقدم منه "أهم حاجة في الشغل بتاعنا سرعة الإخطار"، ليس سرعة التصرف أو حسن التصرف الذي لا يجيده أغلب الضباط في نظر قياداتهم، دون أن تواجه تلك القيادات نفسها بأن ذلك سببه الرئيسي جهل أغلب الضباط بالقانون.

يعترف محمد حسني أبو العز هنا قائلًا "صدق أو لا تصدق فأنا لم أكن أعلم شيئًا عن قانون الطوارئ إلا عندما أثيرت أزمة خالد سعيد، وصدق أو لا تصدق أيضا، فحتى قامت الثورة لم يكن أغلب الضباط يعلم أن هناك من الأساس ما يسمى بقانون الطوارئ، آه والله العظيم، حتى أنهم فوجئوا بأن الإعلام يهاجمهم ويتهمهم بشدة بسوء استخدام قانون الطوارئ وهم لا يعلمون أصلًا ما هو قانون الطوارئ هذا وما الفارق بين وجوده من عدمه، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، ولهذا فإنه عندما تصدر للضابط تعليمات مخالفة للقانون، فإنه لا يهتم، بل إنه في الواقع لا يلاحظ هذا أصلًا. وكل ما سبق يعكس أمرًا اكثر أهمية وأشد خطورة، وهو أن الشرطة ظلت لعدة عقود وربما لعدة قرون تعمل كذراع للحاكم وليس كذراع للقانون، فمثلما تعمل أنت فقط بتعليمات من يرأسك، يعمل هو كذلك بتعليمات من يرأسه، وهكذا حتى يصل الأمر متسلسلًا في النهاية للوزير، الذي يعمل هو أيضا بتعليمات رئيس الجمهورية".

مش هترجعوا بقى؟

"نرجع فين؟.. نرجع إزاي يعني؟.. نرجع زي ما كنا؟.. أمال البلد قامت فيها ثورة ليه؟"، كان هذا ما يجيب به محمد حسني أبو العز على سؤال: "هو انتو مش هترجعوا بقى؟" الذي كان السؤال المصري الأشهر عقب ثورة يناير، وهو سؤال رآه مستفزًا ومحبطًا لكنه كان يعذر سائليه، ومع ذلك فقد كان ذلك السؤال أحد أهم أسباب استقالته من وزارة الداخلية، خصوصًا عندما رأى الجميع يهللون لعودة وزارة الداخلية دون أن تكون قد عادت فعلا، تلك العودة الشكلية التي كانت سبب سقوط الداخلية المفاجئ والسريع، يتأمل أبو العز كيف كان الناس يهللون كلما رأوا كمين شرطة، رغم أن ذلك الكمين لا يستهدف سوى المواطن العادي، ويهللون كلما رأوا لجنة مرور، رغم أن الهدف الوحيد من تلك اللجان هو جمع الأموال من الشعب، دون تحقيق انضباط مروري فعلي، ويفرحون حين يرون حملة إزالات لإشغال الطريق، رغم أن هذه الحملات تساهم في تعقيد الواقع حين تقطع عيش فقراء ليس لديهم حل آخر لكسب الرزق فتزيد نسب البطالة، وتزيد بالتبعية نسب الجريمة، فلا ينتبه المجتمع إلى أنه عالج مشكلة بسيطة ليقوم بترسيخ مشكلة أعمق وأخطر.

كان لا بد لضابط يحب مهنته ويريد ممارستها بشكل محترم وفعال مثل محمد حسني أبو العز أن يستقيل من عمله، وهو يرى "وزراء الداخلية المتعاقبين بعد الثورة وهم يعيدون تكرار نفس أساليب حبيب العادلي البالية ويستخدمون نفس حيله القديمة، محاولين إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه أيام العادلي، دون أي محاولة حقيقية أو جادة لإصلاح أي شيئ، كان ما سمي بالتطهير عبارة عن تمثيلية، بل إنه اتخذ غطاء لتصفية الحسابات والتخلص ممن يعتبرونهم مشاغبين، واهتموا جميعًا بالأمن المركزي، تاركين الضباط والأفراد في الأمن العام يواجهون ما لا قِبل لهم به من الجريمة حتى صاروا يقتلون واحدًا تلو الآخر، وصاروا هم يستخدمون استشهادهم في الدعاية لأنفسهم، وازداد الامر عبثًا على عبث".

يقول ضابط شرطة بحسرة له "هيبة الشرطة ضاعت خلاص"، فيرد أبو العز عليه "وهي كانت فين الهيبة دي؟، هو إحنا كان لينا هيبة غير على الغلابة؟، الهيبة الحقيقية للشرطة هتبقى لما تعرف تطبق القانون على الوزير، زي ما بتطبقه على سواق الميكروباص"، ولأن محمد حسني أبو العز يريد أن يظل صادقًا مع قارئه حتى النهاية، فهو يسمي الأمور بمسمياتها ولا يخدع نفسه وقارئه بصرف انتباهه عن جوهر المشكلة التي تمنع إصلاح جهاز الشرطة، ولذلك يختم شهادته للوطن والتاريخ بكلمات من نور يقول فيها "المشكلة ليست في خطط الإصلاح أو الهيكلة، ولا حتى في الحلول السريعة، المشكلة تكمن في عدم وجود إرادة سياسية حتى الآن ممن يحكمون البلاد لتنفيذ تلك الخطط والحلول، ولن توجد تلك الإرادة السياسية طالما تحتاج السلطة إلى الشرطة لحمايتها، وسوف تظل السلطة تحتاج الشرطة لحمايتها طالما هي في حالة عداء مع الشعب، وستظل السلطة في حالة عداء مع الشعب ما لم تتحقق العدالة، ولن تتحقق العدالة إلا بسيادة القانون على الجميع، وبغير هذا فإن أي خطة للإصلاح أو التطهير أو الهيكلة سوف تكون خطة وهمية ربما لن تعدو عن كونها مجرد غطاء آخر للمزيد من الإفساد".

أعذر الرجل وأنذر ونصح وشهد بالحق، وسيأتي وقت تستفيد فيه مصر من شهادته، لكن بعد أن تدرك أولا خطورة الإعتماد الدائم على شهود الزور.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

نقد النقد الذاتي

«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).