تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

قبل الـ«كوب»: ربما تنجو العلمين.. فهل ننقذ الشخلوبة؟  

أحمد العدوي
14 دقيقة قراءة
قبل الـ«كوب»: ربما تنجو العلمين.. فهل ننقذ الشخلوبة؟  
صورة لإحدى الجزر المهجورة ببحيرة البرلس مقابل قرية الشخلوبة، سبتمبر 2021، كانت تستخدم حتى عام 2000 كحلقة لبيع السمك

بعد أن تناولنا في مقالنا الأول النقاشات حول التعامل العالمي مع آثار التغيرات المناخية في مصر وإفريقيا، وأولوية التكيف ومراعاة أبعاد التنمية في الجنوب العالمي، نحاول في هذا المقال الانتقال إلى المستوى التفصيلي فيما يحدث داخل مصر من سياسات وممارسات في المناطق ذات الحساسية/الهشاشة العالية بسواحل البحر الأحمر والمتوسط، والتفاوت من منطقة إلى أخرى. سلسلة من الأمثلة والملاحظات الميدانية تقدم صورة أكثر تفصيلًا عن مسألة العدالة البيئية واللامساواة البيئية داخل مصر. 

تشير العدالة البيئية إلى العدالة في توزيع المنافع والأعباء البيئية بين الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة. ويظهر غياب العدالة البيئية أو اللامساواة البيئية عندما يكون هناك تفاوت أو لا مساواة في: ١- تحمل الأعباء البيئية، ٢- استغلال المنافع البيئية. يشتمل تحمل الأعباء البيئية على درجة تمركز المواد السامة أو المخاطر البيئية التي تهدد صحة الإنسان في مناطق معينة أو لدى فئات اجتماعية بعينها، ما يخلق شكلًا من أشكال «العنصرية البيئية» بحيث تكون مجموعات اجتماعية بعينها أكثر عرضة لتحمل الأعباء. وتشمل أمثلة الأعباء البيئية: التعرض للمواد الخطرة والنفايات السامة، والتلوث، والمخاطر الصحية، فضلًا عن استغلال وفقدان الممارسات البيئية التقليدية، واستنفاد الموارد الطبيعية المحلية. بينما تشمل الفوائد البيئية التي قد تتمركز أيضًا اجتماعيًا وجغرافيًا في: المياه النظيفة، والهواء النقي، وسهولة الوصول إلى المسطحات الخضراء والمتنزهات. هنا نرى شكلًا من أشكال «الامتياز البيئي» لدى المجموعات ذات القوة الاجتماعية على الحفاظ على المرافق البيئية لأنفسهم وحرمان المجموعات الأقل قوة منها. 

إذا انتقلنا بنظرنا إلى السواحل المصرية، فلا أحد يستطيع أن يجزم أن المدن الساحلية المصرية بأنواعها واختلافاتها ستصمد بالكامل أمام التغيرات المناخية في ظل غياب نقاشات شفافة (فنية-اجتماعية) ورؤية طويلة المدى تتحول إلى ممارسات على الأرض. أفرد التقرير الثاني لمجموعة العمل الثانية للتقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في الفصل التاسع مساحة لعرض سيناريوهات تعرض مناطق في الدلتا والإسكندرية لتاثيرات ارتفاع منسوب سطح البحر اعتمادًا على أبحاث مصرية وأجنبية تتناول هذا الشأن بالرغم من النقص الحاد في البيانات، كنماذج ارتفاعات رقمية دقيقة متاحة للباحثين تأخذ في اعتبارها الحمايات المنفذة أو الجاري تنفيذها أو الخصائص الجيولوجية لكل منطقة. وتوقعت وصول هذه التأثيرات لمناطق واسعة وخصوصًا جنوب البحيرات الشمالية وغرب الدلتا وجنوب الإسكندرية. ومع ذلك فإننا نفترض هنا أن التعرض، أو التهديدات المناخية، لن تطال جميع السواحل والمناطق بنفس الدرجة، ولن يكون لها في الغالب ذات التأثير، وذلك لأسباب اجتماعية وسياسية وليس بالضرورة بيئية. بمعنى آخر، على الأغلب لن تغرق أيٌ من المنتجعات بالساحل الشمال والبحر الأحمر، أو بالأحرى لن يتم السماح لها أن تتأثر بشدة. 

خرائط تاريخية للدلتا ننشرها بإذنٍ من davidrumsey.com
السيناريوهات المتوقعة في 2050 و2100 المعروضة في تقرير الهيئة، وتكاد تكون متطابقة مع المسطحات المائية التي تم تغيير استخداماتها خلال 200 سنة
التطور الحديث للدلتا من 1984 إلى 2020

ترتبط الخسائر الناتجة عن تأثيرات التغير المناخي بشكل أساسي بدرجة المرونة التي تتمتع بها السواحل والمناطق المهددة وقدراتها الحالية أو المستقبلية في مجابهة أو التكيف مع تغيرات بيئية مفاجئة أو تدريجية. ننظر هنا إلى التسابق على حجز الرسوبيات المتحركة على طول الشاطئ لكسب شواطئ جديدة أو منع نحر في منتجعات الساحل الشمالي الموسمية والمغلقة معظم أوقات العام، والتي تأخذ حيزًا كبيرًا من النقاش البيئي، المحدود بالأساس إذا ما قورنت بمصالح ملايين السكان في شمال الدلتا على سبيل المثال وليس الحصر. بالتأكيد، عند وجود مشاكل مرصودة نتيجة تدخل بشري عنيف غير مستدام في خط الشاطئ، كما في حالة منتجعات الساحل الشمالي، يتم التفاعل مباشرة معها، فمن المستبعد ترك هذه المنتجعات تتأثر بشدة تحت تأثيرات التغير المناخي. لكن ماذا عن تجاهل مصالح ملايين في رشيد وكفر الشيخ ودمياط وأبو قير، المعرضين مباشرة لضربات أقوى بكثير جدًا لسبل عيشهم من التغير المناخي، بعد استنفاذ قدراتهم المحدودة للتكيف مع المشاكل البيئية القائمة بالفعل، وملايين غيرهم بعيدون عن الساحل وغير مشمولين بدراسات تفصيلية عن التأثيرات على سبل معيشتهم؟ ما هو إذن نصيب ملايين المصريين من النقاش العام، حتى وهو محدود عن المشاكل البيئية والتغير المناخي؟

صورة لأحد الصيادين ببحيرة البرلس، سبتمبر 2021

لن نقوم بمراجعة الزحف المقدس عبر نمط التقسيم/التخطيط المكثف على الشواطئ غرب الإسكندرية، فهو معلوم للجميع، ولكن نركز هنا على استدامة مشاريع التنمية بالساحل الشمالي. وفي ظل ندرة الأبحاث الرصينة، نظرًا لصعوبة النفاذ إلى البيانات المحدثة، ولتضارب المصالح، تقدم لنا الدراسات القليلة، التي شاركت فيها مراكز البحوث القومية، صورة مقربة للواقع. على سبيل المثال، أشارت دراسة عن المركز القومي لبحوث المياه في 2021 عن التأثيرات الشديدة لنمط التنمية الحالي في مناطق عدة على طول الساحل، على الموارد الطبيعية، واستقرار السواحل، وجودة البيئة. تؤكد الدراسة أن حالة عدم الاستقرار هي السمة الغالبة للمنطقة الساحلية المصرية بسبب النشاطات البشرية، وبالتالي نموذج التنمية الساحلية المتبع.

تطور سباق الرسوبيات في منطقة مارينا والعلمين على الساحل المصري على البحر المتوسط
التدخلات العنيفة بشاطئ الغردقة

في 2008، وعقب الانتهاء من إنشاء مركز مارينا العلمين السياحي (درة تاج التنمية العقارية بالساحل الشمالي في بداية الألفية الجديدة) حول بحيرة صناعية تتصل بالبحر، تم توثيق مشاكل نتيجة التدخلات التي أحدثتها تلك المنشآت، وشملت قائمة المشكلات: النحر الشديد لجزء من الشاطئ، وتهديدات لسلامة مرتادي الشاطئ، وغيرها. وأصبح المنطق السائد الآن هو التفكير الفردي في حمايات لكل مشروع بشكل منفصل في إطار السباق على الرسوبيات المتحركة على طول الشاطئ (كل مشروع/منتجع يحاول حجز تلك الرسوبيات لتكوين شاطئ محمي أكثر من اللازم/أكثر جاذبية من المنتجع بالجوار في الشرق دون الأخذ في الاعتبار أثر ذلك على كامل النظام المتزن). يفسر هذا المنطق الفردي والرأسمالي للتعامل مع الساحل الشمالي عمليات الزحف غربًا للنخب من منتجع إلى آخر. ورغم خطورة هذه الممارسات على الساحل الشمالي بشكل قد يحد من جاهزية هذه السواحل للتحديات القادمة كالتغيرات المناخية وهبوط الأراضي، والتى حددتها دراسة حديثة، إلا أن الوعود بمنتجعات خيالية، والإنفاق على المصدات والحواجز، تضمن لهذه الفئات المميزة الاستمتاع أكبر فترة ممكنة بالسواحل الشمالية. ويستمر المصريون في تلقي التأكيدات من رجال الأعمال المطورين لمراسي اليخوت العالمية باستيراد أحجار أكثر ديمومية وتطبيق اشتراطات بيئية صارمة عليهم، دون إخبارنا عن المختلف لديهم عن المسارات السابقة. وتعدنا الدولة بمخطط متكامل للعلمين يشمل بجانب المقرات الحكومية والأبراج الفارهة، أنشطة صناعية، بل وأراضٍ زراعية.

في يونيو 2021، كتب صلاح حافظ، رئيس جهاز شؤون البيئة الأسبق برئاسة مجلس الوزراء، عن التدهور الكبير في خليج سيدي عبد الرحمن وحدوث نحر للشواطئ بستيلا، وكذلك شاطئ الدبلوماسيين المجاور، نتيجة قيام قرية مراسي (في الغرب) بإنشاء ميناء يخوت. تقدم حافظ وجيرانه بشكوى إلى جهاز شؤون البيئة، وأخذت السلطات المسألة بجدية، حيث تم إجراء تفتيش وإصدار توصيات بإيقاف الإنشاءات، لكن كما يبدو لم يؤثر قرار البيئة في استمرار الزحف الطبقي المقدس من بقعة إلى أخرى على خط الساحل الشمالي. نلاحظ هنا أن استغاثة أصحاب قرى الساحل الشمالي القديمة لإنقاذ عطلاتهم الصيفية تصلنا سريعًا، وتأثيرات مشاريع يخوت «مراسي» على جيرانهم تلقى استجابة أيضًا سريعة من الحكومة، حتى لا تصبح مثل الترع والمستنقعات بدلًا من اللون اللازوردى. في الوقت نفسه، يحدث التغير والتدمير لمناطق أخرى في صمت، ولا يتم الاستماع إلى صرخات ملايين من سكان الأقاليم. 

وإذا انتقلنا إلى الوضع في سواحل البحر الأحمر، فبالرغم من السمات الطبيعية النادرة للنظم البيئية في شمال البحر الأحمر، وتأكيد دراسات رصينة لمقاومتها الإستثنائية للتغيرات المناخية، مما يجعلها ميراث أغلى مما قد نتصور للأجيال القادمة، إلا أنها هي الأخرى تواجه العديد من التحديات. مثلًا، قبل عام 2011 تعرضت شواطئ الغردقة لتدمير ممنهج لمساحات شاسعة من الشعاب المرجانية، وردم واسع لشواطئ المنتجعات. الآثار البيئية لهذه الممارسات مستمرة حتى الآن، رغم دخول قرارات منع الردم للشواطئ حيز التنفيذ بعد بلاغات عام 2011 ونشاط المجتمع المدني بالبحر الأحمر لحماية البيئة، الأكثر فعالية نسبيًا في الفترة التالية. وقد قُدرت المساحات المدمرة بأكثر من سبعة كيلومتر مربع في الغردقة وحدها. ورغم أن مصر هي الأولى عالميًا في مدخولات سياحة الشعاب المرجانية، إلا أن البحوث العلمية، وأيضًا استراتيجيات الحماية طويلة المدى للشعاب المرجانية وبيئات البحر الأحمر، لا تلقى الاهتمام الواجب، بسبب مصالح أصحاب المنتجعات السياحية والسياحة الكثيفة ذات الأثر البيئي الضخم للشعاب المرجانية والمانجروف، والتي لا تقتصر فوائدها على العائد من السياحة فقط، ولكنها تشكل حماية طبيعية للساحل وتقدم خدمات عديدة لاستدامة النظم البيئية.

في الجلسات المغلقة، يتم التصريح دون مواربة بأن العائد الضخم من التنمية الساحلية، حتى لو كان مسار هذه التنمية غير مستدام، يجعل تناول مسائل البيئة والاستدامة غير جذاب. وزارة البيئة في مصر وزارة هامشية لا تلقى الدعم المطلوب من أجهزة الدولة وتسعى لتعويض ميزانيتها المتواضعة عبر المنح الدولية. ورغم محاولاتها الحثيثة لتعديل المشروعات المطروحة لتخفيف الآثار البيئية السلبية وتغريم المخالفين -حسب لوائح دقيقة تقوم بتقييم الأضرار الحادثة بشكل علمي بناءً على دراسات تفصيلية للخدمات البيئية، والتقديرات دائمًا تكون متناسبة مع أقل تقييم موضوعي للتدمير الحادث وليست جزافية- إلا أن هذه المحاولات لا تحقق دائمًا نتائجها المرجوة، وعادة ما تتعرض للضغط تحت تأثير توازن علاقات القوى. على سبيل المثال، بعد أن أقر جهاز شؤون البيئة في 2021 فرض غرامة بقيمة 33.9 مليون دولار على شركة أوراسكوم للتنمية بشأن المخالفة والأضرار البيئية التي تسببت فيها توسعات منتجع الجونة السياحي الجديد بالبحر الأحمر، اضطر الجميع إلى الخضوع للضغوط وتخفيض الغرامة، وذلك لأن حماية الاستثمار أولوية. قد لا نجد نفس التساهل مؤخرًا في مناطق أخرى، يرتكب الآلاف من السكان المحليين مخالفات للنظام البيئي في البحيرات الشمالية، على سبيل المثال. 

في السواحل المصرية، نحتاج لإنشاء أنظمة تنبؤ فعالة، واستعادة صحة الأنظمة البيئية، بدلًا من الحلول القاصرة، والمتمثلة فقط في الحواجز والحمايات للشواطئ والتغذية بالرمال. وفي البحر الأحمر، الذي يتميز نظامه البيئي الفريد بمقاومة عالية، يجب علينا الحفاظ على الملاذات المناخية، واتباع إدارة ساحلية متكاملة تتيح التكيف مع المناخ عبر دراسات موسعة محلية وليست حلول مستوردة، كأولويات قصوى فعالة. 

بحيرات الجونة القديمة والجديدة على البحر الأحمر
تطور خليج سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي

إذا نظرنا إلى الدلتا والإسكندرية، فإن مسألة غرق الدلتا هي التي تشغل الاهتمام المحدود كأثر للتغيرات المناخية. لكن النظرة التاريخية للنظام البيئي للدلتا، والذي أضحى نظامًا نصف طبيعي، حيث تأثيرات التدخلات البشرية تعيد تشكيل هذا النظام، وتجعلنا نركز أكثر على هبوط الدلتا المستمر (بقيم قد تتعدى ارتفاع منسوب سطح البحر) نتيجة السحب الجائر للمياه الجوفية وغيره. يسرع هذا السحب من تداخل مياه البحر مع المياه الجوفية ونظم إدارة المياه بعد بناء السد العالي، وانحسار الطمي الذي كان يحصن شواطئ الدلتا مع تأثيرات التغيرات المناخية. النظرة المتعمقة للعدالة البيئية تجعلنا أيضًا لا نتوقف فقط عند آثار التغيرات المناخية أو إشكالية الغرق، ولكن أن نعطي مزيدًا من الاهتمام لمسألة التلوث، سواء للمياه السطحية أو المياه الجوفية، نتيجة غياب شبكات صرف صحي تغطي كامل الدلتا، وكذلك ترهل منظومة الصرف الزراعي، قبل إعادة ضخها واستخدامها. قضية مصرف كتشنر مثال على درجة التلوث بالدلتا، فالمصرف هو أطول المصارف المصرية، حيث يبلغ طوله 69 كيلومتر، ويمتد عبر 182 قرية في ثلاث محافظات: الغربية والدقهلية وكفر الشيخ (11 مليون مواطن) ويصب في البحر المتوسط، ملوثًا إياه عبر ما يحمله من الصرف الصحي للقرى والمدن والصرف الصناعي لحوالي 28 مصنعًا. ولكن الأهم مروره وسط الملايين، ولذا يطلق عليه «مصرف الموت». رغم بداية طرح قضية المصرف في 2008، ودراسة طرق التعامل معه، ورصد الأموال لتحسين جودة المياه به، إلا أن الواقع على الأرض لا يشير إلى حدوث تحسينات كبيرة بالمصرف. تشير الدولة إلى أنها بدأت مرة أخرى في 2021 خطة تنتهي في 2025 عبر قروض دولية لحل المشكلة. 

خلال العمل الميداني في الشهور القليلة الماضية في الشخلوبة، إحدى القرى الصغيرة المطلة على جنوب بحيرة البرلس بمحافظة كفر الشيخ، والمحاصرة بمصارف أخرى للصرف الزراعي (المختلط بالصرف الصحي والصناعي) كانت شكوى الصيادين الأساسية من تلوث مياه البحيرة بمياه الترع والمصارف، وتدهور الإنتاج السمكي، وشح وعدم جودة مياه الشرب، وتدهور الصحة العامة. بعد شهور من مبادرة «بر أمان» وسنوات من الحديث عن التعامل مع تلوث المصارف، لا تزال المعاناة اليومية لآلاف الصيادين والسكان المحليين جنوب البحيرة قائمة وتتفاقم، رغم رصد بعض التمويلات لعمل مصدات أمواج شمال البحيرة (في برج البرلس) ضمن برنامج أشمل عبر تمويلات غربية.

صيادون ببحيرة البرلس، سبتمبر 2021

في كتاب «البرارى»، يرصد الجغرافي عمر الفاروق تطور شمال دلتا النيل، وكيف نهض بها مزارعو الدلتا وبنو قراهم وتوسعوا في الزراعة. يقدم الكتاب قراءة طويلة المدى لدلتا النيل لفهم مقدار التداخل البشري خلال القرنين الماضيين. ففي كفر الشيخ، ومكان مزارع الأسماك الحالية، كانت بحيرة البرلس ممتدة، ويعيش المصريون على مناسيب لا تقل عن ثلاثة أمتار فوق سطح البحر، بعيدًا عن المستنقعات. لأهداف طبعًا كانت وما زالت مشروعة، تحركوا و استصلحوا أراضٍ شاسعة في شمال وغرب الدلتا (بجانب ثورة الإنتاج السمكى عبر مزارعهم السمكية في شمال الدلتا) وذلك لتوفير مأكل ليس فقط لسكان الدلتا، بل لعموم مصر. من الممكن قبل الحديث عن غرق الإسكندرية والبحيرة استكشاف أبو المطامير يوم أن كانت تطل على بحيرة مريوط، قبل تحويل مساحات ضخمة من البحيرة للزراعة، وتظهر الآن، كمفاجأة غير متوقعة بالمرة، غارقة في إحدى سيناريوهات التغير المناخي، وأيضًا استكشاف تغير استخدامات أراضي كفر الشيخ جنوب بحيرة البرلس بمساحتها الشاسعة، وبركة الدقهلية، وبحيرة إدكو.

التوسعات الزراعية في غرب الدلتا ورشيد
التوسعات الزراعية في غرب الدلتا ورشيد
تطور الإنتاج السمكي، والذي تمثل فيه المزارع السمكية ما يقارب 80%.

حسب دراسة اقتصادية لتأثيرات التغير المناخي على القطاعات المختلفة في مصر، جاءت الزراعة في المقدمة، بخسائر نسبية متوقعة تقدر بحوالي عشرة أضعاف الخسائر المباشرة المتوقعة لقطاع العقارات الساحلية (قبل تنفيذ الحمايات). هنا يجب الانتباه إلى أن الخسائر في قطاع الزراعة (الأكثر حساسية للتغيرات المناخية) والتي بالفعل بدأت تظهر آثارها، غير المرتبطة فقط بالمناطق الزراعية الشمالية، ولكن أيضًا من خلال إنتاجية بعض المحاصيل في عموم مصر، وفي ظل غياب نظام تأمين أو استراتيجية تكيف واضحة وشاملة في المجال الزراعي، لا يستطيع أحد تخيل آثار ذلك على ملايين الفلاحين في مصر. تأتي أيضًا السياحة، وبالأخص في البحر الأحمر، كثاني قطاع يتأثر بالتغيرات المناخية. بشكل واضح قد تؤثر التغيرات المناخية على سبل عيش ملايين العاملين في الزراعة والصيد في شمال الدلتا واستدامة القطاع السياحي بالبحر الأحمر. هنا، على المهتمين بالمسألة البيئية والتغيرات المناخية في مصر اعتبار مصالح سكان شمال الدلتا من الفلاحين والصيادين والملايين من العاملين بقطاع السياحة بالبحر الأحمر أولوية قصوى. 

مركب محطمة بقرية برج البرلس، شمال بحيرة البرلس، سبتمبر 2021

اليوم، عند الحديث عن المسألة البيئية لشمال الدلتا من منظور شمولي، لا يجب تجاهل المشكلة الأساسية، وهي مشكلة التلوث وتوفر المياه النظيفة وتدهور البيئات المحلية وتدهور الأراضي والإنتاج الزراعي، وسيناريوهاتها تحت التغير المناخي. ندرك تمامًا أن التركيز أكثر على الغرق نتيجة التغيرات المناخية مرتبط بمسارات البحث الأكاديمي، وهيمنة قضايا التغيرات المناخية عند الحديث عن شمال مصر، وسهولة حصول التمويل لذلك، وهو نسبيًا نفس السبب الذي يجعل الحكومة مؤخرًا تركز على مسألة الغرق عبر تمويلات من صناديق التغيرات المناخية، وغيرها من مؤسسات التنمية الغربية التي فرضت أجندتها على الجميع. 

دون دراسات ميدانية «مكثفة بشكل ضخم» وبيانات دقيقة ومتاحة للباحثين والمخططين، لا أمل في إنقاذ مصالح ملايين المصريين من التغير المناخي والتدهور المتراكم للبيئة. يجب أن يُحدد، بشكل محلي ومحدَّث لكل مدينة وقرية، درجة التلوث بها وسيناريوهاته وقدراتهم من الناحية البيئية، وحتى الاقتصادية والاجتماعية، على التكيف مع التغيرات المناخية، بدلًا من الدراسات التي تثير الزعر كاستحالة العيش في منطقة شمال إفريقيا ككل في 2100 أو تقدم حلول زائفة أو ترسم خريطة أولويات منفصلة عن الواقع المحلي والمعاش. فالسيناريوهات ذات الرؤية الهندسية الضيقة، والتي تنظر فقط لمسائل الغرق والتغيرات المناخية لن تؤدي إلى حلول شاملة للمشاكل، بل تنتج فهمًا قاصرًا.

تطور منطقة بحيرة البرلس، والاستخدام المكثف للأراضي في جنوب وشمال البحيرة لأغراض الإنتاج الزراعي والسمكي
تطور منطقة الشخلوبة

مجابهة تحديات التغيرات المناخية والمشاكل البيئية المتفاقمة في بلادنا تحتاج لشيء يتجاوز الحلول المستوردة والمنفذة على عجل عبر المؤسسات الدولية الممولة والتي تدعي دائمًا كفاءتها في كل الدول. عادةً ما تكون هذه الحلول منفصلة عن أولويات الواقع المحلي أو تتسرب مكاسبها -حال نجاحها- عبر صراعات القوى المحلية على الموارد. نحتاج جميعًا إلى قراءة طويلة المدى لفهم ماذا حدث في الدلتا والإسكندرية، بعيدًا عن الروايات الموحدة حول الربط الخطي بين الغرق والتغيرات المناخية، دون الإشارة للتدخلات البشرية طويلة المدى، وعدم القفز سريعًا لتوقعات المستقبل دون فهم عميق وشامل لتاريخ ديناميكيات السواحل والدلتا والبحيرات الشمالية والإسكندرية والبحر الأحمر. 

يتطلب كل ذلك الإسراع لفتح نقاشات حول العدالة البيئية، وكيفية توزيع منح وقروض التخفيف والتكيف مع التغيرات المناخية بين المناطق المهددة. كما يجب العمل بجدية على تطوير خطط تساهم في أولوية استعادة كفاءة كل أنظمتنا البيئية المحلية، كوسيلة تخفيف أكثر فعاليه للتغيرات المناخية من استيراد تكنولوجيات خضراء، كما أشار تقرير المجموعة الثالثة الصادر في أبريل 2022 عن نسب  تدمير الأنظمه الطبيعيه كجزء معتبر من مساهمات افريقيا المحدوده فى التغير المناخى. وقد قدم تقرير المجموعة الثانية تقييمات جدية لجدوى ودرجة تأثير مسارات التكيف مع التغيرات المناخية، فعلى المستوى الاجتماعي حدد المشاركة -وليس فقط التوعية- بجانب دعم اللامركزية والاتفاقيات العابرة للحدود كحلول فعالة. يجب علينا مناقشة أولويات توزيع التمويلات مع كل أصحاب المصالح، وليس فقط النافذين منهم ومضاربي العقارات الساحلية، ودراسة مدى اختلاف قدرات المناطق المصرية، وعدم تركها لقاعدة البقاء للأغنى والأقوى. هكذا قد تنجو الشخلوبة وأخواتها.

عن الكتّاب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).