فردوس الميدان المفقودة
قرأت رأي خالد شعلان عن فيلم الميدان وحالة "يوفوريا" الميدان، وكنت قد عدت توا من تجمع خاص لمشاهدة نسخة مسربة من الفيلم. يعرف خالد أنني لا أدخر حججا في النقاش. ولكنني لحظة قرأت تعليقه كنت أكثر إنهاكا من أي وقت مضى وبلا أي طاقة لأي نقاش.
جمعتني بخالد صداقة عمر امتدت لسنوات أطول من أن أحصيها، وعمقتها لحظات انتصار تشاركنا فرحتها وقت الثورة، وأيضا لحظات انكسار كادت تعصف بكيان كل منا. ثم صرنا نختلف كثيرا في شئون الثورة-مرحلة ما بعد التفويض.
ربما لا يكون "الميدان" من أفضل الأفلام الوثائقية التي شاهدتها. ولكن تلك الكبسولة المكثفة من أحداث ومشاعر عشناها على مدار الثورة لخصت ما جرى لانتصاراتنا ولأحلامنا ولأوهامنا على مدار سنوات ثلاثة، جعلت مشاهدة الفيلم تجربة منهكة جدا.
تحدث خالد عن "يوفوريا" الميدان وفرضياتها الوهمية.
تبدو ذاكرة "يوفوريا" ميدان الثمانية عشر يوما الأوائل للثورة بعيدة جدا عني. أحمل ذكرياتها وأتشبث بها وأستدعيها أحيانا، ولكنها لم تعد أول ما يقفز إلى ذهني إذا ما ذُكر "الميدان".
بدايات انكسار اليوفوريا كانت في صيف ٢٠١١.
أذكر جيدا لقاء جمعني مع عدد من "شباب الثورة" بحازم الببلاوي حين كان نائبا لرئيس وزراء "الميدان" عصام شرف –بناء على طلب الببلاوي- في صيف ٢٠١١ قبيل اندلاع مظاهرات "الثورة أولا" التي دشنت اعتصام يوليو. حدثته يومها عن شعور سائد في قطاعات شعبية عريضة بأن الثورة تسرق على مرأى ومسمع من الجميع. طلبت منه -بسذاجة الشباب الطاهر الذي ظن أنه أسقط نظام مبارك- أن تقوم حكومة الثورة بدورها المفترض وتضغط على المجلس العسكري الذي يتولى إدارة شئون البلاد، لتحقيق حد أدنى من مطالب الثورة وعلى رأسها البدء في إجراءات الانتقال الديمقراطي وإنهاء "المرحلة الانتقالية" التي كان يفترض أن تستغرق ٦ شهور.
"اضغطوا انتو" كان هذا رد حازم الببلاوي نائب رئيس وزراء وزارة الميدان.
وقد كان.
ضغطنا "احنا" –دون أن نُعرّف من نحن تحديدا، ودون أن نعرف من سيتبعنا في محاولاتنا الدون كيشوتية لإنقاذ أهداف الثورة، ومن سيلعننا. وتحت ضغط الشارع الغاضب الذي عبر عنه اعتصام يوليو رأينا مبارك ماثلا في القفص.
"مسرحية..مسرحية..والعصابة هي هي"
فيما بعد اعتصام يوليو انكسرت اليوفوريا وتوالت الكوابيس. كانت مماطلة المجلس العسكري في تسليم السلطة، وتعنته إزاء مطالب القوى المدنية واختياره التفاوض/التحالف/إبرام الصفقة مع حليف يعرف لغته جيدا وقادر على الاتفاق معه، يتكشّف في كل لحظه منذ جمعة الشرعية والشريعة في نهاية اعتصام يوليو. كان المجلس العسكري منذ استفتاء ١٩ مارس قد قرر الاعتماد على الإخوان المسلمين كحليف قادر على "لمّ" الشارع بشكل أو بآخر.
و في جمعة الشرعية والشريعة هتفت الحشود "يا مشير يا مشير..يا مشير انت الأمير". وقتها كان عشرات فحسب من النشطاء "المراهقين" يهتفون "يسقط يسقط حكم العسكر".
منذ مذبحة ماسبيرو بدأ الهتاف بسقوط حكم العسكر يتحول تدريجيا إلى فرض عين. فيما بعد محمد محمود أغلقت اليوفوريا أبوابها وحفرت الحرب آثارها في الوجدان.
كان نشيج صديقي سيف يتعالى حين بدأت مشاهد من مذبحة ماسبيرو تظهر في فيلم الميدان. وتسارعت دقات قلبي وقفزت الدموع إلى عيني حين توالت مشاهد من حرب الشوارع التي عشناها في محمد محمود.
حرب الشوارع تلك خاضها آلاف الشباب الذين يعرفون جيدا أنهم لا يصلحون لحكم مصر وليست لديهم رؤى ولا أحلام للوصول إلى سدته. فقط كانت لديهم رؤى وأحلام في أن يصل إلى حكم مصر من يحقق قدر أكبر من العدالة، ويحرص أكثر على صون دماء المصريين التي طال جريانها في الشوارع، وأن يمشي الناس آمنين في الوطن، وأن يدخلوا أقسام الشرطة فيخرجوا منها أحياء معافين.
لولا انتصار هؤلاء في حرب الشوارع تلك، هل كان المشير طنطاوي سيتخلى عن رغبته في ارتداء بدلته كحلية اللون والتجول في شوارع وسط القاهرة، ويخرج إلينا بتاريخ محدد لتسليم السلطة؟
"مسرحية مسرحية..والعصابة هي هي"
انتهت حرب محمد محمود، وبدأت معركة الانتخابات البرلمانية. لم يتعفف نفس الشباب الثوري الذي تشبث سابقا بالميدان وقاتل في محمد محمود عن خوض معارك الصناديق. بشكل شخصي لم تكن لدي طاقة للتصويت في انتخابات تتم برعاية من قتلونا قبلها بأيام. ولكن استطاعت قائمة "الثورة مستمرة" أن تعمل بأقل الإمكانيات وتحصد مقاعدها في البرلمان.
ورفع هؤلاء شعار الثورة مستمرة في البرلمان كما في الميدان.
الميدان!
رصاص وقتلى وجثث ملقاة في القمامة وشهادات حول حوادث الاغتصاب الجماعي صارت هي أول ما يقفز إلى ذاكرتي حين تُذكر كلمة "الميدان"، وليس يوفوريا فردوس الميدان المفقودة التي سحرتنا طوال ١٨ يوم- التي تبدو الآن أقرب للحلم منها لحقيقة عشناها. لا تنس أن تضف إلى ذلك مشاهد كابوس الاقتتال الأهلي وغرف التعذيب على أبواب قصر الاتحادية تحت سمع وبصر الشرطة والحرس الجمهوري.
وبقينا نقصد الميدان/ساحة المعركة -بعد أن تضاعفت المخاطر والاحتياطات الحربية- لنصرخ بمطالب الثورة في وجه كل من حكم فخان ففشل فسقط.
هل كان حكم الإخوان المسلمين سيسقط دون صوت يعلو بذلك في الميادين؟
أسقطت جماهير الميدان حكم المرشد قبل أن يُختطف انتصار الجماهير ويُنصب قائد الجيش نفسه قائدا للثورة التي تحولت إلى تفويض بحرب على الإرهاب، وقبل أن يملأ وزير داخلية -الذي عينه المخلوع محمد مرسي- الدنيا ضجيجا بالحديث عن "مصالحة تاريخية" بين الشعب والشرطة، وقبل أن تنسى أو تتناسى قيادات القوى المدنية لماذا قامت الثورة أصلا في موجتها الأولى ثم الثانية.
ثم يقرر أعداء الثورة ابتداع يوفوريا جديدة لنفس الميدان لـ "ثورة" أخرى لا ترفع فيها شعارات العيش والحرية، وإنما يُصفق فيها لسفك الدماء ويرفع فيها أفراد شرطة لم تحاسب على جرائمها على الأعناق، وترفع فيها صور المُفوض بأمر الحرب على الإرهاب ويُهتف باسمه.
ثم لا ننصب المحاكم لجرائم المجلس العسكري والإخوان المسلمين في حق هذا الوطن الذي لم يكن حتميا أبدا ما وصل إليه اليوم، ولا نفند تخاذل وتآمر وغباء قيادات القوى السياسية المدنية التي سلمت الثورة إلى قوى الثورة المضادة، بل تنصب المحاكم وتكال الانتقادات لسذاجة من تشبثوا بالميدان.
عزيزي خالد،
أنا قد غادرت الميدان بالفعل. ولكنني لا أعرف أين أخطأت أنا، ولا أين أخطأ خالد أو أحمد أو مجدي أبطال فيلم "الميدان".
غادرت الميدان ومنذ أن غادرته لا أعرف لي مكانا ولا أجد لي دورا.
غادرت الميدان ولا أعرف كيف أطرد لا كوابيسه ولا أحلامه من نفسي.
آراء أخرى
«لا نريد أن تعرفونا أو تعترفوا بنا»: رسائل غاضبة وحالمة من Gen Z
«جيل لم يعِش الحلم السابق، لكنه يسأل عن المستقبل بعينٍ جديدة»
احتجاجات جيل زد.. انتفاضة الشباب وتحديات الواقع
«تحركات جيل زد أشعلت انتفاضات شعبية في 9 دول خلال العام الجاري»
نقد النقد الذاتي
«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد