فجوات وجسور في الطريق إلى الحوار
لدينا الآن من البيانات الصادرة عن معظم الأطراف المعنية بالحوار الوطني الشامل الذي دعا إليه رئيس الجمهورية أواخر أبريل الماضي ما يكفي لرسم خريطة أولية للمواقف والمطالب والتوقعات. فقد أصدرت الهيئة المكلفة بإدارة الحوار وثيقتها الإجرائية، والتي تضمنت المحاور المقترحة لجدول الأعمال، بصياغة شديدة العمومية والتجريد، فحددتها بالمحاور التالية: السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مضافًا إليها محور مفتوح تحت عنوان قضايا متنوعة. في حين كانت معظم الأحزاب السياسية المعارضة أكثر تحديدًا وتفصيلًا في مقترحاتها لمحاور وموضوعات الحوار، وهي أحزاب يشارك بعضها في عضوية الحركة المدنية الديمقراطية المعارضة، إلى جانب بعض الشخصيات العامة المستقلة، ويبقى بعضها خارج هذه الحركة، ولكنها لا تصنف من أحزاب الموالاة المطلقة.
بالطبع يعرف المهتمون أن خلافات قد نشبت منذ اللحظة الأولى بين مكونات تلك الحركة المعارضة حول ما إذا كان يجب وضع شروط، أو المطالبة بضمانات يتوقف على استجابة النظام لها الاستجابة لدعوة الحوار أو رفضها. ويبدو أن من يقود هذا الاتجاه هو النائب السابق، أحمد طنطاوي، رئيس حزب الكرامة الناصري، الذي تسرب أنه اقترح في اجتماع الحركة منذ أيام تحديد مهلة أسبوعين تعلن الحكومة خلالها قبول أو رفض شروط المعارضة، ومن ثم تقرر المعارضة المشاركة من عدمها. ولكن المؤشرات توحي بأن هذا المطلب لا يحظى بالإجماع، بما أن بعض أحزاب الحركة، وبعض الأحزاب المعارضة من خارجها قدمت بالفعل رؤاها الى إدارة الحوار، أو طرحت رؤيتها على الرأي العام. وفي مقدمة هؤلاء الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وقد يتلوه حزبا المحافظين والشعب الجمهوري، أما من خارج أحزاب وشخصيات الحركة المدنية الديمقراطية، فمن المؤكد أن أحزاب الوفد والأحرار الدستوريين والنور السلفي تحمسوا للمشاركة، بالإضافة طبعًا إلى أحزاب الموالاة وكثير من الهيئات والمنظمات النقابية والأهلية.
إذن فإن الاتجاه الغالب هو تجاوز مسألة الشروط المسبقة والرهان على توفير قدر معقول ضمانات الثقة وحسن النوايا. وهذا هو السياق الذي ترد فيه مطالبات وقرارات إنهاء الحبس الاحتياطي، وقرارات العفو عن المسجونين في قضايا سياسية، والمطالبة بتخفيف القيود المفروضة على حرية وحركة الأحزاب، وإتاحة الفرصة للمعارضة للظهور في وسائل الإعلام.. إلخ.
سبقت الإشارة إلى أن أوراق العمل الأولية، أو مشروعاتها المطروحة من جانب أحزاب المعارضة تقدم رؤي أكثر تحديدًا، ومع ذلك فهي كلها -وفقًا لما اطلع عليه كاتب هذه السطور- تندرج تحت عناوين عريضة، تتسم بشمول المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمواطنة. كما هي حالة رؤية الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أو أنها تركز على الإصلاح السياسي باعتباره المدخل لكل جوانب الإصلاح في ما بعد. وكل ذلك طبيعي بحكم أن الجميع لا يزالون في أول الطريق نحو الحوار الذي لم يبدأ بعد.
لكن الواضح للوهلة الأولى، وبغض النظر عن الانقسام حول مبدأ الشروط المسبقة، أنه لا خلاف يذكر حول مقومات الإصلاح السياسي المطلوب. يستوي في ذلك أحزاب المعارضة، أو من وصفتهم إدارة الحوار في وثيقتها الإجرائية بأحزاب وقوى الوسط، ولندع أحزاب الموالاة، التي تسميها الوثيقة بالمؤيدين جانبًا بطبيعة الحال.
من فرط بديهية تلك المقومات الضرورية للإصلاح السياسي نشعر بعدم الحاجة إلى تفصيلها هنا، ولكن وبسبب استثنائية أحوالنا -بل أحوال منطقتنا العربية بأكملها- يجب التذكير بها، من باب أن الذكرى قد تنفع من يفكرون في الإصلاح. وهي كما وردت في رؤى معظم أحزاب المعارضة والوسط: تعديل القوانين المقيدة للحريات كافة، وإلغاء الحبس في قضايا الرأي، وإطلاق حرية النشر والتعبير في حدود القانون، وحرية تشكيل النقابات والأحزاب، وحرية حركتها في الدوائر المجتمعية كافة، وضمان حرية الاحتجاج السلمي، وتوفير ضمانات وإمكانات التداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات التنافسية الحرة، وإطلاق حرية تأسيس الجمعيات الأهلية.. إلخ.
وبسبب الطموح الزائد -رغم بداهة المطالب كما سبق القول- لواضعي تلك الأوراق ولتوقعاتها من الحوار، فإن النظرة الواقعية عادت وفرضت نفسها مثلًا على رؤية الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بالقول: «نحن نعلم أن إصلاح الوضع الحالي، وصولًا إلى الوضع المستهدف لن يتحقق بين عشية وضحاها، ولذلك ينبغي أن تتفق القوى المشاركة في الحوار على تحديد الفترة الزمنية التي سيستغرقها تنفيذ الإصلاح المنشود، وعلى جدول زمني من خلال خطوات محددة في مدى زمني محدد لكل خطوة، وكذلك الاتفاق على آليات وجهات محددة بدقة للتنفيذ، وعلى كيفية محاسبة هذه الجهات».
من زاويتي الشخصية للرؤية والمتابعة، يصعب افتراض أن النظام مستعد لقطع هذا الشوط إلى نهايته، ولو وفق جدول زمني، وهذه أكبر الفجوات في الطريق إلى الحوار. إذ أن سير هذا الشوط كله يعني -بكل بساطة- تغييرًا جذريًا في طبيعة هذا النظام، أو هو حسب تعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل في مقتبل عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي: «ثورة من السيسي على نظامه»، أو بتعبير هو الأدق من وجهة نظري: «تحول متسارع من السلطوية إلى النظام المفتوح، دون المرور بمرحلة الديمقراطية الموجهة أو التجريبية»، (على ألا يفهم هذا التعليق من جانبي أني أحبذ الديمقراطية الموجهة مثلًا ، وأرفض النظام المفتوح، كتفضيل شخصي اختياري)، ولكن كل ما في الأمر أن المعطيات الصلدة في الواقع السياسي المصري الحالي لا تنبئ من قريب أو بعيد بقدرة النظام والمعارضة على إنجاز هذا التحول. ولو كمستهدف في مدى زمني معقول. وهذا وضع موروث منذ بدايات نظام يوليو 1952، وزادته تعقيدًا مجريات الصراع السياسي بعد ثورة يناير 2011. فكما سبق لنا القول في أكثر من مناسبة وفي أكثر من محفل فإن القوى المدنية على اختلاف مشاربها مستبعدة (عن عمد تحول إلى عرف دائم) وبصفة مطلقة ليس فقط عن المشاركة، ولكن أيضًا عن الاطلاع على جميع الملفات الإدارية والاقتصادية والدبلوماسية والأمنية والاستراتيجية الحيوية للدولة المصرية منذ بدايات نظام يوليو، وبالتالي تنقصها الخبرات، والأهم أنه تنقصها المعلومات بصورة تامة. كما أن جهاز الدولة بمكوناته كافة اعتاد العمل وحده أو في ما بين مكوناته دون مشاركة أو اطلاع لا من قوى سياسية، ولا من رأي عام.
ومن خصوصيات الحالة المصرية في هذا السياق مقارنة مثلًا بالسودان أو تركيا أو باكستان، وكثير من دول أمريكا اللاتينية، أن هذه الدول وغيرها عرفت في تاريخها القريب تداولًا للسلطة بين المدنيين والعسكريين على فترات تطول أو تقصر حسب موازين القوى في لحظة بعينها. وكان من تداعيات مثل هذا التداول تراكم خبرات واطلاع لدى القوى المدنية حول كل شؤون البلاد، وحول تقاليد الحكم والإدارة، بحيث يمكن أن نعتبر أن المدنيين في تلك الدول الثلاث (القريبة منا) ومثيلاتها جاهزون دائمًا للحكم، أو للمشاركة فيه، بالمعني السياسي وليس بالمعنى البيروقراطي أو التكنوقراطي، وبحيث يمكن إن تقبل الدولة العميقة تحت وطأة الأزمات الكبرى هذه المشاركة المدنية. إذ أن الطرفين المدني والعسكري في مثل تلك النماذج ليسوا غرباء بالمطلق عن بعضهم البعض، ليس بالمعنى الإنساني طبعًا، ولكن كشركاء سياسيين يعملون معًا اضطرارًا أو اختيارًا، حتى إن كانوا متنافسين أو حتى متوجسين من بعضهم. وليس هذا ما جرى في مصر.
من المفهوم بداهةً أن هذا الفارق بين الحالة المصرية، والحالات الثلاث المذكورة يعود إلى أن المجال السياسي هناك لم يغلق ويفرغ بالكامل، فقد ظلت الأحزاب قائمة ولو بالحد الأدنى من النشاط والعضويات في أحلك ظروف القمع، وكذلك النقابات ومؤسسات المجتمع المدني. في حين أننا هنا في مصر نبدأ من الصفر تقريبًا، ومع أن تجربة التعددية الحزبية على أنقاض التنظيم السياسي الواحد بدأت عندنا عام 1976، فإنها طول الوقت لم تغادر خانة الصفر بضعة سنتيمترات، إلا لتعود إليها، كما جرى بعد ثورة يناير 2011 وانتكاساتها.
بمثل هذه الفجوات وغيرها في ملفات الأمن القومي، والتحديات الإقليمية من نهر النيل إلى المحور الإسرائيلي الخليجي، وفي الملف الاقتصادي بمديونيته واختلالاته الهيكلية و مطالب الاستحواذ الخارجي على أصول بعينها، وفي الملف الاجتماعي /الاقتصادي شاملًا مستويات المعيشة ومعدلات الفقر والجريمة والبطالة، فإن التحدي الذي سيواجه المتحاورين هو اختيار أي الفجوات أولى بإقامة الجسور أولًا. وإذا كان علي أن أقدم اقتراحًا فليكن هو بعض الإصلاح السياسي خاصة في قضايا الحريات ومراجعة القوانين والمواطنة، وكل الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. وهذا شرحه يطول، ولنا عودة إليه.
آراء أخرى
حيرة ناخبة
«الأنظمة السلطوية لا تريد من المواطنين أصلًا أن يشاركوا في الانتخابات»
الخلفية السياسية لدعوة الحوار الرئاسية
«توقع انفتاحًا سياسيًا شاملًا سيكون أمرًا مبالغًا فيه، أو غير واقعي»
أوراق غابت طويلًا من ملف اليسار (1-2)
«أحد مقالين يتأمّلان وثائق نشأة تنظيم سري، تأسس قبل 50 عامًا، ونضال الحركة الشيوعية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد