أوراق غابت طويلًا من ملف اليسار (1-2)
في أول مقالاته مع «مدى مصر»، اختار الروائي محمود الورداني، أحد أبرز أدباء جيل السبعينيات، الكتابة عن تنظيم سري مرّ على تأسيسه أكثر من 50 عامًا، وهو «حزب العمال الشيوعي المصري»، وذلك عبر قراءة كتابين هامين يكشفان الوثائق التأسيسية لهذا التنظيم، الذي حلّته قياداته فجأة إثر خلافات داخلية ظلت تفاصيلها خفية لسنوات، بينما عدد من أفراده، كوادره الصغيرة، كانوا في السجون بتهمة الانتماء له، أو هاربين من الملاحقة الأمنية مثل الورداني. لذا، فإن المقالين، اللذين ننشرهما اليوم وغدًا، يتأمّلان تلك الوثائق التي تأخرت طويلًا عن نشأة التنظيم السري، والكثير عن نضال الحركة الشيوعية، كما يبحث الكاتب عن سر اختفاء تنظيمه السابق.
أصدرت دار «المرايا» للنشر، أخيرًا، كتابين على التوالي بمناسبة مرور خمسين عامًا على تأسيس «حزب العمال الشيوعي المصري»، هما «الوثائق التأسيسية.. أعمال الكاتب إبراهيم فتحي» مع مقدمة لسعيد العليمي، و«الوثائق التأسيسية.. القضية الوطنية» تقديم الباحث الإيطالي جيناريو جيرفازيو وتحقيق سعيد العليمي أيضًا، والأخير أحد قادة «العمال الشيوعي»، ويُحسب له بشدة مبادرته في الجزئين بجمعهما من أماكن شتى، وطباعتهما فضلًا عن جهد تقديمهما وتحقيقهما، وبهذا تم إنقاذ أهم الوثائق التي تؤرخ لبدايات هذا التنظيم السري على مدى سنوات التأسيس وبدايات النشاط في الواقع.
وإذ تفرض هذه المناسبة فرصة للحديث عن «الحزب» وظروف تشكّله وموضعه من الصراع السياسي في مصر، إلا أنّي أود طرح مسألة هامة للنقاش أعتقد أنها تتمتع بأهمية استثنائية، وهي أنه على الرغم من الدور الضخم والجذري والصدامي مع النظام الحاكم لحزب العمال الشيوعي على مدى سنوات، والإضافة الباهرة التي أضافها كُتّابه ومنظّروه للفكر السياسي، إلا أن ما يُثير الدهشة هو نهاية الحزب الغامضة. فإذا كانت أحزاب الحلقة الثانية أنهت وجودها المستقل - كما سأستعرض- ببيانات رسمية من اللجان المركزية، فإن «العمال» تحلل وذاب. وبوصفي من المنتمين له، كنت أسمع أخبارًا غامضة وغير مؤكدة عن توقفه عن نشاطه -ربما في منتصف ثمانينيات القرن الماضي- وفُتح باب الصراع بين الأغلبية والأقلية (لم نعرف موقف أي منهما في الحقيقة) ثم سمعنا أن الأقلية تحوّلت إلى أغلبية، ثم توارى الحزب رويدًا وتحلل للأسف.
بالعودة لموضوع الكتابين، ليس غريبًا أن تغيب -أو حتى تضيع- الكثير من أوراق اليسار بسبب اضطرار المنظمات الماركسية إلى اللجوء للعمل السري. فالتعتيم والإخفاء والتخلص من كل ما يمكن أن يشكّل أدلة تدين أعضاء تلك المنظمات من الناحية القانونية، كان جزءًا أساسيًا لا غنى عنه من عملها.
الكتابة هنا تتحدث وتتناول الماضي، أكثر مما تتحدث عن الحاضر، بل المستقبل، كما سأحاول التوضيح لاحقًا، وقيمة الأوراق التي سأتناولها في السطور التالية قيمة تاريخية، باعتبارها تجارب مهمة، بل بالغة الأهمية، وخبرة كبرى شاركت في تشكيل عقل وقلب بلادنا، لكنها تنتمي إلى الماضي، خصوصًا بعد الانقلابات التي أصابت الكوكب بكامله، في أعقاب نهاية واختفاء ما أُطلق عليه المعسكر الاشتراكي، عشية وبعد سقوط سور برلين 1989.
من جانب آخر، ربما يكون ضروريًا الإشارة السريعة إلى بعض الوقائع والمعلومات الأساسية التي تتناول تاريخ اليسار الشيوعي في مصر منذ بداياته الباكرة، قبل تناول الوثائق المُشار إليها، والصادرة أخيرًا كما أسلفت. وقد استقر رأي أغلب المؤرخين والمشتغلين بالسياسة ممَن تناولوا تاريخ اليسار المصري، على أن هناك ثلاث حلقات رئيسة مرّت بها المنظمات اليسارية منذ بدايات القرن الماضي.
تأسست الحلقة الأولى في عشرينيات القرن الماضي على يد مجموعة من المثقفين والكُتّاب والناشطين المصريين والأجانب في الإسكندرية بطابعها الكوزموبوليتاني، حيث كان هناك حركة عمالية نشطة، إلى جانب تأثير ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا التي كانت قد اندلعت في 1917 ونجحت في تأسيس الاتحاد السوفيتي، والأهم بتأثير ثورة 1919، التي لم تكن تهدف إلى جلاء الاحتلال البريطاني فقط، بل كانت تهدف أيضًا -حسبما يتضح من دستور 1923- إلى تحقيق الديمقراطية وإقامة دعائم المجتمع الليبرالي والدولة المدنية التي يكون فيها الملك يملك ولا يحكم، وتُتاح الفرص المتساوية أمام التيارات السياسية المختلفة.
وهكذا تمت الموافقة في 1923 على تأسيس حزب الشيوعي المصري، وبدأ في ممارسة نشاطه. لكن الأمر لم يستغرق طويلًا. وإثر مشاركة الحزب في الإضرابات العمالية التي اندلعت في الإسكندرية، وتأييده للحقوق العمالية ودفاعه عن الطبقة العاملة، بادر سعد زغلول، زعيم ثورة 1919، بحلّ الحزب وتجريمه قانونًا وتجريم النشاط الشيوعي عمومًا. كما قامت أجهزة وزارة الداخلية باعتقال العشرات وبالذات قادة الحزب، ومات أحد القادة في السجن وهو أنطون مارون، كما شرّدت عشرات آخرين وطردتهم خارج البلاد، وسحبت الجنسية المصرية من محمود حسني العرابي، أحد زعماء الحزب الذي كان قد هرب إلى ألمانيا.
أكتفي هنا بالخطوط العريضة لما جرى للحزب الوليد، الذي لم يستمر طويلًا، فقد انتبه نظام الحكم الممثل للطبقة الرأسمالية المتحالفة مع الإقطاع لخطورته. وربما كانت مذكرات محمود حسني العرابي، سكرتير الحزب، والتي أصدرت دار «المحروسة» أخيرًا (2019) طبعة جديدة منها، واحدة من الأمثلة على المدى الذي وصلت إليه الحرب الطاحنة والتنكيل والعمل على اجتثاث جذور الحزب، وليس مجرد حلّه. على أي حال، ولحُسن الحظ، تتوافر الكثير من المراجع*، يمكن لمَن يريد الاستزادة منها، وإن كانت ينقصها الكثير من التحليل. وغني عن الذكر أن الأفكار التي حملها الحزب حول الاشتراكية والعدل الاجتماعي، ليس بالإمكان إنهائها أو اجتثاثها، ويُحسب للحزب الوليد أنه أول مَن طرح ودافع عن مثل هذه الأفكار من خلال حزب منظم.
أما الحلقة الثانية حسبما أجمع المؤرخون فهي حلقة أربعينيات القرن الماضي، والتي امتدت حتى منتصف الستينيات. وهنا لا بد من الإشارة مجددًا إلى أنه منذ النهاية الدامية للحزب في 1923 وتجريم النشاط الشيوعي، وبالطبع تجريم تأسيس المنظمات الماركسية، بدأ تاريخ جديد سري للحركة الماركسية، عندما اندمجت منظمتان صغيرتان سريتان في سبتمبر 1947، وتأسست الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المعروفة اختصارًا باسم «حدتو» بعد توحيد عدد من الحلقات الصغيرة من بينها الحركة المصرية للتحرر الوطني و«إيسكرا».
على أي حال، سبق التأسيس نشاط وحركة ثقافية لإحياء النشاط اليساري، تم تتويجه باندلاع انتفاضة 1946 التي دعت قيادتها، أي اللجنة العليا للعمال والطلبة، لإضراب عام واعتصام في ميدان الإسماعيلية (التحرير الآن)، وأعقبه حركة سياسية ونضال متواصل على مدى السنوات التالية، حتى حريق القاهرة في يناير 1952.
باختصار تشكّلت المنظمات اليسارية السرية واشتد عودها -في حلقتها الثانية- في ظل حركة سياسية ونضال يحدث في الواقع، وعلى الأخص في صفوف الطبقة العاملة والحركة الطلابية، وبين المثقفين والمشتغلين بالكتابة والأدب. ولا شك أن جانبًا من مشاكلها الكبرى كمن في تشرذمها وانقساماتها وانشقاقاتها المتوالية، ومع ذلك فقد نجحت تلك المنظمات في قيادة حركة جماهيرية واسعة. كما يمكن هنا الإشارة أيضًا إلى الدور الذي لعبه المثقفون وأبناء الأرستقراطية المصرية وأغنياء اليهود والأجانب في الحركة الماركسية في أربعينيات القرن الماضي.
وعلى الرغم من أن المجال ليس مناسبًا هنا لمناقشة ذلك الدور، إلا أنني أشير سريعًا -في ما يتعلق بالدور الذي لعبه اليهود على سبيل المثال- إلى أن الدولة العبرية لم تكن قد أُعلنت أصلًا، وجرى إعلانها كما هو معروف في 15 مايو 1948. والثابت، والمؤكد، أن عددًا من اليساريين المصريين اليهود أسسوا جمعيات ومنظمات قانونية لمناهضة الصهيونية، من بينهم مارسيل إسرائيل، أحد قادة منظمة تحرير الشعب الشيوعية في مصر، وألقت أجهزة أمن حكومة النقراشي القبض على أعضائها وزجت بهم في السجون في 1947، وحلّت الروابط والمنظمات التي كانت قد تأسست في إطار القانون.
كذلك فإن الوجود الملحوظ لليهود في المنظمات الماركسية، يجب أن يُفهم في سياق أن هؤلاء اليهود كانوا يهودًا مصريين، وُلد آباؤهم -ووُلدوا هم- في مصر قبل بدء النشاط الصهيوني، وكان وجودهم في تلك المنظمات بوصفهم مصريين. أما الوجود الملحوظ لأبناء الأرستقراطية والأجانب فيعود إلى أن أغلب المصادر الفكرية اليسارية كانت مكتوبة أصلًا باللغات الفرنسية والإنجليزية، كما أن الحركة الثقافية بدأت أصلًا في مدارس الجاليات الأجنبية، ونوادي المثقفين الذين كان أغلبهم يتحدث اللغات الأجنبية، ويستطيعون قراءة المصادر الماركسية باللغات المُتاحة.
غني عن البيان أن هذا لم يمنع، بل ساعد وترافق مع الصلات والعلاقات التي نشأت بين الحلقات والمنظمات المُشار إليها، وبين الطبقة العاملة في مصر. وقبل انقلاب 1952 كان هناك تغلغل وتواجد للمنظمات الماركسية والعمال في شبرا الخيمة، والإسكندرية، وكفر الدوار على سبيل المثال، وبعد أسبوعين من نجاح الانقلاب عقدت سلطات الجيش محاكمة عسكرية عاجلة بالقرب من مصانع كفر الدوار للعمال الذين كانوا قد نظمّوا إضرابًا من أجل تحسين أجورهم، وأصدر الضباط أحكامًا سريعة نُفذّت في الحال لإرهاب العمال كان في مقدمتها إعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري.
من جانب آخر، فإن الدور الذي لعبته الحركة اليسارية الماركسية في مصر، على الرغم من قيود العمل السري والتهديد الدائم من أجهزة الأمن (كان هناك مكتب في وزارة الداخلية اسمه مكتب مكافحة الشيوعية مثله مثل مكتب مكافحة جرائم النشل أو مكافحة المخدرات أو الدعارة أو النشاط الديني الهدام، ولا أعرف ما إذا كان هذا المكتب ما زال يمارس نشاطه حتى الآن أم لا). هذا الدور الذي لعبته الحركة الماركسية كان جزءًا أصيلًا من حقائق السياسة، على الرغم من تشرذم المنظمات الماركسية وانقساماتها المتتالية. وظلت العلاقات بينها وبين حكام يوليو تتعرّض للشدّ والجذب، ولم تكن كل المنظمات على علاقة طيبة بحكام يوليو طوال الوقت، ويُسمح لها بالعمل السياسي، ليس فقط لأنها مجرّمة طبقًا للقانون ويتعرض أعضاؤها للاعتقال بين الحين والآخر، بل أيضًا لأن حكام يوليو واجهوا متغيّرات سياسية عاصفة، وهم في نهاية الأمر لم يشتغلوا بالسياسة قبل استيلائهم على السلطة.
ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن العلاقة بين الحركة الماركسية وضباط يوليو لم تبدأ بعد 23 يوليو 1952، فخالد محي الدين الذي كان من قيادات حركة الضباط الأحرار، كانت له ارتباطات وعلاقات متينة بالماركسيين (والسبب الوحيد لعدم وجوده في ما سُمي بمجلس قيادة الثورة هو اعتبارات عسكرية صرفة في مجلس القيادة تقضي بألا يُمثل من كل سلاح من أسلحة الجيش إلا عددًا معينًا).
وفي مذكراته على سبيل المثال، يحكي محي الدين عن اصطحابه لصديقه، جمال عبد الناصر، قبل 1952 إلى منزل صديق آخر، الاقتصادي اليساري أحمد فؤاد الذي كان آنذاك من قيادات «حدتو»، وإن كان قد انسحب بعد حركة 1952 وشغل عدة مناصب سياسية واقتصادية رفيعة في نظام يوليو. وحسبما ذكر محيي الدين، فإن الرفيق بدر -الاسم الحركي للعامل سيد سليمان رفاعي- كان ممَن حضروا هذا اللقاء الذي لم يكن مرتّبًا له، وإن كان يأتي في سياق حرص محيي الدين على أن يتعرف صديقه عبد الناصر على الماركسيين، مثلما كان قد اصطحبه للتعرف على «الإخوان المسلمين»، والتقيا بالفعل بالمرشد العام حسن البنا آنذاك، لكنهما قررا على الفور بعد اللقاء الابتعاد عن الإخوان.
وحسبما ذكر محيي الدين، فإن الرفيق بدر، سكرتير الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، أكبر التنظيمات الشيوعية في ذلك الوقت، حضر هذا اللقاء، وانخرطوا جميعًا في مناقشات سياسية. ومن المعروف أيضًا أن «حدتو» كان بها قسم خاص للأعضاء الذين يعملون في صفوف الجيش من الضباط والفنيين («قسم الأحذية» وهو اسم كودي، ويتمتع بوضع خاص حفاظًا على أمن الأعضاء).
كذلك ذكرت مصادر عديدة أن «حدتو» تولت لفترة قصيرة طباعة منشورات حركة الضباط الأحرار، عندما شددت سلطات الأمن أيام الملكية الخناق على هذه الحركة. وأكدت المصادر ذاتها أن جمال عبد الناصر نفسه كان يقوم باستلام المنشورات التي كان جهاز «حدتو» الفني يطبعها، وكان يتعامل باسم حركي هو موريس. أما الدور الذي لعبه الضابط اليساري القائمقام يوسف صديق طبقًا لعشرات المصادر ليلة الانقلاب، فقد كان هو الدور الذي أدى لنجاح حركة 23 يوليو بسبب خطأ ارتُكب، عندما تم تبليغه بالموعد المحدد لتحرك الكتيبة التي تولى قيادتها، لتقوم باقتحام مقر قيادة الجيش في كوبري القبة والقبض على كبار الضباط والقادة لتأمين الحركة، ولولا ذلك الخطأ الذي جعله يتحرك مبكرًا ساعة واحدة عن موعده، لكان الانقلاب قد فشل، وتم القبض على الجميع ومحاكمتهم.
على أي حال، وباختصار شديد، أرجو ألا يكون مخلًا، كان اليسار والحركة اليسارية في مصر من حقائق الحركة السياسية والعمل السياسي، وتراوحت العلاقة بين منظمات اليسار وحكام يوليو بين التعاون وإتاحة الفرصة والسماح بدرجات من التواجد والتأثير. وفي الوقت نفسه لم يكن هناك موقف موّحد لليسار من النظام الجديد، وكانت هناك أكثر من منظمة تراوحت مواقفها بين التأييد، والتأييد المشروط، والرفض المطلق واعتبار حركة 23 يوليو مجرد انقلاب عسكري فاشي. والنظام نفسه كثيرًا ما لجأ إلى هذه المنظمة أو تلك في بعض الأزمات.
وتؤكد كثير من المصادر أن أعضاء «حدتو» نزلوا إلى الميدان تأييدًا للجيش إبان أحداث كفر الدوار في 1952. وتؤكد مصادر أخرى أن الضابط صلاح سالم، عضو مجلس قيادة الثورة، والمسؤول عن ملف السودان أثناء المفاوضات بين حكام يوليو وسلطات الاحتلال البريطاني، استقدم من السجن عددًا من الشيوعيين المصريين الذين كانوا رهن الاعتقال في 1954، وكان من بينهم الكاتب المعروف يوسف إدريس، واقترح عليهم الإفراج عنهم ليسافروا إلى السودان لإقناع الشيوعيين السودانيين بالوقوف إلى جانب موقف الضباط الأحرار عشية المفاوضات بين نظام 23 يوليو والاحتلال البريطاني بشأن الجلاء، وكان معروفًا التأثير الأدبي والمادي للشيوعيين المصريين على رفاقهم السودانيين، إلا أن المحاولة بكاملها فشلت بسبب نوبة جنون معتادة من النوبات التي كثيرًا ما انتابت صلاح سالم، وتمثلت في تقديمه استقالة مفاجئة من جميع مناصبه.
***
في نهاية هذا الجزء، أود أن أشير إلى أن نظام يوليو 1952 كان معنيًا بتصفية الحياة السياسية وبناء نظام جديد. وإذا كان قد بدأ بإلغاء الأحزاب السياسية مثل حزب الأغلبية الشعبية، الوفد، وغيره من الأحزاب والتجمعات السياسية على مدى عقود وإعلان الأحكام العرفية، فإن الحدث الأكبر الثاني كان اعتقال ومحاكمات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، الحلفاء السابقين، في أعقاب محاولتهم اغتيال جمال عبد الناصر بميدان المنشية في الإسكندرية، وانتهاءً بأكبر تجريدة وأكثرها دموية في فجر أول يناير 1959، عندما داهمت قوات الأمن منازل عدة مئات من الشيوعيين المصريين، سواء كانوا من المؤيدين أو الرافضين لنظام يوليو 1952، وأمضوا خمس سنوات متواصلة رهن الاعتقال بمعسكرات في الصحراء.
اللافت للنظر أن جمال عبد الناصر ونظامه خلال تلك السنوات قام بما يُمكن اعتباره ثورة تغيير حاسم أعادت تشكيل المجتمع بكامل طبقاته، فالتأميم وتصفية الإقطاع الذي كان قد بدأ في السنوات الأولى للانقلاب، والانحياز الكامل للفقراء، وتأسيس حركة عدم الانحياز على المستوى الدولي، والاشتراك في قيادة حركة التحرر الوطني البازغة، وعقد صفقة الأسلحة التشيكية وتوثيق العلاقات مع الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي، وإقامة المشروعات الجبارة مثل بناء السد العالي ومجمع الحديد والصلب وغيره من المصانع، وغيرها مما يُمكن اعتباره تغييرًا اجتماعيًا، ورآه البعض من الشيوعيين ثورة.
واللافت للنظر كذلك أن كل هذا، وغيره، تم بعد تصفية الحياة السياسية، وأثناء اعتقال مئات الشيوعيين وتعذيبهم المتواصل في معسكرات الصحراء على مدى خمس سنوات.
* هناك عشرات المصادر والمراجع التي فصّلت وناقشت وحللت تاريخ الحركة الثانية. وإلى جانب مجلدات رفعت السعيد -على الرغم من انحيازها الكامل للتنظيم الذي انتمى إليه وهو حدتو- هناك أيضًا الكتب التي أصدرها مركز البحوث العربية في سلسلة شهادات ورؤى والسير الذاتية للشيوعيين، ومذكرات يوسف صديق، وأحمد حمروش، وسعد زهران، وفخري لبيب، وأبو سيف يوسف.
آراء أخرى
حيرة ناخبة
«الأنظمة السلطوية لا تريد من المواطنين أصلًا أن يشاركوا في الانتخابات»
فجوات وجسور في الطريق إلى الحوار
«التحدي الذي سيواجه المتحاورين هو اختيار أي الفجوات أولى بإقامة الجسور أولًا»
الخلفية السياسية لدعوة الحوار الرئاسية
«توقع انفتاحًا سياسيًا شاملًا سيكون أمرًا مبالغًا فيه، أو غير واقعي»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد