تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

عن دولة اسمها «السعودية».. هل ثمَّة مشكلة؟

نواف القديمي
7 دقيقة قراءة
عن دولة اسمها «السعودية».. هل ثمَّة مشكلة؟

هل يُمكن في العصر الحديث أن تُسمَى دولة باسم شخص أو عائلة؟ وأن تكون نِسبة المواطن إلى بلده مُرتبطةً بنسبته إليها؟ في السطور الآتية محاولة لنقاش هذا السؤال.

في نشأة معظم دول العالم، يبدو سؤال «الاسم» غير مطروح، لأنه غالبًا ما يكون محسومًا لكونه مرتبطًا بالتاريخ والجغرافيا؛ لذا يغدو خارج دائرة النقاش عادةً. بينما هناك دول تقف في نشأتها أمام «مُعضلة الاسم»، بسبب أن الجغرافيا التي تشكلت فيها هذه الدولة تتضمن حدودًا جديدة، ليس لها اسمٌ تاريخي. ثمة أسماء تاريخية لمناطق جغرافية داخلها، وربما هناك أسماء لجغرافيا أوسع تُشكل حدود الدولة الناشئة جزءًا منها، لكن ليس هناك اسمٌ تاريخي لهذه الحدود الجغرافية الجديدة. وبسبب ذلك تنشأ مشكلة الاسم.

فمثلًا، وقعت الكويت في مُشكلة الاسم؛ فالكويت اسمٌ لمدينة ساحلية صغيرة في شمال الخليج، وعندما تشكلت جغرافيا الدولة ورُسمت حدودها في اتفاقية العقير عام 1922، أُطلق اسم المدينة على كامل جغرافيا الدولة التي كانت تضم عدة قرى ومراعٍ ومناطق حركة واستيطان لعدة قبائل. نتج من ذلك نشوء تمايزات محلية ما زالت قائمة حتى بعد مئة عام من ترسيم الحدود، وسؤالٌ عمّن هو ابن البلد «الأصيل» الذي افترض البعض أنه ابن المدينة القديمة لا الجغرافيا التي أُطلق عليها اسم الدولة. فلو كنتَ من الجهراء أو الفنطاس أو جزيرة فيلكا مثلًا أو تنتمي إلى القبائل التي تُعتبر صحاري الكويت الحالية جزءًا من مناطق وجودها التاريخي، فلستَ من أهل الكويت «الأصلاء» الذين هم حصرًا أهل شرق وجبلة والمرقاب، وهي أحياء المدينة القديمة المُحاطة بالسور.

دولة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 وقعت أيضًا في مشكلة الاسم؛ حيث اختارت اسمًا ليس له علاقة بجغرافيا وتاريخ البلدين «الجمهورية العربية المتحدة»، ويُمكن أن يُطلق مثلًا على اتحاد عُمان واليمن أو المغرب وموريتانيا.

في السعودية كانت المُشكلة أكثر تعقيدًا، واستمرت عقودًا من الزمن، بل وكانت سابقة لتأسيس الدولة الحالية، ومُمتدة إلى زمن تأسيس الدولة السعودية الأولى والثانية. فهذه التسميات «الدولة السعودية الأولى والثانية» هي تسميات حديثة لاحقة. أما في زمن وجود هاتين الدولتين فيُمكن الحديث أنهما كانتا بلا اسم رسمي، وكانت الوثائق البريطانية والعثمانية تُطلق عليهما أسماء مُختلفة: «الوهابيون، الموحدون، أتباع بن سعود، وسوى ذلك». وعندما بدأ عبد العزيز بن عبد الرحمن مسيرة استعادة المناطق التي كانت تحكمها عائلته، بدءًا من دخول الرياض عام 1902، كانت الأسماء والأوصاف التي تُطلق عليها وعليه مُتغيرة بحسب امتداد النفوذ واتساع الجغرافيا. فبالإضافة إلى الصفة ذات الطابع الديني «الإمام»، بدأ وصفه بأمير الرياض، ثم أمير نجد ورئيس عشائرها، ثم سُلطان نجد، ثم ملك الحجاز وسُلطان نجد ومُلحقاتها. كل هذه التسميات تضمنت ذِكرًا لمناطق لها أسماء تاريخية «نجد والحجاز»، ولكن مشكلتها أن كثيرًا ممن أصبحوا مواطنين في هذه الدولة لا ينتمون إلى هذه المناطق. فالدولة الجديدة تتشكل من أراضٍ لمناطق مُتعددة لها أسماء تاريخية «الحجاز، الأحساء، نجد، عسير، المخلاف السليماني»، إضافة إلى معظم أراضي صحراء الربع الخالي. كما أن شطرًا من المنطقة الشمالية في السعودية هي تاريخيًا جزءٌ مما سُمي قديمًا بـ«صحراء السماوة» ثم «بادية الشام»، والتي أطلق عليها الرحالة الغربيون بعد ذلك «الصحراء السورية»، والتي تنتهي جنوبًا -بحسب الجغرافيين- مع بدء صحراء النفود الكبير. وفي تاريخ ابن كثير، حين روى ما وقع في معركة صفين بين علي بن أبي طالب ومعه أهل العراق، ومعاوية بن أبي سفيان ومعه أهل الشام، ثم ما تلاه من التحكيم، ذكر أن الطرفين قررا أن يلتقيا السنة القادمة في منطقة بالمُنتصف بين الكوفة والشام، بحيث تبعدُ تسع ليالٍ سيرًا عن كلٍ منهما، فكانت «دومة الجندل». وهي اليوم مدينة تقع داخل الأراضي السعودية، وبعمقٍ يزيد على ثلاثمئة كيلومتر عن أقرب حدود أردنية أو عراقية.

وبناءً على ذلك، فلو كُنتَ من الأحساء أو عسير أو الجوف مثلًا، فأنت لستَ من نجد ولا الحجاز، وبالطبع لن تقبل بأن يكون وصفك أنت وأرضك باعتباركما «مُلحقًا» في هذه الدولة بحسب آخر اسم لها قبل الاسم الحالي. وفي المُقابل، تخيل لو فعلت هذه الدولة الناشئة ما فعلته الكويت، وأطلقت على نفسها اسم «دولة الرياض» أو «دولة نجد». فأي حُمولة تمييزية سينطوي عليه الاسم ضد المُنتمين إلى مناطق الدولة الأخرى؟

تجلّت المشكلة أيضًا عند خصوم النظام السياسي في السعودية، ففي خمسينيات القرن العشرين وما تلاها، ومع اتساع المد الشيوعي والقومي عربيًا، تشكلت عدة حركات سياسية مُعارضة في الجزيرة العربية، دعت إلى إسقاط النظام السياسي في السعودية، وتأسيس نظام جمهوري. لكن بعض هذه الحركات لم تنتبه إلى أنها وقعت في «معضلة الاسم» من حيث لا تشعر. فماذا يعني أن يتم في عام 1975 تأسيس حزب شيوعي يقوم على مبدأ إسقاط النظام السياسي في السعودية وتأسيس «جمهورية البروليتاريا»، ثم يقوم مؤسسوه بتسميته «الحزب الشيوعي السعودي»! ويُعلن في بيانه الأول: «إننا نحن الشيوعيين في السعودية مناضلي الطليعة على يقين تام بأن طريق خلاص الطبقة العاملة والجماهير الكادحة لا يتم إلا بتنظيمها وحشدها وتوحيدها بقيادة حزبها الطليعي، ومن هنا ظهور حزبنا الشيوعي في السعودية…». وقبل ذلك، في عام 1961 تشكل في صفوف موظفي شركة أرامكو تنظيم شيوعي تحت اسم «منظمة الشيوعيين السعوديين» التي اندمجت بعد العام 1966 في منظمات سياسية أخرى. ومن جانبٍ آخر، حين أسس البعثيون تنظيمهم في السعودية ـدعا أيضًا إلى إسقاط النظام الملكي وتأسيس الجمهوريةـ أطلقوا عليه اسم «حزب البعث العربي الاشتراكي في السعودية».

وفي المقابل، ثمة حركات سياسية حاولت تجاوز مشكلة الاسم في إشارتها إلى انتمائها الجغرافي، ولكنها وقعت فيه من ناحية أخرى. فمثلًا حين أسست مجموعات شيعيّة ـبعد الثورة الإيرانيةـ فصيلاً مُسلحًا يسعى إلى إسقاط النظام السعودي، قامت بتسميته «حزب الله الحجاز»، رغم أن جميع أفراده من المنطقة الشرقية في السعودية، وليس فيهم أحدٌ من الحجاز. وكان القصد بالحجاز هنا كل الجغرافيا التي تقع عليها الدولة السعودية، وليس فقط منطقة الحجاز. وفي اتجاهٍ آخر كانت هناك تنظيمات يسارية وقومية وصفت الجغرافيا التي تتحرك داخلها بـ«الجزيرة العربية»، رغم كونها تنشط وتعمل ضمن الأراضي السعودية فقط، وليس لها علاقة أو حضور في ست دول أخرى هي أيضًا ضمن الجزيرة العربية، وفي كل واحدٍ منها تنظيمه الخاص. كما أن تسمية هذه الدولة «الجزيرة العربية»، سواء أكانت ملكية أم جمهورية، يوحي بأن لديها قدرًا من الاستحقاق تجاه أراضي الدول الست الأخرى التي تتشارك معها هذا الإقليم، فجميع أبناء هذه الدول ينتسبون إلى الجزيرة العربية «الجغرافيا» ولكنهم لا ينتسبون إليها كدولة تحمل هذا الاسم. وفي المقابل، لجأ الإسلاميون الجهاديون إلى وصف النِطاق الجغرافي لتنظيماتهم بـ«بلاد الحرمين»، رغم أنهم يقصدون كل الأراضي السعودية، لا مكة والمدينة فقط، ولا كل منطقة الحِجاز؛ لذا يغدو مُبررًا التساؤل عن علاقة مدن مثل الخفجي ونجران وعرعر مثلًا بالحرمين الشريفين، إلا إذا كان المقصود هو حدود الدولة التي تضم حاليًا الحرمين الشريفين. وهنا عودة ضمنية إلى حدود دولة ليس لديهم لوصفها سوى الاسم الحالي.

تزخر دفاتر التاريخ بذكر دول تسمّت بأسماء أفراد أو سُلالات «الدولة الأموية، العباسية، الحمدانية، السلجوقية، الأيّوبية، الإخشيدية... أو كدويلات الأندلس: بنو الأحمر، بنو عباد، بنو هود…». وكانت آخر إمبراطورية حكمت لقرون معظم مناطق العالم الإسلامي تُسمى باسم مؤسسها «الدولة العثمانية»K وكان المُنتمون إليها يوصفون بأنهم عثمانيون، وفي قرنها الأخير حمل مواطنوها أوراقًا تُسمى «التابعيّة العُثمانية»، وفي يناير 1869 صدر قانون الجنسية العثماني، الذي شرح من تنطبق عليه شروط من يحمل هذه التابعيّة. أما في الجزيرة العربية، فقبل إعلان اكتمال توحيد أراضي الدولة السعودية، كانت بعض الدول المُحيطة تُسمى أيضًا على ذات المنوال، ففي اليمن هناك «المملكة المتوكليّة اليمنية»، وكان المخلاف السُليماني تحت حكم «الإمارة الإدريسيّة». كما أن أي بحثٍ بسيطٍ في الإنترنت سيُظهر لك أن في العالم الحديث ثمة أكثر من عشرين دولة تسمت باسم شخص أو عائلة، حتى لو كانت غير محكومة حاليًا بذات السلالة.

لماذا هذا الحديث الآن؟

رغم كونها مسألة تاريخية غير حاضرة في النقاش المحلي في السعودية، إلا أن هذا الموضوع والتساؤل حاضران في حديث بعض الأوساط العربية، وفي بعض دوائر المعارضة في الخارج. وهذه المقالة تهدف إلى أمرين: الأول، أن يتم تفهم أن الاختيار كان نِتاج «مُعضلة اسم» لحدود جغرافية حديثة ليس لها اسم تاريخي، وأن هذه التسمية ليست استثناءً، لا في التاريخ ولا في العالم الحديث. والثاني، إشارة إلى أن بوصلة الاهتمام والسعي يجب أن تتجه إلى الاتجاه الصحيح، وهو المُطالبة بالدولة العادلة، دولة المواطنين لا الرعايا، ووطن الجميع بتنوعهم الثقافي والعِرقي والطائفي، بدلًا من الانهماك في صناعة الثقافة الموحدة والتاريخ الواحد. ودولة الحقوق والحُريات والمُشاركة الشعبية في القرار السياسي، وتثمين أي تقدم يحصل في التنمية والتحديث والإصلاح الاقتصادي، لا دولة الصمت والخوف.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
نواف القديمي

الدولة القوية والمجتمع المُنقاد

«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).