عن حسين صدقي وسينما التيار الرئيسي في مصر
لطالما توقفت كثيرا عند حالة الممثل والمخرج السينمائي المصري حسين صدقي (١٩١٧-١٩٧٦)، فبعيدا عن ضعف موهبته التمثيلية الواضح وافتقاره للجاذبية الشخصية وخفة الظل ومؤهلات البطل الجماهيري في السينما المصرية، ناهيك عن رداءة المستوى الفني لأغلب أفلامه، إن لم يكن جميعها، لكن أتصور أن مسيرته السينمائية فيها ما يستحق الذكر والوقوف عنده، ليس فقط من باب الطرافة ولكن أيضا، وهذا هو الأهم، من باب رصد موقع سينما حسين صدقي كممثل لمنظومة قيم التيار الرئيسي في الفن المصري، ومدى اتساقه الفني في التعبير عن ما أسميه "التيار الرئيسي في السياسة والثقافة المصرية" عبر منتصف القرن العشرين كما سيتم تفصيله لاحقا في هذا المقال.
حسين صدقي في لقطة من فيلم "المصري أفندي". المصدر: السينما.كوم
سينمائيا، الدور الأبرز في حياة حسين صدقي هو دوره في فيلم "العزيمة" الشهير من تأليف وإخراج رائد الواقعية السينمائية في مصر كمال سليم. جسد حسين صدقي دور محمد أفندي، الموظف الذي يعاني من آثار البطالة والتضخم وتدهور المكانة الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات الاقتصادية المصاحبة لفترة كساد الثلاثينات. يكافح من أجل الحفاظ على مكانته والبقاء تحت الشمس والحفاظ على حبه للفتاة البسيطة المغلوبة على أمرها (فاطمة رشدي) والتي تخجل من تبادل القبلات البريئة معه على سلم المنزل في لقطة أيقونية في تاريخ المرأة المصرية الحديث مع التحرر الاجتماعي.
وقد قام حسين صدقي بأدوار شبيهة في أفلام أخرى مجايلة للعزيمة مثل "الأبرياء" و"العامل" وغيرها، وتبقي هذه الأفلام التي تنطلق من رصد الواقع الاجتماعي وتشكل الأفكار والقيم في سياقه، أقرب إلى الاستثناء داخل مسيرة حسين صدقي السينمائية والتي تحلقت عبر مشواره القصير نسبيا حول مفهوم "الفن الهادف" أو "السينما النظيفة" المعبرة عن مكون أخلاقي يمثل خيرية الأصالة والنقاء برغم أن هذا المكون الأخلاقي دائما ما يجنح نحو الإبهام والمضامين الملفقة التي تجمع متناقضات شتى وراء لافتات براقة وجذابة، ومن ثم فهذا المكون الأخلاقي يرفض المواقف التركيبية والنقدية ومحاولات تأصيل وتحرير المفاهيم وما يستتبعها من تفكيك للمضامين الملفقة والمصطنعة.
تتحدث بعض مصادر جماعة الإخوان المسلمين عن صلات قوية جمعت حسين صدقي بجماعة الإخوان في الأربعينات وعن حضوره لدروس حسن البنا في المقر العام للجماعة في حي الحلمية القريب من مسكنه، وتتحدث أيضاً عن عدة مقابلات جمعته بسيد قطب في الخمسينات وحوارات بينهما عن الفن الإسلامي والفن الناشر للقيم الإسلامية. من الصعب الجزم بمدى دقة هذه المعلومات لكن المؤكد هو أن أعمال حسين صدقي غلب عليها ميل محافظ جدا ثقافيا واجتماعيا.
طبعا هناك ملحوظات أولية تتبادر للذهن بسهولة عن حرص حسين صدقي على خلو أفلامه من القبلات والمناظر الحميمة والعارية وما شابه من سمات "السينما النظيفة"، لكن الأهم من هذا كانت مضامين أفلامه التي غلب عليها دائما (كاراكتر) المواطن الفاضل الذي يصارع للحفاظ على أخلاقه وقيمه الراسخة والمحددة سلفا كمعطى، يناضل للحفاظ على ثباته في وجه التحديات الاجتماعية سواء كان هذا المواطن ابن ذوات فاضل مثل "عادل" في "شاطئ الغرام"، أو ابن الطبقة الوسطى الفاضل مثل "رءوف" في "يا ظالمني" وأدواره في "معركة الحياة" و"طريق الشوك"، أو رجل الدين الفاضل مثل "الشيخ حسن" في "الشيخ حسن" أو في "ليلة القدر"، أو الزوج الفاضل في "آدم و حواء" الذي يكافح من أجل الحفاظ على حياة زوجية صحية بصيغة وسطى بين التشدد والتغرب والتحلل في مجتمع مصري تتجاذبه هذه الإتجاهات المتطرفة بين أقصى المحافظة وأقصي التحديث.
نجد في كل هذه الأعمال أن البطل أخلاقي بشكل صارم وفريد ـ بدون رؤية واضحة عن مصدر هذه الأخلاق ومدى تعبيرها عن واقعه الاجتماعي وتشكلها من خلاله ـ يعيش وسط محيطه الاجتماعي الذي لا ينعزل عنه وإن كان لا يفلح في تغييره، ولكنه دائمًا يضرب المثل والقدوة وينجح في الحفاظ على قدر من السعادة الشخصية (الحفاظ على حبيبته هو أهم الأمثلة المتكررة هنا لهذه السعادة) مع عدم التفريط في أخلاقه في مواجهة الفاسدين والمنحرفين خلقيا في وسطه الاجتماعي ومؤامراتهم على سعادته ونقائه (وهى مؤامرات تبدو في بعض الأحيان مبررة بدافع الطمع في مكاسب مادية لكنها أيضا كانت في كثير من الأحيان غير مبررة إلا بمجرد دافع الإختلاف).
وبالتأكيد لم ينفرد حسين صدقي بهذا الكاراكتر دونًا عن غيره من ممثلي السينما المصرية في ذلك الوقت، لكنه كان الأكثر نمطية ورتابة وصرامة في التعبير عنه والأكثر حرصًا على عدم الخروج عنه أو تحديه.
وعبر هذه الأعمال "الأخلاقوية" في فترة الأربعينات والخمسينات نجد استبطان للأساس الفكري لأيديولوجية سياسية وإجتماعية تلفيقية صاعدة سرعان ما اكتسبت أهمية ومركزية كبيرة في السياسة المصرية المضطربة في ذلك العصر. وكان المصدر الأول لهذه الأيديولوجية هى حركة مصر الفتاة بجذورها في الحزب الوطني القديم (تحول اسمها لاحقا إلى الحزب الإشتراكي الإسلامي ثم إلى الحزب الوطني الإشتراكي، وهى حركة صغيرة في حجمها لكنها كبيرة في تأثيرها الأيديولوجي) ذلك بالإضافة إلى أفكار ودعوات مجايلة ظهرت على يد جماعات وأفراد من المثقفين ورجال الإقتصاد والإدارة والسياسية تململت من التيارات السياسية التقليدية والكلاسيكية في ذلك الوقت (ليبرالية الوفد الكلاسيكية وأرستقراطية الإقطاع والملكية الكلاسيكية) ونفرت من أصولية الإخوان وراديكالية الشيوعيين (أهم تيارين من تيارات الرفض السياسي في ذلك الوقت). وكبديل لكل هذا تأسست مدرسة للوطنية المصرية تحديثية شكلا، وتقليدية وتراثية مضمونا. تهرب تلك المدرسة من ثنائيات الأصالة والمعاصرة، والتراث والحداثة، عبر حلول تلفيقية تفرضها سلطوية سياسية واجتماعية منشودة وصيغ ملفقة من الوطنية والقيم الدينية والإشتراكية الوطنية والرأسمالية الوطنية والعدل الاجتماعي والدولتية التربوية والتحديثية الإصلاحية الفوقية.
وتلك هى نفس الصيغ التي هيمنت لاحقًا على الحياة السياسية في مصر بالكامل مع تأسيس دولة يوليو سنة 1952، وتفترض هذه الحزمة من التلفيقات الفكرية والسياسية أن المعضلة الأساسية في مصر أخلاقية وقيمية وليست طبقية ولا مؤسسية ولا سياسية (بمعنى إدارة علاقات القوة والتوازن والصراع) وأن الحلول دائما تكون عبر الإستنهاض الأخلاقي لتحالف واسع يضم جميع الشرائح الإجتماعية في إطار مركب واحد من الوطنية الأخلاقية الفاضلة الدينية والتحديثية في آن واحد. كما أن تلك التلفيقية متجاوزة لفكرة الصراع والتنافر والتعدد كمحرك لعلاقات المجتمع وتطوره ومن ثم يتم طمس إشكاليات هذا المجتمع البنيوية على طريقة توفيق الحكيم: "الكل في واحد".
ويقود هذا المركب قائد أو دولة أو تيار عام جارف كفيل بقيادة سفينة الوطن وسط بحر من المشاكل الداخلية والخارجية التي تهدد الصفاء الأصيل للهوية الأخلاقية والقيمية المفترضة لهذه السفينة. والمطلوب هو الثبات والحماس والعزيمة الأخلاقية والإيمان بأصالة وصدقية القيم المحددة سلفا والثقة في قيادة السفينة والإصطفاف ورائها في مسيرة موعودة بالانتصار والتحقق، كما يفعل "البطل الفاضل" حسين صدقي في نسخه المختلفة التي تجسد الشرائح المختلفة من هذا التحالف الاجتماعي الموعود. والمفترض هنا أن هذه "الخلاصية الأخلاقية" من الممكن لها أن تتحدى ليس فقط أعباء التخلف وتحديات الأعداء ولكن أيضا قيود الزمن وتقلبات القدر كما في فيلم "المصري أفندي" مثلا.
لكن مع الوقت إزداد حسين صدقي غرائبية في أعماله التالية ـ قام بإخراج وكتابة سيناريو معظمها ـ والتي صارت بحق تجسيداً لسخرية هذه الحالة من نفسها بشكل غير مقصود بالطبع أو لعله تجلي الحالة في أقصى صورها عبثية عندما تمد خطوطها على إستقامتها. فنجد في أفلامه الأخيرة خلطة عجيبة من الوطنية التعبوية والشوفينية الزاعقة الأخلاقية الوعظية بشكل فج يحول الفيلم إلى مزيج من منشور سياسي دعائي (على طريقة تصورات جدانوف عن الفن الهادف في الواقعية الإشتراكية السوفيتية) وخطبة صلاة جمعة على منابر مساجد المؤسسات الدينية الدولتية الناصرية المهتمة بالحفاظ على "الوجه الإسلامي" للناصرية في مواجهة "الوجه الماركسي" لها (صاحب تعبير الوجه الإسلامي والوجه الماركسي للناصرية هو كمال الدين حسين أحد الضباط الأحرار البارزين وعضو مجلس قيادة الثورة وصاحب العديد من المناصب التنفيذية والتشريعية في عصر عبدالناصر، وكان إسلامي الفكر والميول وكانت له صلات قديمة بالإخوان المسلمين مثل الكثيرين من ضباط مجلس قيادة الثورة).
فنجد مثلا فيلم "وطني وحبي" من بطولة حسين صدقي وإخراجه ومعه الممثلة السورية هالة شوكت وعمر الحريري وصلاح منصور، حيث يقوم حسين صدقي بدور ضابط جيش مصري يعمل في القيادة العسكرية المشتركة في سوريا أثناء الوحدة وتشك حبيبته السورية (صحفية) أنه جاسوس خائن فتلحق به في مصر وتضربه بالنار في تصعيد سلوكي حاد بلا تمهيد درامي حقيقي، حيث لا تنقلب المشاعر بهذه الحدة الفجائية والمحسومة في حياة البشرعادة وإنما في مثل هذه المواقف يكون هناك الحيرة والشك والتردد والتساؤل القلق عن المعني والحقيقة (ولكنها النزعة الأخلاقوية للتيار الرئيسي ورغبتها بشكل قاطع في تحديد الأولويات الأخلاقية في ميزان الاختيار ما بين هموم الذات وهموم المسيرة الموعودة أي ما بين "الحب" و"الوطن" عندما يحدث صراع ما نتيجة إختلال الميزان القائم للعلاقة) ويصاب صدقي بالشلل، لكنها تشعر بالندم لاحقا حين تكتشف أنه كان يخدع شبكة التجسس ويجاريهم بالإتفاق مع سلطات الدولة (قائد السفينة) وأنه وطني ومخلص، وتعود هى إلى سوريا محطمة، لكن الضابط يشفى من الشلل (بشكل غير مفهوم لا طبيًا ولا دراميًا) ويقبض على العصابة وشبكة التجسس ويرجع سوريا ويبلغ حبيبته بالأنباء السارة وينتهي الفيلم نهاية سعيدة حيث يتمكن الضابط من الجمع بين انتمائه لوطنه وحبه، وينتهي الصراع لا بتجاوزه ولا نفيه ولا بتفكيكه بل باكتشاف أنه لم يكن موجود أصلا وليس له أن يوجد.
وقبل هذا الفيلم كان فيلم "يسقط الاستعمار" من تأليفه وإخراجه وبطولته مع شادية، وهو فيلم مفكك للغاية عن قصة أحد المناضلين ضد الإستعمار البريطاني في مصر، وشخصية البطل التي يجسدها حسين صدقي تجمع بشكل ضمني وموجز وملفق سرديات مختلفة عن قصة المسألة الوطنية في مصر إبان الإستعمار البريطاني في نسق واحد لا يخلو من تناقضات ملفتة (بدون أي رغبة في الحسم والتركيب والإستبعاد) فهناك سرديات الحزب الوطني بمراحله الثلاثة: الوطنية العثمانية الدينية في عصر مصطفي كامل وعبدالعزيز جاويش، ثم الوطنية الدينية الشعبوية في عصر محمد فريد، ثم الوطنية الشعبوية التلفيقية في عصر ما بعد محمد فريد، وسردية حزب الوفد الوطنية الليبرالية الحديثة بمراحلها المختلفة أيام سعد زغلول والنحاس وانشقاقات السعديين والكتلة الوفدية، وأخيرًا سردية المؤسسة الملكية التقليدية: (السردية الأخيرة تم استبعادها لاحقًا مع قيام حركة 23 يوليو، مما استلزم تعديل الفيلم لملائمة أجواء العصر الجديد) وبالطبع النهاية السعيدة للفيلم هي ترقب سقوط الإستعمار على يد الفارس الجديد مستنهض العزائم الأخلاقية وقائد سفينة الكل في واحد.
وهناك أيضا فيلم "أنا العدالة" من بطولته وإخراجه مع اشتراكه في كتابة السيناريو وهو إنتاج أوائل الستينات. الفيلم مأخوذ عن رواية أجاثا كريستي الشهيرة المسماة في طبعتها الأمريكية And then there were none، والتي سميت في طبعتها الإنجليزية الأولي Ten little Niggers، وتم تغيير العنوان في الطبعة الأمريكية لاحقًا إلى العنوان المذكور أولا (ليعتمد لاحقا من كريستي كعنوان دائم للرواية) بسبب الحساسيات العنصرية. الرواية تعتبر بلا منازع ليس فقط أعظم روايات أجاثا كريستي وأكثرها مبيعا وشعبية لكن هى أعظم الروايات البوليسية على الإطلاق أو ما يعرف بروايات الـ Who dunnit وأكثرها سوداوية. وبرغم أن نقاد الأدب يعتبرون عادة هذا النوع من الأدب أدنى في القيمة الأدبية من "الأدب الجاد" إلا أن هذه الرواية تحديدا رواية شديدة التعقيد والتركيب في حبكتها الدرامية البوليسية ولغة السرد ورسم الشخصيات والتحليل النفسي مع استدعاء لموروثات ثقافية وفكرية وإجتماعية مختلفة بشكل ضمني تشمل القيم الدينية وأغاني الأطفال والفلولكلور الشعبي وقيم عصر الإستعمار والحداثة الإنجليزية وطرح لأسئلة الجريمة والعدالة والعقاب والقدر والإنتقام.
تدور الرواية حول تجمع عدة شخصيات في قصر أحد الأثرياء الذي وجه لهم دعوات للحضور وقضاء بعض الأيام في قصره في جزيرة بعيدة اسمها جزيرة نيجر، وعندما يتجمعون جميعا يكتشفون أن مضيفهم (الذي لا يعرفونه بشكل مباشر) غير موجود وأن ارتفاع المد نتيجة لحلول العاصفة بعد رحيل المركب التي جاءت بهم يجعل من المستحيل على أي مركب آخر القدوم إلى الجزيرة لعدة أيام، وهذا يعني أن المدعوين ومعهم طاقم الخدم (ومجموعهم عشرة منهم رجال ونساء، أغنياء وفقراء، شباب وشيوخ ، ووظائفهم وخلفياتهم متنوعة) محبوسون في الجزيرة لفترة مؤقتة. يلاحظون وجود عشرة تماثيل صغيرة في ردهة القصر ووجود أغنية أطفال أيرلندية فلكلورية شهيرة منقوشة على حائط الردهة (بعنوان عشرة هنود صغيرة أو عشرة زنوج صغيرة حسب طبعة الرواية)، تتكلم الأغنية عن موت عشرة هنود صغيرة وكيف رحل الواحد منهم تلو الآخر بطرق مختلفة، ثم في ليلتهم الأولى في القصر، يفاجأون بشريط تسجيل يذاع في قاعة بهو القصر يسرد قصص جرائم مروعة ومتنوعة ارتكبها كل واحد منهم في الماضي (وبعض هذه الجرائم كان في المستعمرات البريطانية) وأفلت بها من المحاسبة، ويتوعدهم صوت الشريط بالعقاب. ثم تبدأ سلسلة القتل ويُقتل الواحد منهم تلو الآخر في مواقف مختلفة وبشكل غامض وبدون مشتبه به واضح، ومع كل قتيل ينقص تمثال من التماثيل العشرة الموجودة في الردهة بدون أن يعرف أحد من يفعل هذا، وبعدما يبحثون عن القاتل الذي قد يكون مختبئ في مكان ما على الجزيرة ولا يجدون أحدا، يتأكدون أن القاتل هو أحد المتبقين منهم، لكن وعبر عدة أيام ومع كل جريمة قتل جديدة لا توجد أي أدلة على إدانة الآخرين، لتنتهي الرواية بجميع شخصياتها العشرة على سطح الجزيرة وقد قتلوا واحدا تلو الآخر بدون أن نعرف من قتلهم ثم تشنق الشخصية الأخيرة الباقية نفسها، وتنتهي الرواية بلا حل لأن جميع الشخصيات قد قتلت، أو بتعبير أجاثا كريستي في آخر صفحات الرواية "وعندما ينزل المد وتأتي المراكب إلى الجزيرة سيجدون عشر جثث ولغزا بلا حل فوق جزيرة نيجر". تأتي الشرطة وتقف عاجزة عن حل هذا الغموض، وطبعا لو كانت الرواية توقفت عند هذا لم نكن لنعرف الحل أبدا (حبكات روايات ملكة الجريمة أجاثا كريستي دائما بالغة التعقيد ومستعصية على الحل) لكنها رأفة بالقراء وفي post script شرحت الحل في صورة مذكرات ألقاها أحد الشخصيات العشرة (القتيل رقم 6) في زجاجة في ماء البحر للتنفيس عن انفعالاته وليس بالضرورة ليعثر عليها أحد، وعثر عليها رجال الشرطة بالصدفة، ويشرح فيها - وهو قاضي معتزل - أنه هو القاتل وهو من دبر وخطط ونفذ كل هذه الجرائم لسببين: أولا لكي يعاقب هذه الشخصيات التي ارتكب كل منها جريمة مروعة في ماضيه أو ماضيها وأفلت أو أفلتت من يد القانون والعدالة (بمن فيهم معاقبته هو نفسه على الجريمة التي ارتكبها هو أيضا) وثانيًا لأنه يعشق إيلام الأخرين منذ الصغر، وبما إنه قد عرف أنه مصاب بمرض مميت وحياته لم يبق فيها الكثير فقد قررإنزال ضربة الإيلام القصوى، ومن يستحقها أكثر من المذنبين المجرمين الذين أفلتوا من العقاب (بمن فيهم هو نفسه)؟
نجح هذا القاضي السابق في جمعهم على هذه الجزيرة وفي نفس القصر وقتلهم واحدًا تلو الآخر بأدوات وأشكال هى تطبيق رمزي لما يقوله كل بيت في أغنية الأطفال الأيرلندية، عن كيف رحل كل هندي من العشرة وبعضها له رمزية دينية وميثولوجية واضحة، وقد راعى في ترتيب القتلى أن يبقى أصحاب الجرائم الأبشع حتى النهاية ليكون نصيبهم من المعاناة والعذاب أكبر، وبتدبير بارع تظاهر بأنه قد قُتل مع من قتلوا ليستمر في قتل من تبقي بدون أن تتطرق إليه الشكوك لأنه قد صار ميتا في نظر الآخرين، ثم وعبر ترتيب بارع آخر، دفع آخر شخصيتين باقيتين (امرأة ورجل) أن تقتل المرأة الرجل ثم تنتحر الأخيرة - كما توقع القاضي وهيأ لها المناخ النفسي - تحت ثقل إحساسها بالذنب، وبعد هذا ولتكتمل سلسلة انتقام العدالة يقتل القاضي نفسه بنفس الطريقة التي من المفروض أن يكون قد قتل بها في الترتيب الأصلي كما دونته مذكرات الضحايا في غرفهم، وبهذا يتحقق تجلي العدالة العمياء الغاشمة وحلول إله العدالة (أو في حقيقة الأمر النفي الكامل لها) داخل حركة البشر على هذه الجزيرة وعبر شخصية القاضي (شخص حقيقي أم مجاز؟) الذي يحلق على الحدود الفاصلة بين الحقيقة والميتافيزيقا.
هي رواية تفتح الباب لعمل سينمائي بوليسي تشويقي ومحكم من الطراز الأول، أو صراع درامي سينمائي قائم على التحليل النفسي والفكري والميتافيزيقي، ولكن الرواية تحولت على يدي حسين صدقي إلى فيلم أبله ومضحك جدا عن جرائم قتل متتابعة يتعرض لها المدعوون والخدم في قصر أحد الأثرياء في الريف في سهرة ليلة رأس السنة في غياب المضيف. فالشخصيات مرسومة بشكل ضحل للغاية وبلا أي عمق نفسي، وجرائمهم السابقة لا تخرج عن الأنماط المقولبة والتقليدية في السينما المصرية التجارية وتبدو خالية تماما من عمق الدلالات الطبقية والاجتماعية والسياسية الصراعية التي مثلتها جرائم شخصيات رواية أجاثا كريستي، وطبعا لا داعي للإستفاضة في كيف أن الأحداث البوليسية مقدمة بشكل ساذج جدا كعادة السينما المصرية، ولكن الأهم في سياق هذا الرصد هو الانقلاب على فكرة الرواية نفسها عن يد العدالة الباطشة المجرمة التي تفتك بالجميع بشكل لا يقل إجراما عن الجرائم الأصلية، وكيف أنها تعكس القدر أو التاريخ الظالم والمظلم والاندفاع نحو النهاية المحتمة والسقوط التام في مجتمعات قائمة على صراعات بلا حل.إنها روح سوداوية كئيبة ومقبضة تخيم على الرواية برغم إثارتها وتشويقها الشديد من الناحية البوليسية.
لكن بالتأكيد يرفض حسين صدقي أن يقدم مجتمع يندفع نحو نهايته بسبب صراعات بلا حل، لأن هذا يتناقض مع الخلاصية الأخلاقية الفاضلة التي يدافع عنها حسين صدقي بيقينية مخلصة. ولذا يجب أن يصير القاضي هو رجل ثري (عباس فارس) بدلا من قاضي ليتم طمس تيمة العدالة والجريمة من الموضوع (باستثناء إشارة بلا مدلول في اسم الفيلم) وتصبح الشخصية شخصية شرير معقد من النوع المألوف (وإن كان لم يتم شرح جذور عقدته بالتفصيل) وعندما ينكشف أمره عبر سلسلة من المفارقات الخائبة، ينهزم في صراع بدني ساذج على يد أحمد المحامي (حسين صدقي) مواطن الطبقة الوسطى الفاضل إياه، البرئ من أي جرائم في ماضيه أو المتطهر من هناته وزلاته في العصر الجديد، بل إنه أيضا يستطيع إنقاذ شخصية أخرى من الشخصيات المستهدفة بالقتل من المدعوين وهى المطربة فتحية (مها صبري) واللذان يحبان بعضهما بعضا، وبعدما ينتهي الصراع بموت الشرير يهربان سويا من القصر إلى المدينة وينتهي الفيلم بهما وهما خارجان من دار القضاء العالي، حيث أبلغا النائب العام بتفاصيل كل ما حدث، وتحققت العدالة (التي لم تكن غائبة أصلا في ذلك العصر، إذن فهو تكشف للعدالة وليس تحققا لها) وتم طي صفحة تلك الليلة الإستثنائية ويركبان سيارة أحمد وينطلقان بها وسط الورود والأشجار بينما تغني مها صبري أغنية متفائلة عن الحب والسعادة التي سترفرف عليهما سويا في العصر الجديد، عصر الأمل والحب واللا صراع واللا تناقضات.
إن لغز العشر جثث بلا حل على جزيرة نيجر ليس قائما أصلا عند حسين صدقي، والقتلى الذين سقطوا بالفعل داخل القصر في تلك الليلة لم يكونوا إلا رواسب قديمة أو سواقط ناشزة عن النسق الأخلاقي والاجتماعي المتكامل، ولن يكون لها أن تعكر الصفاء المموه اللذيذ لأغنية مها صبري وسط الأشجار والزهور والطريق المفتوح الجميل.
يصل الميل الديني مع حسين صدقي إلي ذروته مع فيلم "خالد بن الوليد" من إخراجه وشارك في كتابة السيناريو، وهو الفيلم الملون الوحيد لحسين صدقي وإنتاج كبير نسبيا، وهو أيضًا فيلم غريب يعتمد على مصادر التراث والتاريخ المعروفة، لا لتقديم فقط القصة الكلاسيكية لسيرة الفاتح والقائد الإسلامي الشهير ولكن أيضا لتقديم نفس الصورة عن البطل الفاضل الذي يتم تحميل خطابه داخل الفيلم قسرا بمفردات أخلاقية وقيمية حديثة هي بنت روح العصر الحديث وصيغاته التلفيقية ومخاوفه الثقافية والاجتماعية.
ثم يبتعد حسين صدقي تماما عن الأضواء، وهناك روايات عديدة عن كيف أنه "إتدروش" تماما ودخل في ملكوت الصوفية والزهد والدروشة، وهناك رواية شهيرة عن أنه أوصى قبل وفاته بتقوى الله وحرق نيجاتيف أفلامه السينمائية كلها ما عدا فيلم خالد بن الوليد.
من الصعب التأكد من مدى صحة هذه الروايات، لكن تبقى شخصية ومسيرة حسين صدقي السينمائية لافتة، بوصفه خلطة مميزة تجمع مكوناتها تيمة رئيسية هي تيمة الخلاصية الأخلاقوية، وهذه الخلطة هي بنت التيار الرئيسي الاجتماعي والسياسي والثقافي المصري الآخذ في التكون والتشكل والسيطرة منذ أواخر الثلاثينات و الأربعينات واكتملت هيمنته في الخمسينات والستينات، وبرغم الضعف الشديد في مستواها الفني لكنها كانت خلطة شديدة الإتساق مع نفسها وخالية من التناقض البنيوي بين الأسلوب والمضمون عكس أغلب أعمال التيار الرئيسي الفني في مصر (بجناحيه التجاري وغير التجاري) التي تعاني من هذا التناقض وزيادة مساحات المضمر والمسكوت عنه من مركزية "السينما الهادفة" وادعاءات زائفة بالحداثة والتجديد والتطور والفكر النقدي هى أشبه بجبال الثلج الطافية التي تخفي الجسم الأكبر من تلفيقيتها وراء ألاعيب الشكل الفني واللافتات المراوغة والمدعية.
آراء أخرى
الطبيب الذي عالج الشعب بالوهم
«قراءة في كتاب «نداء الشعب- تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية» لشريف يونس»
متلازمة التفاؤل والخذلان في السياسة المصرية
«الأغلبية الساحقة من شباب هذه الألفية الثانية تؤمن، بكل الفهم والوعي، أن الحل لم يعد تغيير هذا الرئيس»
الضرورة والاختيار في تاريخ نظام يوليو
«أصبح إعمال مبدأ الضرورة نمطًا متكررًا بعد وفاة جمال عبد الناصر»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد