«طالبان» وكابوس عودة الأفغان إلى القمقم
ما أن وصلت قوات حركة طالبان إلى مشارف العاصمة الأفغانية كابول منتصف الشهر الجاري، حتى سادت مشاعر الحسرة والإحباط بين أهل المدينة، وبدأ هؤلاء في تهيئة أنفسهم للاعتياد على نمط الحياة الذي سجنتهم فيه الحركة الأصولية المُتشددة قبل العام 2001، عندما كانت تحكم أفغانستان وفق رؤيتها المُتشددة للدين الإسلامي.
قبل أن تصل بشائر الحركة إلى القصر الرئاسي الذي غادره الرئيس الأفغاني أشرف غني، وقبل سيطرة قواتها بشكل كامل على الشوارع والمؤسسات الحكومية، أغلقت الجامعات والمدارس المختلطة أبوابها، وسارعت النساء إلى مغادرة أعمالهن، ورفعت وكالات الإعلان من الشوارع لافتات تتضمن صورًا لنساء «سافرات» تروج لمستحضرات تجميل أو لملابس عصرية.
في أحد شوارع كابول التقط أحد المصورين بعدسته عامل بمحل تجميل وهو يزيل بمواد الطلاء صور عارضات يرتدين فساتين الزفاف من على الواجهة، فيما أعادت محلات الملابس وضع البرقع الذي تعتمده الحركة كزي شرعي للنساء على رفوفها، وسارعت طالبات وموظفات وصحفيات وغيرهن في شراء ذلك الزي الذي يغطي جسد المرأة من أعلى رأسها إلى أخمص قدمها وكانت طالبان تفرضه على الأفغانيات قبل 20 عامًا.
منذ أن وصلت إلى حكم أفغانستان منتصف تسعينيات القرن الماضي، وأعلنت إقامة الإمارة الإسلامية وحتى سقوطها بعد الاحتلال الأمريكي في 2001، طبّقت «طالبان» حدود الشرعية الإسلامية على مَن ارتكب جرائم ورد بها نص شرعي، فالسارق تُقطع يده، والزاني والزانية يُجلدان أو يُرجمان والقاتل يُقتل، ومَن حارب الله ورسوله وأفسد في الأرض وقطع الطُرق على الناس بالسلاح واستلب أملاكهم وأموالهم فيُطبق عليه حد الحرابة، يُنفى أو يُقتل أو يُصلب أو تُقطع أيديه وأرجله من خلاف.
أما الأوامر والنواهي الشرعية التي لم يرد بها نص فكانت الحركة تطبق على مخالفيها عقوبة «التعزير» وهو التأديب على ذنوب ومعاصي لم ترد فيها حدود شرعية ولا كفارة، تطبيق تلك العقوبة كان يتم وفقًا لاجتهاد قضاة الحركة الشرعيين، فالمرأة التي تكشف جزء من شعرها أو وجهها تُعزر، ومَن تخرج من بيتها بدون محرم تُعزر، ومَن تخالط الرجال في الأسواق تُعزر، ومَن يستخدم أطباق استقبال القنوات الفضائية يُعزر، ومَن يخالف تفسيرات علماء الحركة للدين يُعتبر «مُبدع» وعليه يجب تعزيره، ومَن يجاهر بارتكاب المعاصي كشرب الخمور والتدخين أو ترك الصلاة أو إفطار رمضان وجب تعزيره، ومَن يتعامل مع مَن تعتبرهم الحركة أعدائها يُعزر، يُضاف إلى ما سبق مَن جاهر بالسب والشتم أو طفف في الموازين أو كذب أو كتم الشهادة.. وهكذا من أمور أقرّتها الحركة وفق تفسير علمائها وفقهائها للشريعة.
تتراوح العقوبات في «التعزير» من النهر أو تعنيف المُعاقب في مجلس عام وحلق شعر الرأس إلى الضرب بالسوط والسجن إلى إتلاف محل المنكرات والملاهي، وتصل العقوبة في بعض المخالفات إلى الصلب والقتل لو كان المُخالف قد ارتكب جريمة التجسس أو الانحياز للأعداء ومناصرتهم أو الابتداع في أمور الدين.
استدعى أهل كابول تلك المشاهد مع إعلان الحركة سيطرتها على العاصمة دون قتال وهروب الرئيس الأفغاني وأركان حكمه، انقبضت القلوب وعمّت مشاعر اليأس والإحباط خاصة بين أهل المدن الحضرية الذين كانوا قد وضعوا أقدامهم على أول طريق الحداثة والمدنية، خلعت نسائهن البراقع وذهبن إلى المدارس والجامعات، وعملن بالمؤسسات والشركات، وبعضهن تقلّد مواقع سياسية، والبعض الآخر مثلن بلدهن في الخارج بمؤتمرات وفعاليات دولية.
بعد سنوات قليلة من سقوط «طالبان» مطلع الألفية الحالية بدأت تنتشر في المدن الأفغانية مظاهر اعتبرها البعض خروجًا من القُمقم الذي حبست فيه الحركة الشعب الأفغاني، فظهرت على استحياء محال التجميل التي تعلو واجهاتها صور سيدات جميلات، وانتشرت مراكز بيع وصيانة الهواتف المحمولة والكمبيوترات التي أطل من خلالها مواطنو تلك الدولة على العالم عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وعادت المقاهي لفتح أبوابها بعد إغلاق استمر أكثر من عقد، ومرة أخرى نشطت الأحزاب السياسية بمختلف إيديولوجياتها والجمعيات الأهلية المعنية بحقوق الإنسان وقضايا المرأة والطفل، وظهرت مجددًا على صفحات الصحف صور لنساء محجبات وسافرات كما أطلت المذيعات على شاشات الفضائيات.
بعد انسحاب قوات الاحتلال الأمريكي، ضرب انهيار السلطة الأفغانية وعودة «طالبان» إلى الحكم الأسبوع الماضي أحلام سكان هذا البلد البائس بعودة بلادهم إلى خريطة العالم الحديث، فاق هؤلاء من الحلم ليجدوا بلادهم على موعد جديد مع البداوة، فكل مسايرة للتقدم والمدنية هي مُحدثة و«شرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ »، ووفق تفسير الحُكام العائدين لهذا الحديث الشريف فإن كثيرًا مما يمارسه الأفغان مُحدثات وبدعًا تستوجب التعزير والعقاب.
مع عودتهم للحكم حاول قادة طالبان تقديم وجه أكثر اعتدالًا للحركة، يطمئنوا به الشعب القلِق من جهة وحكومات دول العالم المُترقبة من جهة أخرى، لكن تلك المحاولات انكشفت مع ظهور هؤلاء المقاتلين الأصوليين على منصات الإعلام، ففي الوقت الذي أكد فيه المتحدث باسم الحركة محمد نعيم أنهم سيحترمون حقوق المرأة والأقليات وحرية التعبير لكن في «إطار الشريعة الإسلامية» أعلن سهيل شاهين وهو متحدث آخر باسم الحركة أنهم بصدد «تشكيل محاكم شرعية» تعين «طالبان» قضاتها لـ«ضمان تحقيق العدالة وفقًا لما تحدده الشرعية الإسلامية» ثم بشر المتحدث الطالباني أهل كابول بأنهم سيؤسسون ما سماها «شرطة دينية» لمساعدة الناس.
وفي معرض رده على سؤال حول ما إذا كانت عقوبات المحاكم ستتضمن الرجم وقطع الأيدي والإعدام العلني، قال شاهين إن الحركة ستلتزم بحدود الشريعة الإسلامية، وأي عقوبات من هذا النوع ستحددها المحاكم التي تعتزم الحكومة الجديدة تشكيلها.
كانت النساء في المدن التي سقطت قبل كابول خلال الشهر الماضي قد مُنعن من العودة إلى أعمالهن وجامعاتهن، بل حتى من الخروج من المنزل دون «محرم» وتناقلت وسائل الإعلام تقارير عن إجبار قاصرات على الزواج من مقاتلي الحركة، وهو ما علّق عليه سهيل قائلًا «سياسة الحركة تضمن حق النساء في العمل والتعليم، وما يحدث على الأرض قد يكون حالات فردية» مشددًا على معاقبة الحركة لمقاتليها الذين لم يمتثلوا للتعليمات.
وكالة «فرانس برس» نقلت عن طالبة جامعية أفغانية تُدعى عائشة خرام والتي تبلغ من العمر 22 عامًا، قولها إنه بدخول قوات طالبان إلى كابول تحطمت القلوب والآمال في مستقبل أفضل شعرنا أن «كل شيء ينهار في لحظة كنهاية العالم»
لم تتمكن خرام وزميلاتها من الوصول إلى الحرم الجامعي في اليوم التالي لسيطرة الحركة على العاصمة وهو ما أشعرها أن العالم والقادة قد خذلوا الشباب الأفغاني بأقسى طريقة يمكن تصورها «إنه كابوس بالنسبة للنساء اللواتي درسن ويطمحن لمستقبل أفضل لهن وللأجيال الصاعدة»
عندما حكمت «طالبان» ما بين عامي 1996 و2001، تعرضت النساء اللواتي خالفن قواعد الحركة المُتشددة، للإذلال والضرب العلني على أيدي الشرطة الدينية، في بعض الأحيان. وأقدمت الحركة على تنفيذ عمليات إعدام علنية، وتم معاقبة اللصوص بقطع الأيدي ورجم النساء اللواتي اتُهمن بارتكاب الزنا.
من جهتها قالت موسكا داستاجير، محاضرة في الجامعة الأميركية بأفغانستان التي افتُتحت بعد خمس سنوات من رحيل «طالبان» عن السلطة «تبقى مشاعر الخوف في داخلك كطائر أسود يبسط جناحيه ولا يعود في إمكانك التنفس» بحسب ما نقلته «فرانس برس» عن داستاجير.
أما الناشطة الحقوقية في مجال حقوق المرأة زارمينا كاكار المُقيمة في كابول فتتذكر ما وقع في عهد «طالبان» حين رافقتها والدتها لشراء مثلجات فتعرّضت للجَلد على يد أحد عناصر «طالبان» لأنها كشفت عن وجهها للحظات. وقالت كاكار لوكالة الأسوشيتد برس إنها تشعر بأنها سوف تعود «إلى نفس الأيام المظلمة»
مشاعر اليأس والإحباط والخوف من العودة إلى حياة البداوة والترهيب ومشاهد الجَلد والرجم والقتل العلني، دفعت آلاف سكان كابول إلى محاولة الهروب من هذا الجحيم حتى وإن كان إلى الموت.
مطار حامد كرزاي بكابول شهد صباح اليوم التالي لسيطرة طالبان على الحكم تدافع حشود كبيرة من المواطنين الأفغان يتجولون حول المدرج، ويبذلون جهدًا للحاق بأي طائرة تقلهم خارج بلدهم، ونُقلت مقاطع فيديو للعديد من هؤلاء وهم يحاولون تسلق إحدى الطائرات، ثم نقلت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو آخر مرعب، يُظهر إقلاع إحدى الطائرات العسكرية الأمريكية يلاحقها المئات من الشباب في محاولة لتسلقها وهي تمضي في طريقها على المدرج وبعد ثوان من إقلاعها سقط ثلاثة أشخاص من السماء كانوا قد تشبثوا بعجلات وجناحي الطائرة.
مشهد هروب اليائسين المحبطين الخائفين من جحيم طالبان إلى المجهول في مطار حامد كرزاي، لا ينقطع عما سبقه من مشاهد طلاء محلات التجميل وإغلاق الجامعات والمدارس وهرولة النساء لشراء البرقع مجددًا، اختار البعض الرحيل بأي طريقة عن وطنه بعد أن حلم أن هذا الوطن سيمضي في طريق الحرية والتقدم كما روّج الأمريكان عند احتلالهم أفغانستان قبل 20 عامًا، فإذ بالحلم تحوّل كابوسًا لتعود الحركة التي تعيش في الماضي وتفرض رؤيتها للدين على هذا الشعب الذي سحقته الحروب والصراعات لأكثر من أربعة عقود.
آراء أخرى
الخطيئة الأمريكية الأولى في أفغانستان.. وماذا بعد؟
«تذكير بأول خطايا أمريكا بعد خروج السوفييت.. وتساؤل عن المستقبل»
تفاهة التطبيع (1-3)
«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»
الولايات المتحدة إمبراطورية ضعيفة وخطيرة
«هجوم فنزويلا يقدّم كثيرًا من الإجابات»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد