تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الخطيئة الأمريكية الأولى في أفغانستان.. وماذا بعد؟

عبد العظيم حماد
9 دقيقة قراءة
الخطيئة الأمريكية الأولى في أفغانستان.. وماذا بعد؟
تصوير: رويترز

على كثرة ما قرأت وشاهدت وسمعت بعد سقوط العاصمة الأفغانية كابول -كثمرة معطوبة- في أيدي حركة طالبان، لا أتذكر أحدًا نبه أو انتبه إلى خطيئة التخلي الأمريكي الكامل، والمُتسم بالغدر عن أفغانستان بمجرد انسحاب الجيش السوفيتي منها في 1989. رغم تحدث الكثيرون عن تلك الخطيئة باستفاضة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، وفي سياق تبرير قرار الحرب لإسقاط حكم «طالبان»، وكان هذا القرار محل إجماع سياسي وشعبي كما نعلم، بما أن تنظيم القاعدة المُتهم بتدبير تلك الهجمات كان ينطلق من الأراضي الأفغانية.

ممَن تحدثوا عن تلك الخطيئة زبيجينيو بريجنسكي مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر للأمن القومي، والمسؤول الأول عن تأسيس تحالف الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفيتي على المستويين الدولي والإقليمي. وذلك في سياق الرد على مَن حملوه مسؤولية تخليق وحش الإرهاب الجهادي الذي استدار ينهش اللحم الأمريكي الحيّ، بعد أن دحر السوفييت من أفغانستان، فكان رده «لقد كان هذا التحالف فكرة ممتازة. فما هو الأكثر أهمية في تاريخ العالم… مجئ 'طالبان' أم انهيار الامبراطورية السوفيتية؟ بعض المسلمين المهتاجين أم تحرير أوروبا الوسطى، وانتهاء الحرب الباردة؟» ثم أضاف أن الخطأ ليس هنا «لكنه في نفض أيدينا كلية من أفغانستان، بمجرد هزيمة السوفييت وخروجهم، وعدم قيادة جهد دولي لإعادة إعمار البلاد»

بعباراتي أنا، وليس بعبارات بريجينسكي، كانت هذه خيانة أخلاقية وجريمة سياسية ارتكبتها الولايات المتحدة. ولا أستطيع الآن الجزم بأن انتقال السلطة من إدارة كارتر الديمقراطية إلى إدارة رونالد ريجان الجمهورية، ثم إلى خليفته ونائبه جورج بوش الأب هو سبب تلك الخيانة أم لا. بمعنى أنه لا يسهل افتراض أن واشنطن كانت ستتبني مشروعًا باهظ الكلفة المالية لإعادة إعمار أفغانستان، وبناء نظام سياسي كفء فيها، لو أن الانسحاب السوفيتي وسقوط النظام الشيوعي في كابول حدثا في وجود بريجنسكي والديمقراطيين في البيت الأبيض. وذلك في ضوء أن مثل هذا المشروع يحتاج دائمًا إلى الاعتماد من قِبل الكونجرس لكلفته المالية، وهو ما لم يكن ليحدث إلا بعد درس 11 سبتمبر، كما جرت التطورات بالفعل. وهنا يكمن أحد الأسباب الكبرى لقصر نظر، أو في الحقيقة لقصر باع السياسة الخارجية الأمريكية. كما حدث مثلًا في رفض الكونجرس انخراط الولايات المتحدة في عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى.

مع ذلك يبقى الشاهد هو أن ما حاولته واشنطن طوال عشرين عامًا، منذ 2001 وحتى يوم سقوط كابول الأخير في أيدي «طالبان» والذي أنفقت عليه تريليوني دولار، هو ما كان يجب أن يحدث طوال الأعوام العشرين السابقة على هجمات 11 سبتمبر، وغالبًا كانت فرص النجاح أكبر، وكانت التكلفة ستكون أقل كثيرًا في الأرواح والأموال، وما كانت هجمات سبتمبر لتحدث من الأصل. ذلك أنه مذ عرفت البشرية ظاهرة الحروب الكبيرة بين الدول، كان تسريح الجيوش المنتصرة والمهزومة على السواء واستيعاب جموعها الجرارة من الجنود والضباط في الحياة المدنية يمثلا مشكلة للحكومات ينبغي إعداد الخطط لمواجهتها بعد انتهاء الحرب.  فكيف بمحاربين أتوا من كل صوب وحدب جنبًا إلى جنب مع المحاربين الأفغان أنفسهم، وظلوا لا يفعلون شيئًا غير القتال لمدة عقد كامل من الزمان؟ أين يذهبون؟ وماذا يفعلون؟ وكيف يعيشون؟

لكن الخيانة الأمريكية للمقاتلين وللشعب الأفغاني لم تقتصر علي تركهم في العراء، وإنما امتدت إلى القلق منهم ثم التحفز ضدهم بوصفهم -بحق- خطرًا مُحتملًا. وهو ما امتد بالطبع إلى حكومات الدول العربية والإسلامية التي شارك متطوعون منها في القتال ضد السوفييت، فأصبحت العودة من أفغانستان تهمة في حد ذاتها، ووُضع كثيرون منهم في السجون. وهنا لا يحق لأحد لوم الحكومات علي هذا التحوط، خاصة أن أغلب أولئك العائدين كانوا مشبعين بالتطرف، بل متحفزين لحمل السلاح ضد دولهم ومجتمعاتهم، بالقصور الذاتي لنشوة النصر (الجهادي) على «الشيوعية الكافرة» وفقًا لمنظومتهم الفكرية، وذلك ببساطة لأن الذين خلقوا الوحش لم يفكروا لحظة واحدة في ترويضه، ولم ينفقوا دولارًا واحدًا من أجل ذلك الترويض.

وفي غيبة دور دولي سياسي واقتصادي لإعادة إعمار أفغانستان وبناء الدولة فيها، اندلعت هناك حرب الكل ضد الكل لمدة ست سنوات حتى ظهرت «طالبان» في حضانة المخابرات الباكستانية واكتسحت الجميع، وحكمت البلاد. ثم اتسع حكمها لكل المقاتلين الأجانب، الذين كانت بلادهم قد نبذتهم، بعد تفكك تحالف الجهاد إثر تخلي واشنطن عن المسألة كلها.

تتضح لنا حقيقة النفاق الأمريكي حين نتذكر أنه في في غضون تلك الحقبة نفسها، وفي الوقت الذي نفضت فيه واشنطن يدها من مهمة إعادة بناء الدولة في أفغانستان، فإنها اندفعت فجأة لإعادة بناء الدولة في الصومال بقرار من الرئيس بوش الأب. ومنعت الجامعة العربية من عقد مؤتمر للمصالحة الصومالية، وأجبرت الأمم المتحدة على تغطية احتلالها للصومال تحت مُسمى «عملية إعادة الأمل» أواخر 1992 كان الهدف الحقيقي هو الهيمنة على القرن الإفريقي ومدخل البحر الأحمر والخليج، حصريًا للصين البازغة وإيران المناوئة. وبالطبع نتذكر جميعًا كيف أخفقت تلك العملية بسبب مقاومة ميليشيا فارح عيديد التي استعرضت جثث الجنود الأمريكيين مجرورة بالحبال في شوارع مقديشو، ليأتي بيل كلينتون، خليفة بوش الأب، ويسحب قوات بلاده من الصومال كليةً. لكن كان هناك في أفغانستان مَن استنتج أن أمريكا لا تقل عداءً للمسلمين، ولا طمعًا في بلادهم عن السوفييت، فاندفع أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة على الأراضي الأفغانية، وفروع تنظيمه إلى توجيه الضربات إلى المصالح الأمريكية من نيروبي إلى السودان، ونسف المدمرة كول قرب سواحل اليمن، وصولًا إلى ضربات 11 سبتمبر.

بالوصول إلى هذه النقطة المفصلية انتبه صُنّاع القرار الأمريكي إلى ضرورة إعادة إعمار أفغانستان، وإعادة بناء الدولة بعد غزوها عسكريًا لإسقاط «طالبان» وتدمير تنظيم «القاعدة.» وشاءت ظروف عملي مراسلًا صحفيًا في ألمانيا أن أكون مُراقبًا لما سُمي بـ«مؤتمر بون الأول لأفغانستان» وباختصار بعد أن كان الرائج والمتوقع في الأيام الأولي لهذا المؤتمر هو عودة الملك السابق ظاهر شاه -الذي مثّله وفد في المؤتمر- إلى رئاسة الدولة إما ملكًا دستوريًا أو رئيس جمهورية برلمانية، تحوّلت الدفة في منتصف أعمال المؤتمر إلى استبعاد هذا الحل كلية، والاتفاق على شخص حامد كرزاي رئيسًا جديدًا. وفُهم أن ذلك التحوّل حدث بضغط أمريكي مكثف، فكانت تلك بداية غير مشجعة، بما أن كرزاي اعتُبر صنيعة أمريكية، وبما أن جميع إخوته كانوا يعيشون في أمريكا، في حين أن الملك ظاهر شاه لم يكن ليُعتبر صنيعة أمريكية، فهو ملك ابن ملك حفيد ملك. وكان الانقلاب عليه هو بداية كل مآسي أفغانستان. أو كما يقول ستيف كول أستاذ الصحافة بجامعة كولومبيا الأمريكية، وكاتب الرأي في مجلة نيويوركر، ومؤلف كتابين مهمين حول أفغانستان «فإن واشنطن فعلت ما فعلته في العراق بعد ذلك، فجاءت برجالها من المنفيين الأفغان الي حكم البلاد، ولم تبال بتفضيلات أهل البلد.» كما رفضت الاعتراف بالتحالف الشمالي، الذي لعب دورًا كبيرًا في الانتصار على السوفيت، وكانت قواته هي التي دحرت «طالبان» على الأرض تحت القصف الجوي الأمريكي، بل رفضت واشنطن أيضًا الاعتراف بحكومة برهان الدين رباني التي ظلت تشغل مقعد أفغانستان بالأمم المتحدة، تأكيدًا لعدم اعتراف المجتمع الدولي بحكومة «طالبان»

من هُنا نفهم لماذا لقي وصف حركة طالبان لحكومة كرزاي وخليفته أشرف غني بـ«حكومات الدمى» مصداقية داخل أفغانستان نفسها. وإضافة إلى ذلك، فقد واصل الأمريكيون (من السياسيين والعسكريين) ارتكاب الأخطاء التي تنزع أية مصداقية عن الحكومات التي نصبوها، فيعترف  كاتب أمريكي آخر هو جوشوا بارتلو  بأن القوات الأمريكية في أفغانستان كانت أفظع كثيرًا من القوات السوفيتية ضد المدنيين (مذبحة تورا بورا في 2001 مجرد مثل واحد)، كما يضرب مثلًا آخر بحفلات إحراق القرآن الكريم التي دفعت كرزاي نفسه إلى وصف الجنود الأمريكيين بأنهم شياطين.

المدهش أكثر فيما يتعلق بمقولة «حكومة الدمى» أن إدارة الرئيس دونالد ترامب الأمريكية أقرّت بها، ورضخت لشرط حركة طالبان عدم إشراك هذه الحكومة في مفاوضات الدوحة للسلام التي أفضت لاتفاقية الانسحاب الأمريكي. ونصّت تلك الاتفاقية على أن يكون موعد الانسحاب هو الأول من مايو الماضي، فكان ذلك بمثابة نزع ورقة التوت الأخيرة عن عورة النظام الذي أقامته واشنطن برئيسه ووزرائه وجيشه وكل ما يمت له بصلة، وهذا هو ما يفسر ما قاله الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن إن جيش الحكومة الأفغانية كان لا يريد القتال.

كل ذلك إذا أُضيف إليه تفشي الفساد المالي في صفوف السياسيين والجهاز الإداري وقيادات الجيش والشرطة، يشرح لماذا ضاع مبلغ التريليون دولار وسائر معونات دول «الأطلنطي» طوال عشرين عامًا هباءً منثورًا، دون أن تُوضع طوبة واحدة في أساس بناء الدولة الأفغانية.

يتحتم الآن أن نتساءل هل كان من المؤكد أو الأغلب أن تكون فرصة الولايات المتحدة والعالم في بناء الدولة الأفغانية أسهل وأفضل لو أن ذلك حدث في أعقاب الانسحاب السوفيتي؟

إجابتي هي نعم. بسبب نشوة الانتصار من ناحية، ومن الأخرى بسبب رصيد الثقة الكبير وقتها في الأمريكيين من جانب معظم الفصائل الأفغانية بعد كل ما قدمته أمريكا لهم في الحرب ضد السوفييت، وبالطبع ما كان ليحدث أن تتوجه عمليات الإرهاب الجهادي إلى أمريكا نفسها.

يبقى سؤال ماذا بعد؟

أولًا: لا بُد من استبعاد نظريات المؤامرة الصبيانية عن اتفاق أمريكي - طالباني ضد الصين وروسيا، على الأقل بحكم التحالف الطالباني - الباكستاني، بما إن باكستان حليف جيوبوليتيكي رئيسي للصين ضد الهند. كما أن زوال الحكم الشيوعي من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي الأسبق الإسلامية ينفي حاجة «طالبان» لاستئناف الجهاد ضد الشيوعية (الكافرة) وتتبقي المصالح والتناقضات الجيوبولتيكية والتداخلات القبلية التي يسهل إدارتها نسبيًا.

ثانيًا: يتراوح التنبؤ  بأداء «طالبان» الإقليمي والدولي بين حدين الأول هو مدى استيعاب الحركة أو الجيل الجديد من قياداتها لدروس الماضي خاصة وأن أمريكا الُمنسحبة لن تتوانى عن الردع بكل قوة إذا تجددت رعاية «طالبان» الإرهاب. والحد الثاني هو ديناميات القصور الذاتي القواعد والقيادات التي لا تزال على تطرفها في الحركة  للدفع نحو أعمال عدائية وإقصاء ضد مخالفيها دينيًا أو مذهبيًا أو ثقافيًا في الداخل وفي الإقليم. وإذا كان سلوك القادة في الأيام القليلة الماضية بعد الاستيلاء على كابول يشي بالاعتدال، فلا بُد من الانتظار طويلًا، بل طويلًا جدًا، لتبيّن حقيقة التوجهات.

ثالثًا: سيكون من قبيل المبالغة توقع تغيير دراماتيكي في موقف واشنطن من الإسلام السياسي نتيجة عودة «طالبان» بما يؤثر على الأوضاع في عموم المنطقة، إذ لديها ما يكفي من الملفات المفتوحة في العراق وإيران ولبنان واليمن، فضلًا عن اضطراب علاقات حلفائها الخليجيين، واضطراب علاقاتها مع تركيا. كما لديها سابقة التدخل الروسي في سوريا التي تقلقها من احتمال لجوء حكومات أخرى للاستنجاد بروسيا في حالة تهديد نظم حكمهم. ثم، وبألفاظ بايدن نفسه، فإن الخروج من أفغانستان يسهّل التفرغ لمواجهة المنافسة الصينية والروسية للولايات المتحدة. وإذًا فلا وقت ولا موارد -ولا حاجة- لتحالف إسلامي أمريكي. ولا طائل من ذلك في اللعبة الكبرى.

أخيرًا، كان هذا الاستعراض، وما تخلله من تحليلات وآراء تأكيدًا مُتجددًا على العيوب الهيكلية في عملية صنع السياسة الخارجية الأمريكية، وقصر نظرها المتكرر الذي يؤدي إلى خطايا تجر ورائها سلاسل لا تنتهي من الأخطاء والنكسات، بل الفضائح، فضلًا عن ترددها الأزلي ما بين المسؤولية عن قيادة النظام الدولي، وما بين التراجع وخذلان الحلفاء.

عن الكاتب

عبد العظيم حماد

عبد العظيم حماد هو كاتب صحفي، رئيس تحرير الأهرام والشروق سابقا. حاصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة عام ١٩٧٢. ويعمل بالصحافة منذ عام ١٩٧٤.عمل مديرًا لتحرير الطبعة العربية للأهرام، ومراسل الأهرام في ألمانيا ووسط أوروبا (٢٠٠٠ - ٢٠٠٥) ​له كتب و أبحاث…

آراء أخرى

رأي
مارينا كالكولي

تفاهة التطبيع (1-3)

«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).