«سيف القدس».. بين توازن الردع وعودة الوعي
على الرغم من التفوق الهائل لآلة الحرب الإسرائيلية، ألا إن المقاومة الفلسطينية تمكنت خلال المواجهة الأخيرة من فرض ما يسمى في علوم الصراع بـ«توازن الردع المتبادل» أو «توازن الرعب» على دولة الاحتلال، فالعدو الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه التي أعلنها في بداية الهجوم على غزة، نتيجة لما ألحقته به المقاومة من خسائر على الصعيد العسكري والاقتصادي والسياسي والنفسي، أجبرته في النهاية على قبول اتفاق وقف إطلاق النار دون شرط أو قيد.
في اتصال هاتفي جرى قبل ساعات من الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار، أبلغ وزير الخارجية الإسرائيلي جابي أشكينازي نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن أن «إسرائيل بحاجة إلى أيام قليلة أخرى لاستكمال عملياتها في غزة»، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء بنيامين نيتنياهو قائلًا «إنني مصر على مواصلة هذه العملية حتى تتحقق أهدافها.. استعادة الهدوء والأمان لكم أيها الإسرائيليون».
نتنياهو أضاف، حسبما نقل عنه المتحدث باسمه أوفير جندلمان مساء الأربعاء: «كل يوم نضرب المزيد من القدرات التي تتمتع بها التنظيمات الإرهابية ونحبط المزيد من قادتها الكبار ونسقط المزيد من أبراج الإرهاب ونضرب المزيد من مخازن الأسلحة».
وفي سياق دفاعه عن الحملة العسكرية أمام مجموعة من السفراء الأجانب في تل أبيب، قال رئيس وزراء الاحتلال «إذا شعرت حماس أنها انتصرت في الصراع الأخير، فسيكون ذلك هزيمة للغرب بأسره.. هناك طريقتان فقط في التعامل مع حماس، إما أن تغزوهم، وهذا احتمال دائما قائم، وإما أن تردعهم، ونحن منخرطون الآن في ردع قوي لهم».
جريدة «يديعوت أحرونوت» العبرية حذرت منتصف الأسبوع الماضي من القبول بالحلول الوسط أو وقف إطلاق النار قبل أن تحقق العملية أهدافها، وكتبت تحت عنوان «التعادل غير مقبول»: إن تلك الحرب يجب أن تنتهي بانتصار إسرائيلي حاسم والوصول إلى أقصى النقاط المركزية للمقاومة داخل قطاع غزة؛ لأن أي نتيجة أخرى غير الانتصار سيستغلها العدو لصالحه، مؤكدة أن الوصول إلى حل وسط بوقف إطلاق النار والمواجهات الحالية أو عدم توسيع العملية العسكرية أكثر سيؤدي إلى الهزيمة في المواجهة المقبلة.
العملية التي أطلقت عليها إسرائيل «حراس الأسوار» والتي استغرقت 11 يومًا، وخلفت أكثر من 230 شهيدًا بينهم 65 طفلًا و39 امرأة، صعدت الضغوط على حكومة الاحتلال، سواء من الداخل الإسرائيلي الذي عاش أيام الرعب في الملاجئ والمخابئ بعد أن طالت صواريخ المقاومة قلب إسرائيل، أو من المجتمع الدولي الذي رفض ضميره الإنساني استمرار آلة القتل الإسرائيلية في حصد أرواح مسالمين عزل، وهو ما دفع الحكومات الداعمة للكيان الصهيوني إلى الدفع في اتجاه الوصول لوقف إطلاق النار.
قبل 48 ساعة من إعلان الهدنة اشترطت الحكومة الإسرائلية أن توقف المقاومة عملياتها العسكرية من جانب واحد ولمدّة ساعتين إلى ثلاث ساعات، قبل أن تقرر «تل أبيب» ما إذا كانت ستفعل الشيء نفسه، وهو ما رفضته المقاومة في حينه معلنة أنها لن توافق إلا على وقف «متزامن ومتبادل» لإطلاق النار.
وفي مساء الخميس 20 مايو اجتمع مجلس الوزراء الأمني الإسرئيلي وقبل بالإجماع توصية جميع العناصر الأمنية -رئيس الأركان، ورئيس الشاباك، ورئيس الموساد، ورئيس مجلس الأمن القومي- بقبول المبادرة المصرية بوقف إطلاق نار «متبادل ومتزامن وغير مشروط»، وهو ما اعتبرته حركة حماس «إعلان هزيمة وهروب من الميدان أمام ملحمة النصر التي تسطّرها المقاومة»، بحسب القيادي الحمساوي مشير المصري، الذي أكد أن المقاومة تمكنت بوحدة موقفها وثورة شعبها من أن تخترق حصون العدو، وتبدّد أوهامه، وتفرض قواعد اشتباك جديدة.
عدد من نواب الكنيست الإسرائيلي اعتبروا قبول وقف إطلاق النار غير المشروط هزيمة لإسرائيل، وقال النائب جدعون ساعر رئيس حزب «أمل جديد»، إنّ «وقف القتال ضد حماس على نحو أحاديّ الجانب، سيكون ضربة خطيرة للردع الإسرائيلي»، فيما أكد النائب اليميني إيتمار بن غفير أن «وقف النار بصقة في وجوه سكان الجنوب»، مضيفًا «لن نقدم الدعم إلى نتنياهو بأي ثمن».
صواريخ المقاومة ووحدة وصمود الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والأراضي المحتلة وتعاطف شعوب العالم الحية، أجبر إسرائيل على الانسحاب من جولة الصراع الأخيرة، بعد أن فرضت الفصائل الفلسطينية قواعد اشتباك جديدة تمكنت بها من هز كيان دولة الاحتلال وإلحاق خسائر مادية وسياسية ونفسية هائلة، ستدفعها بعد ذلك إلى إعادة النظر في استراتيجيتها العدائية قبل أن تفكر في أي عدوان جديد.
من جهة أخرى لم يتمكن جيش الاحتلال من تحقيق أهدافه المعلنة، فالمقاومة لا تزال قائمة بل أنها خرجت من معركة «حارس القدس» أكثر قوة وقدرة على التعامل مع غطرسة المحتل، واستطاعت الفصائل الفسلطينية أن تفرض نفسها كرقم مهم في المعادلة الإقليمية والدولية.
انتهت المعركة ولا تزال حركة حماس تمتلك أكثر من 14 ألف صاروخ، بعضها طويلة المدى ويمكنها الوصول إلى عمق إسرائيل مثل تل أبيب وحيفا وإيلات، ونقلت تقارير صحفية عبرية أن «الجيش الإسرائيلي لم يكن يعلم أن حماس لديها صاروخ يمكن أن يصل إلى منطقة إيلات حتى يتم استخدامه»، في إشارة إلى صاروخ «عياش 250»، وسلطت تلك التقارير الضوء على الخسائر الفادحة للاحتلال الإسرائيلي جراء إطلاق المقاومة نحو أربعة آلاف صاروخ من قطاع غزة باتجاه مدن إسرائيلية.
جريدة «جروزاليم بوست» الإسرائيلية، أشارت إلى التكلفة الباهظة جدًا لاعتراض كل صاروخ محلي الصنع يطلقه فلسطينيون من غزة، «في القتال المستمر بين إسرائيل وحماس حول أي طرف يمكنه الصمود أكثر من الآخر ومن سيبدو أكثر يأسًا لوقف إطلاق النار أولًا، فإن القضية الرئيسية هي التكلفة»، مضيفة: من المعروف أن صواريخ القبة الحديدية المعترضة تكلف أكثر بكثير من صواريخ حماس التي تسقطها، مشيرة إلى أن هذه التكلفة تقدر بـ50 إلى 100 ألف دولار لكل اعتراض، بينما تكلفة صاروخ حماس تقدر ما بين 300 إلى 800 دولار للصاروخ الواحد.
ونقلت جريدة «يديعوت أحرونوت» عن مصدر في وزارة المالية الإسرائيلية، أن حجم الأضرار الناجمة عن 11 يومًا من القتال، بلغت ضعف الخسائر خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع عام 2014، «الخسائر الاقتصادية لإسرائيل في الحرب الأخيرة بلغت نحو سبعة مليارات شيكل (2.14 مليار دولار)، وفقًا لتقديرات أولية غير رسمية».
وقال المصدر للجريدة إن «الخسائر بلغت نحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بخسائر 0.3% من الناتج المحلي خلال حرب عام 2014». ويشمل ذلك الأضرار التي لحقت بالنشاط الاقتصادي، وانخفاض الإنتاج في المصانع والانخفاض الكبير في الاستهلاك الخاص، والتكاليف التي تكبدها الاقتصاد بسبب النشاط الحربي.
وتقول هيئات اقتصادية وخبراء في مجال الاستثمار إن الأضرار التي لحقت بالناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل -جراء العملية العسكرية- يمكن أن تصل إلى ما بين 0.6% إلى 0.8% مع حساب دقيق للخسائر.
بعد أيام من اندلاع الحرب أعلنت شركة شيفرون الأمريكية للطاقة إغلاق منصة «تمار» للغاز الطبيعي قبالة ساحل إسرائيل في شرق البحر المتوسط بناءً على تعليمات من وزارة الطاقة الإسرائيلية، بعد استهداف المقاومة الفلسطينية للمنصة، وكانت سلطات الاحتلال قد أعلنت في رابع أيام العدوان إغلاق مهابط مطار «بن جريون» بشكل كامل بعد استهدافه من قبل صواريخ المقاومة، واستخدام مطار «رامون» في مدينة إيلات، أقصى جنوب إسرائيل، بدلًا منه، فاستهدفت صواريخ المقاومة مطار «رامون»، وهو ما دفع العديد من شركات الطيران حول العالم إلى تعليق رحلات الطيران من وإلى إسرائيل، وبالتزامن أغلقت مدن هرتسليا وتل أبيب وبات يام شواطئها أمام الزوار بعد تعرضها للقصف، وهو ما عرض قطاعي الطيران والسياحة لخسائر فادحة.
وبعد ثلاثة أيام فقط من بداية المواجهات، أعلن اتحاد المصنعين الإسرائيليين، أن قطاع التصنيع خسر 160 مليون دولار خلال الثلاثة أيام الأولى، وذكرت جريدة «جلوبس» الإسرائيلية، أن «تحليل قسم الاقتصاد في اتحاد المصنعين يُظهر أن الضرر الاقتصادي التراكمي للتصعيد الأمني في الأيام الثلاثة الماضية للاقتصاد بأكمله يُقدر بنحو 540 مليون شيكل (160 مليون دولار)، أي نحو 180 مليون شيكل (54 مليون دولار) لكل يوم إضافي من القتال».
وأوضحت أن التقييم يشير إلى الأضرار التي لحقت بأنشطة الأعمال والمنشآت الصناعية وفقًا لإرشادات قيادة الجبهة الداخلية بالجيش الإسرائيلي، والتي بموجبها لم يتم إجراء أي عمل بدوام كامل في المناطق الجنوبية والوسطى.
وأفادت بأن هذا التقدير لا يأخذ في الاعتبار الخسائر المالية الناتجة عن الأضرار المباشرة التي لحقت بالمصانع، والأضرار التي لحقت بالأرباح، وغير المباشرة كالإضرار بالسمعة مع عملاء الخارج، وإلغاء المعاملات، وعدم الامتثال للجداول الزمنية، والمتوقع أن تكون أعلى بكثير عند حصرها نهاية العملية العسكرية.
الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية رغم فداحتها ليست هي بيت القصيد، فتداعيات المواجهة السياسية والنفسية ستؤثر ليس على مستقبل نيتنياهو السياسي فقط بل على دولة إسرائيل ذاتها التي تعرضت لـ «جحيم الصواريخ المتساقطة»، بحسب تعبير جريدة «معاريف» قبل أيام.
وتحت عنوان «الدولة تحترق»، قالت الجريدة إن صواريخ الفصائل الفلسطينية جعلت الإسرائيليين يعيشون أوقاتًا من الرعب والفزع، «إسرائيل لم تعد تمثل نفس قوتها العسكرية والسياسية مثل السابق.. حركة حماس الذراع الكبرى للمقاومة أصبحت تمتلك أسلحة تمكنها من الردع والرد على أي تجاوز إسرائيلي»، ولهذا اعتبرت «معاريف» أن إسرائيل تعيش أيامًا قاسية شديدة التعقيد.
وشنَّت الجريدة، حملة قوية ضد الحكومة الإسرائيلية وحمَّلتها «التقصير الكبير فيما وصل له الحال داخل تل أبيب، وحالة الهلع التي يشعر بها المواطنون»، مؤكدة أن هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها الرأي العام العبري بوجود عشوائية وتخبط في إدارة الأزمات العسكرية، بالرغم من أنه من المفترض أن جهاز الأمن العام «شاباك»، يمتلك كل التفاصيل التي يحتاجها الجيش للتعامل بشكل أفضل مع التصاعد المستمر.
وتحت عنوان «انتصار الآخر» اعترفت «يديعوت أحرونوت»، بقدرات المقاومة العسكرية التي اخترقت قلب إسرائيل بقوة وقسوة، وجعلت الإسرائيليين يشعرون بالفزع والهلع منذ وقت طويل، خاصة أن الصواريخ كانت شديدة الدقة والتوجيه.
واعتبرت الحريدة أن القيادة الإسرائيلية تعاملت بتهاون واستخفاف مع قدرات العدو، «لم يتوقعوا أن تصل قوة الردع لهذا الشكل الدامي والمتتالي»، ودعت إلى إعادة هيكلة أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية «يبدو أن كل المعلومات التي يصرح بها قادة تلك الأجهزة بأن المقاومة الفلسطينية لا تمتلك أي إمكانيات أو صواريخ قادرة على تدمير تل أبيب كانت معلومات خاطئة».
أما جريدة «هآرتس» فسلطت الضوء على بعد آخر من الخسائر بعيدة المدى، مشيرة إلى عمليات النزوح الجماعي التي قام بها سكان مستوطنات غلاف غزة بعد أن أفقدتهم صواريخ المقاومة الشعور بالآمان فتحولت أحيائها إلى مناطق أشباح.
وكتب المحلل السياسي لـ«هآرتس» جدعون ليفي، قائلًا «وجهتنا يجب أن تكون لأوروبا، وعليهم أن يستقبلوننا كلاجئين... أعتقد أن هذا أفضل من أن نؤكل أحياء من قبل العرب».
جملة ليفي العابرة عن واجهة الإسرائيليين المقبلة، لخصت حجم القلق داخل إسرائيل من موجات الهجرة العكسية، فالدولة التي كانت تتباهى بأنها واحة آمنة قادرة على جذب يهود العالم، صارت مدنها محاطة بالأخطار، لا يعرف سكانها من أين ستأتي الضربة القادمة هل ستسقط من السماء في صورة قذائف ترسلها المقاومة أم من عرب الداخل الذين شاركوا في مواجهات ومسيرات وإضراب ورفعوا أعلام فلسطين على مؤسسات دولة الاحتلال.
دولة الاحتلال التي قامت على هجرة اليهود إليها من دول العالم، باتت مهددة وملاحقة بسلاح الهجرة العكسية، ومع ارتفاع منسوب القلق من عدم قدرة جيش الاحتلال على تحقيق الأمان لسكان إسرائيل سيتفوق ميزان الهجرة العكسية مقابل الهجرة القادمة، (سجل عام 2020 تفوقًا في ميزان الهجرة العكسية من إسرائيل إلى الخارج بـ74.9% مقابل 73.4% لمهاجرين يهود قادمين من الخارج).
وكما ضربت صواريخ المقاومة الاقتصاد الإسرائيلي وعرضت حكومة نتنياهو إلى خسائر سياسية فادحة، ووضعت استقرار دولة الاحتلال على المحك، أفسدت عملية «حارس القدس» رهان التطبيع بين «تل أبيب» والعواصم العربية، فالشارع العربي التف حول المقاومة الفلطسينية وتسابق المواطنون العرب على التبرع بالمساعدات المادية والعينية للفلسطينيين، بحسب ما رصدته «هآرتس» العبرية، «وهو عكس ما حاول نتنياهو نقله للمواطن الإسرائيلي طيلة الأشهر الماضية حول الاتفاقيات والصداقات التي دشنها مع بعض من الدول العربية، والتي اعتبر بموجبها أن العرب أصبحوا غير مهتمين بالقضية الفلسطينية، وهو ما ثبت عكسه فور اندلاع الاشتباكات».
أخيرًا، فأن معركة «سيف القدس»، التي هددت أمن المحتل وكبدته خسائر طائلة، وربطت بدماء شهدائها بين مشروع المقاومة وسلاحها والمواطن الفلطسيني في مدن الضفة وغزة وعرب 48، وجعلت من «حماية القدس» أحد أهم أهدافها، ثبتت بوصلة وعي الشارع العربي، وأفشلت مساعي حكومات التطبيع المجاني التي حاولت تغيير العقيدة التي ورثناها عن أسلافنا، لتظل إسرائيل هي العدو الأول للعرب، فمهما طال الزمن وتعاقبت الأجيال وحاول المحتل وحكومات القمع العربية طمس القضية ستعود الحقوق حتمًا إلى أصحابها.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
تفاهة التطبيع (1-3)
«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»
حطام التاريخ ومعنى أن نقاوم
«الحروب تصنع سردياتها لكنها لا تذكر أسماء الجميع»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد