تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

روبي وأولئك الذين استحالوا الساحل

محمود هدهود
8 دقيقة قراءة
روبي وأولئك الذين استحالوا الساحل
Sahel

إذا كنت من هؤلاء الذين عاشوا مراهقتهم وشبابهم في التسعينيات والعقد الذي تلاها، فأنت تعرف حفلات ليالي التليفزيون. استعادت الحفلات التي أطلقها الإعلامي أحمد سمير في أواخر الثمانينيات سيرة «ليالي أضواء المدينة» التي أطلقتها هيئة الإذاعة بعد ثورة يوليو بعامين، مستعيرة اسم واحد من أشهر أفلام شارلي شابلن، لتخبو لاحقًا بخبو الإذاعة والتليفزيون، وبالأحرى خبو خطاب يوليو وصعود خطاب مايو 71 ليحل محله، لكن دعنا من السياسة مؤقتًا.

بلغت حفلات ليالي التليفزيون ذروة نجاحها بعد وفاة أحمد سمير في منتصف التسعينيات، ويمكن القول إنها في مطلع الألفية كانت تنافس على قمة الحفلات الغنائية العربية. علينا فقط أن نتذكر أن نانسي عجرم اختارت أن تكون «ليالي التليفزيون» في 2003 انطلاقتها في عالم الغناء بعد النجاح الهائل لكليبها «أخاصمك آه». لم تكن نانسي بالتأكيد هي مَن اتخذت القرار منفردة، وإنما كان ورائها جيجي لامارا، أحد صُنّاع أسطورة مغنيات الفيديو كليب اللبنانيات وأذكى مديري أعمال المطربين. راهن شويري على «ليالي التليفزيون» تمامًا كما راهن عليها كاظم الساهر، الذي لم يمنعه الجلوس على عرش الغناء العربي بنجاحات مذهلة من أن يأتي إلى تلك الحفلات في مصر حتى 2007. الأغرب أنه كان يفعل ذلك بدون أجر خاص!

إذا ذُكر كاظم الساهر فلا بد أن يُذكر منافسه الأوحد تقريبًا في مصر، عمرو دياب. كان هذا هو السؤال الذي يشغلني وقتها، لماذا لا أشاهد عمرو دياب «المصري» في ليالي التليفزيون كما أشاهد «العراقي» كاظم الساهر؟ يمكنه أن يشترط ككاظم إفراد ليلة مستقلة له حتى لا ينازعه فيها شريك قد يوسوس له شيطانه أنه بمشاركته النجم ليلته يمكن أن ينازعه العرش.

2004، بينما كان عدد من المطربين المصريين والعرب يغنون في قاعة المؤتمرات في القاهرة في بث مباشر على التليفزيون المصري، ظهر في بث مباشر على «روتانا» عمرو دياب الذي يشبه البوصلة الزمنية التي تشير دومًا إلى المستقبل. ربما هو مَن يصنع المستقبل فيكون كالنبوءة التي تحقق ذاتها، لكنه أيضًا يمتلك حساسية شديدة تجاه الزمن. تشعر بأن لديه فزعًا مستمرًا من أن يصبح موضة قديمة. دياب صعد المسرح بقميص «كَت» يبرز عضلاته المفتولة في وقت كان فيه «الجيم» وموضة «الفورمة» ما زالا محدودي الانتشار إلى حد ما. (في 2002، اتجهت «ليالي التليفزيون» إلى مارينا، لكنها سرعان ما عادت من هناك وتركت الساحة لمَن يناسب المكان).

2007، ماتت «ليالي التليفزيون» إكلينيكيًا. كانت تبدو كأنها سباحة ضد الزمن. استعادة لعصر الدولة في عصر رأس المال. زمن جمال عبد الناصر في زمن جمال مبارك، أو زمن مبارك صاحب الشعر الخشن والبدلة الصيفية في زمن مبارك صاحب الشعر المصفف جيدًا والبزات الأنيقة. حفلات مارينا استمرت، وعمرو دياب مازال يحييها. ربما تتزحزح حاليًا إلى الغرب قليلًا نحو الساحل الشمالي الجديد، لكن لا تزال عضلاته مفتولة كما هي.

من شرم إلى الساحل

شهدت الثمانينيات صعودًا متوازيًا لكل من مارينا والساحل الشمالي في الغرب، وشرم الشيخ والغردقة في الشرق. منذ أواخر التسعينيات، تحولت المنطقتان إلى المصائف الرسمية للميسورين المصريين. مع ذلك، ظل الاختلاف قائمًا. شرم الشيخ، معشوقة مبارك ووجهة صديقه حسين سالم الذي أسس هناك فندقه «غزالة»، توجهت بوصلتها نحو جذب سياحة الشواطئ المربحة إلى مصر. «شرم» وجهة للسياح الأجانب أكثر مما هي وجهة الأثرياء المصريين. في 2000، بدأت سلسلة من الأفلام تتخذ من شرم الشيخ مسرحًا لها، حتى ظهرت مقولة ساخرة في حقل الإنتاج السينمائي: «إذا أردت أن تصنع فيلمًا، فخذ كاميرا واطلع على شرم». أذكر من بين تلك الأفلام «شورت وفانلة وكاب» (2000) أحد الأفلام التي أسست لانطلاقة أحمد السقا، و«اتفرج يا سلام» (2002)، و«سنة أولى نصب» (2004). الأفلام الثلاثة لا تحكي قصة مجموعة من الأثرياء، بل الشباب الذين يتجهون إلى شرم الشيخ بحثًا عن عمل في النشاط السياحي المُزدهر هناك. لدينا كذلك «أحلام عمرنا» (2005) الذي لا يجعل «شرم» موطنًا لفرص العمل فحسب، بل فرصة لبناء أحلام ريادة الأعمال، ومواجهة الرأسمال الكبير في إطار دعم من الدولة.

هل يذكر أحدكم فيلمًا عن «مارينا»؟ أنا لا أذكر. لا أعرف أن أحدًا كان ييمم وجهه شطر المدينة الساحلية وما بعدها، كمراقبًا، بحثًا عن عمل، فضلًا عن البحث عن فرصة لريادة الأعمال، أو حتى للنصب وسرقة السياح كما في «سنة أولى نصب». على بحر آخر، في الجهة المقابلة، مارينا مخصصة للأثرياء المصريين، مغلقة لهم، حتى في وجه السياحة الأجنبية التي لم تتوسع مارينا والساحل في جذبها تجنبًا لما قد تجره وراءها من المصريين بمشاكلهم. شهد 2006 انطلاق مشروع جولف بورتو مارينا الذي كانت إعلانته تقول أنه مزوّد بـ«مرسى يخوت» في إشارة إلى طبيعة العملاء المستهدفين.

بينما برز اسم حسين سالم في شرم الشيخ، كانت مارينا تحت قيادة صديق الرئيس الآخر، وآخر رئيس وزراء في عهده، الفريق أحمد شفيق. اليد الأمينة للفريق رعت مارينا، فبينما كانت الكهرباء تنقطع في مصر كلها، كان لدى مارينا محطة كهرباء خاصة ومحطة للتزود بالماء العذب. كل ما يضمن أن يحمي المدينة في عزلتها عن مصر.

بعدما بدأ «التايم شير» على يد «عامر جروب» يسمح بحضور أوسع لشرائح اجتماعية متنوعة في مارينا، استمر «الزحف المقدس» غربًا حفاظًا على «النقاء الطبقي» (التعبير هنا لسلمى حسين).

الأبارتهايد الطبقي

وفقًا للبيانات المُتاحة، لا تمثل مصر حالة متطرفة في اللامساواة الاجتماعية بين الطبقات المختلفة. على سبيل المثال، تسجل مصر في معدل «جيني» للتفاوت في الدَخول 31.5 نقطة، وهو رقم مقبول جدًا إذا ما قورن بالدول النامية وصاحبة الدخول المنخفضة. رغم ذلك، ثمّة شيء يميز اللامساواة في مصر، وهو الفصل الطبقي.

تحرص الطبقات العليا في مصر على الانفصال مكانيًا عن سائر الشرائح الاجتماعية. تحاول تلك الطبقات تبرير ذلك بأنها فقط تبحث عن أماكن ذات مرافق أفضل وأمان أكبر. في الواقع تدرك تلك الطبقات أن هذه المبررات ليست هي كل شيء. فهناك رغبة في التمايز في حد ذاته، الفصل، تصور أن بالإمكان خلق يوتوبيا طبقية معزولة عن سائر المصريين بكل مشكلاتهم.

الساحل هو أحد رموز هذا الانفصال اليوم. مصيف معزول، كلما تعمقت فيه غربًا زادت عزلتك عن المصريين. بينما نمت مدن ذات سكان مقيمين في الغردقة وشرم الشيخ، ما زال الساحل مكانًا للمصطافين والباحثين عن الرفاهية فقط. الكود الطبقي ما زال مفروضًا بصرامة تزعزت كثيرًا بعد الثورة في شرم والغردقة مع غزو الطبقة الوسطى للفنادق الموشكة على الإفلاس في غيبة السياح. العزلة في الساحل، يجب أن تكون كاملة قدر الإمكان، لذلك لا يسمح بدخول الكاميرات، سواء كانت كاميرات السينما التي لم تترك زاوية في شرم الشيخ إلا التقطت فيها مشهدًا، أو كاميرات التليفزيون التي قد تجعل حياة الطبقة العليا مرمىً للنقد الاجتماعي.

حفلات ليالي التليفزيون كانت تحمل المفارقة في اسمها في حد ذاته، هي حفلة ذات جمهور على الأرض، ومُذاعة في التليفزيون. حفلات الساحل ليست كذلك، يجب أن يبقى الوصول إلى تسجيلاتها صعبًا بقدر ما، حتى تظل حياة الطبقة العليا آمنة حتى من النقد بأكبر قدر ممكن.

الكود الطبقي في حفلات الساحل يجب أن يبقى صارمًا، فيسمح فقط بـ«التربون»، وهو شكل من الحجاب يمكن ألا تكون صاحبته فلاحة. يمكن مقارنة نوعية الجمهور الذي يحضر حفلات الساحل بالجمهور شديد التنوع والعفوية الذي كانت الكاميرات تصوره في «ليالي التليفزيون» حيث كانت التذاكر تُباع في روكسي والمهندسين. رغم إن الحفل لن يُذاع على التليفزيون غالبًا، فإن إخراج المشهد يجب أن يكون رائعًا، لأن المُنتج الوحيد في الواقع الذي يقدمه منتجو الحفل ليس سوى المشهد. لا موسيقى أو غناء أو إيروتيكية، فقط المشهد.

من عمرو إلى روبي

شخصيًا لستُ من معجبي الفنانة روبي، مع ذلك أتفهم تمامًا إعجاب الآخرين بها، لذلك ليس النقاش هنا حول هل روبي overrated أم أنها هي بالفعل تلك الحالة الباهرة التي كتب عنها الراحل البراء أشرف «ستة أسباب للحنين إلى روبي» بل السؤال هو هل روبي، على افتراض أنها تلك النموذج للفتاة المصرية السمراء المثيرة، تمثل أي نوع من الثقافة المضادة؟

في الواقع لم تكن مسيرة روبي منذ صعودها على يد حرفي آخر موازٍ لجيجي لامارا في حالة نانسي عجرم، هو شريف صبري، تحمل أي نوع من التمرد على المنظومة، بل كانت تسير وفق الكتالوج. فتاة تعتمد على جسدها في الترويج لنفسها. الاحتفاء بسمار روبي أو جرأتها أو خفة ظلها هنا لا معنى له، فهو يشبه إعجاب المستشرق بسحر الشرق الذي ليس له وجود سوى أنه ليس غربيًا. كأننا نتعجب لأن لدينا فتاة سمراء لكن جميلة، محلية لكن جريئة. نتعجب من أنفسنا لأننا نكتشف أننا لسنا على مقاس ما يقوله الآخرون عنّا، بينما لدينا في الواقع طوال الوقت السمراء المحلية الجريئة، من سامية جمال إلى معالي زايد.

في الأخير، لا ينبغي أن نتشدد كثيرًا في نقد روبي بسبب شروط حفلها المتعالية، فروبي غالبًا لا تعرف كثيرًا عن كل ذلك، وإنما يعود الأمر برمته إلى مديري الأعمال ومخرجي المشهد المحترفين، وتدرك روبي غالبًا أنها ليست أكثر من عنصر في هذا المشهد. ما يجب أن نلتفت إليه هو أن روبي ليست استثناءً. إنها جزء من الثقافة المهيمنة وليست جزءًا من أي شيء مضاد. إنها بسمارها ومحليتها لا تختلف في شيء عن مظهر عمرو دياب الغربي وعالميته.

إنها ثقافة الذين استحالوا الساحل، وهو تعبير للراحل علاء ولي الدين الذي أورده كنكتة بينما هو ليس بالخطأ اللغوي، فالاستحالة هي التحول، فتعني استحالوا الساحل أنهم صاروا هم أنفسهم والساحل شيئًا واحدًا. وهي ثقافة غامضة بلا معالم، تمامًا كتلك المدن الساحلية السياحية التي تشبه بعضها. ثقافة مع التربون ضد الـ«هوت شورت». ثقافة قوامها المشهد الذي يجب أن يرتدي فيه الجميع أبيض رمزًا للخواء المطلق.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
نبيل الهادي

10 آﻻف كيلومتر بالدراجة.. وأكثر

«هذه الماكينة تحارب التغير المناخي، ولكن من واقع تجربتي فإنها يمكن أن تفعل أكثر من ذلك بكثير»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).