تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

10 آﻻف كيلومتر بالدراجة.. وأكثر

نبيل الهادي
9 دقيقة قراءة
10 آﻻف كيلومتر بالدراجة.. وأكثر
تصوير: رويترز

في مقال بعنوان «ولد ليتحرك»، كتبت صحفية «نيويورك تايمز»، جريتشن رينولدز، لتشير إلى دراسة عن الإنسان الصيّاد وجامع الثمار فى تنزانيا، وقالت إن هؤلاء البدو تمتعوا بصحة ممتازة لقلوبهم، وتساءلت: هل نحارب آلاف السنين من التطور لما فيه مصلحة أبداننا عندما نجلس مستكينين طوال اليوم؟ 

استخدمتُ الدراجة لأول مرة كجزء من ذهابي للجامعة في ربيع 2011، ثم بدأت باستخدامها أكثر مع بداية تدريسي لمقرر عن الدراجات والعمارة من مارس 2013 وحتى ربيع 2017. ووثّقنا في كتاب «بدِّل، اركب، ونمّي» لثلاث من السنوات الأربع التي درّسناها. كنت في خلال تلك السنوات أقود الدراجة في الجامعة، ثم بدأت من عام 2017 في الذهاب بانتظام للجامعة بالدراجة، إذ رأيتُ أنه من غير المنطقي أن أُدرّس أهمية ومزايا الدراجة في التنقل وألا أقوم بذلك بنفسي، وبقيت كذلك ثلاث سنوات حتى بدأت الجائحة.

عندما بدأ الإغلاق الجزئي في النصف الثاني من مارس 2020، اضُطررت للتوقف عن استخدام وسيلتي اليومية في التنقل، مترو الأنفاق. ولأنني أدركتُ فضل الحياة دون سيارة والابتعاد عن الضغط العصبي والاستفزازات اليومية، فكنت لا أقود السيارة أكثر من مرة واحدة في الأسبوع أو أكثر في قليل من الأحيان. قررتُ حينها أن أجرّب الذهاب إلى مكتبي الخاص بالدراجة، وهو على بعد حوالي 12 كيلومتر من بيتي، ولدهشتي وجدت أنني أقطع المسافة بالدراجة في حوالي 50 دقيقة، وهو نفس الوقت الإجمالي الذي كنت استغرقه في الذهاب بواسطة المترو مع ما يسبقه وما يليه من سير على قدميّ. الألطف من ذلك، أنني كنت أصل المكتب غير مرهقًا وفي حالة جيدة، و تذكرت بالطبع ما كنت أُدرّسه من أن الدراجة هي أكثر أدوات التنقل كفاءة في استخدام الطاقة، حتى أنها أكثر كفاءة من المشي. 

هكذا بدأتُ في قطع مسافة إجمالية يومية قدرها 25 كيلومتر، ستة أيام في الأسبوع على مدى العشرين شهرًا الماضية.. رحلة لا أتوقف فيها إذا كان الجو ممطرًا أو حتى عاصفًا، بل أن الأفكار تنساب إليّ فيها. أتخيل حارة عريضة للدراجات يفصلها عن الشارع خندق سطحي يعمل على تجميع مياه الأمطار وقت الشتاء، وتعمل النباتات البرية فيه على تنقيتها ثم تركها تنساب للمياه الجوفية بدلًا من أن تتبخر.

كان لاكتشافي أن الذهاب عن طريق كورنيش النيل هو مساوٍ في الزمن والمسافة لذهابي عن طريق الأوتوستراد تأثيرًا كبيرًا على استمراري حتى الآن فى القيام بتلك الرحلة اليومية. الفائدة الكبرى للقيادة بمحاذاة النيل شممتها مباشرة في جودة الهواء وشعرت بها في رؤية النيل وسماع أصوات بعض الطيور ورؤية القليل منها مع الطيور المهاجرة. من حسن حظي بالطبع أن المنطقة من كورنيش النيل جنوب المعادي بها عدد أقل من النوادي والمباني التي تعيق رؤية النيل مباشرة، وأيضًا من حظي أن حجم المرور عليه أقل نسبيًا من أجزاء أخرى من الكورنيش. يظل عبور طريق الكورنيش أربع مرات يوميًا هو أكثر ما يواجهني من تحدٍ، وإن كان حتى الآن يمر بأمان.

لم يسخر منى إلا قليل، وإن كنت أراها أقرب للمعاكسة. بينما ابتسم لي كثيرون وعرضوا المساعدة أحيانًا. ناداني بعضهم بالحاج أو الخال أو العم أو حتى الجد. ولم أتسبب في أذى كبير لأحد (في الحقيقة اصطدمت مرتين خفيفًا بأشخاص يهموّن بعبور الشارع). ولكني سقطت بدراجتي في أحد الحفر العميقة لمشروع الصرف الصحي (ألوم نفسي جزئيًا في تلك الحادثة) ووجدت بعدها الأيادي تمتد إليّ لأعود وأكمل رحلتي. صحيح أنني أصبت بسحجات في رأسي وركبتي، ولكنها لم تسبب أذى كبيرًا، وتمنيت ألا يكون آخرون أقل حظًا مني مع تلك الحفرة.

يمكنني ضبط إيقاع حياتي مع الشروق والغروب، مع تجنب فترات الحر في الصيف الممتد أغلب أوقات العام. لكن تبقى القيادة في الأيام الترابية العاصفة هي أكثر التحديات التي تواجهني، وإن كانت نادرة نسبيًا. 

مع الوقت، بات لديّ عدة طرق للذهاب للجامعة، فهناك طريق عمرو بن العاص وطريق الدواء، وكان هناك طريق المقياس. يبدأ طريق عمرو بن العاص من أمام المسجد، حيث أركن السيارة وأُخرج دراجتي وأعبر المترو عن طريق كوبري المشاة حاملًا إياها، ثم أعبر الكورنيش وأمر من خلال الكوبري ذي الهيكل الخشبي الغريب، ثم أقطع جزيرة الروضة حتى كورنيش النيل الهادئ، وبعد عبور كوبري عباس أقود الدراجة بمحاذاة النيل، ثم بمحاذاة حديقة الحيوان حتى أصل لمدخل الكلية.

أما طريق الدواء فيبدأ من كلية الصيدلة، والتي استخدمتها لمدة تزيد عن أربع سنوات لركن دراجتي حين كنت استخدم المترو في ذهابي للكلية، وأنطلق من بابها الخلفي المُطل على النيل بمحاذاة قصر الأمير محمد علي، ثم أتابع من شارع فرعي حتى أتجنب الهواء السيئ بجوار مستشفى قصر العيني، ثم أعود وأعبر النيل حتى محاذاة حديقة الحيوان. 

ويبدو أن هذين المسارين للجامعة في طريقهما للتغير بصورة جوهرية، حيث استكشف الآن طريقًا جديدًا، ربما يكون في أغلبه يُسلك بالدراجة، وجزء صغير منه بالمعدية. ستستمر تجربتي لهذا الطريق، التي ربما لا أتمكن من استخدامها بصورة رئيسية لأنها تتطلب مجهودًا إضافيًا كبيرًا أحتاج للتأكد من أني سأكون قادرًا عليه، بالإضافة إلى أنه يمر بأحد أكبر بؤر تلوث الهواء في القاهرة وهو ميدان المنيب.

المعدية هي وسيلة التنقل العامة الوحيدة تقريبًا، والتي تسمح لك باصطحاب الدراجة.

عندما أذهب إلى وسط المدينة، أتوقف بالسيارة بجوار باب العزب، حيث موقف سيارات غير مخطط، ولم يتسبب لي ذلك في ضيق ما، ودُهِشت حين وجدته فجأة وقد تم تخطيطه وتركيب أرضية من الانترلوك فيه، كما تم تطوير المنطقة المقابلة. لم أفهم، وقلت ربما هذا جزء من مشروع تطوير المنطقة التاريخية. ولكني بعد أيام قليلة رأيتُ صور الأمير تشارلز يسير في شارع باب الوزير، ففهمت أن هذا التطوير كان يستهدف سيادة الأمير لا مواطني القاهرة. للأسف تحول الموقف بعد تطويره إلى مكان لانتظار سيارات السياحة، وأصبحتُ مضطرًا لإيجاد مكان آخر قريب.

تساعدني قيادة الدراجة فى وسط المدينة على إنهاء ما أحتاجه في وقت أقل كثيرًا مقارنة بالسيارة، وبالطبع أرخص كثيرًا من التاكسي. ولكن رائحة الهواء في كثير من الأحيان تشير لجودة الهواء غير المناسبة لقيادة الدراجة بصورة يومية، وهو ما أجده مشكلة حقيقية في المشروع المزمع لشبكة الدراجات في وسط المدينة. لم أكن مدركًا لأهمية تلك المشكلة بصورة كافية في بداية دراستنا للدراجات الهوائية، أما الآن، فكلما كان هناك نقاش حول ذلك أشرح لمن حولي أن راكبي الدراجات -وممارسي الرياضة عمومًا- يتنفسون بعمق، أي أن الهواء يدخل حتى أعماق الرئة بينما المشاة مثلًا يتنفسون تنفسًا أقرب لسطح الرئة، والفارق أن الملوثات، وخاصة الدقيقة منها، تستطيع الدخول الرئة بسهولة من خلال ركوب الدراجات وتنفس الهواء الملوث. 

تخبرنا دراسة للبنك الدولي صدرت في نهاية عام 2019 عن تكلفة تلوث الهواء والماء، بأن مستوى الجسيمات الدقيقة في القاهرة يبلغ 87 وحدة، بينما تحدد منظمة الصحة العالمية مستوى لا يتعدى 15 وحدة حتى يمكن اعتبار الهواء ذي جودة مقبولة. نحن بالطبع لا نحتاج لقياس التلوث في أماكن عديدة فى القاهرة، خاصة إذا كانت حاسة الشم لديك طبيعية. اضطرنى هذا إلى سلك طريق قد لا تكون الأقصر، ولكنها الأكثر أمنًا من الناحية الصحية، والتعويض الحقيقي الذي أجده ويدفعني إلى الاستمرار أن الهواء الجيد غالبًا ما يرتبط بالأماكن الجميلة سواء شاطئ النيل أو الشوارع السكنية الهادئة المليئة بالأشجار.

بالرغم من أنني أرى ممر الدراجات في ممشى أهل مصر بداية جيدة للاهتمام بالدراجات، لكني أعتقد أنه يجب مضاعفة عرضه وتوفير عبور شارع آمن. كما أنني ما زلت أطمح في النظر في مقترحنا للربط بين الدراجة والمواصلات العامة، ما يصلح أكثر لكي يكوّن رؤية مستدامة، وأن نبدأ بالجامعات، حيث تتمكن الشابات من تعلم الدراجات وقيادتها في مناخ آمن. وما هو أكثر أهمية في الحقيقة هو أن التنقل بالدراجة يمكن أن يكون أحد روافع التحول للتنمية المستدامة والتخفيف من آثار التغير المناخي، حيث أوضحت أبحاث أخيرة أن ركوب الدراجات كوسيلة للتنقل أهم بعشرة أضعاف للوصول لهدف «صفر انبعاثات» في الوقت الضيق المتبقي لنا مقارنة بالسيارة الكهربية، وهذا بالتأكيد له تبعات على أولويات الإنفاق على البنية الأساسية للنقل. والأهم أن هذا يمكن أن يتم بصورة لا تثقل من كاهل الاقتصاد المصري، بل على الأرجح، وكما بينت العديد من الدراسات، فإنه يمكن أن يضيف الكثير للاقتصاد.

فلنتخيل مثلًا مشروعًا لتحويل حرم جامعة القاهرة إلى مكان مستدام، يتضمن بالإضافة لحارات الدراجات، أماكن لإنتاج الطعام فوق المباني السكنية للطلاب، كما يتضمن مشروعًا لمعالجة الماء لتوفيرها، يستخدم طلمبات تعمل بالطاقة الشمسية لري المزروعات.

أتمنى من الحكومة ومحافظة القاهرة أن تستشير راكبي الدراجات قبل البدء في مشروعها لشبكة دراجات وسط القاهرة، والذي يواجه عقبات كبيرة أهمها جودة الهواء هناك، وطبعًا ارتفاع تكلفة تلك البنية الأساسية، مع المخاطرة بعدم الاستفادة منها كما ينبغي. بينما ربما بجزء من تلك الأموال يمكن تطوير بداية لشبكة للدراجات والمشاة بجوار شاطئ النيل بما يطوّر الشاطئ ويستعيد طبيعته، بحيث لا يتبقى عليه إلا القليل للغاية من المباني المؤقتة، وربما المبنية من البوص والخشب. تخيّل أن جزءًا لا بأس به من سكان المدينة استعاد صلته بالطبيعة واستنشق أفضل هواء ممكن، ألن يعود ذلك على اقتصادنا والأهم على حياة كل منا؟

من النادر أن أرحب بالهدم، ولكن هدم المبنى الخرساني لاتحاد السباحة في إطار مشروع ممشى أهل مصر مرحب به، وأتمنى ألّا يستبدل بمبنى خرساني آخر.

ما يجعلني أشعر أن هناك أملًا أن جمعية أهلية مثل «تبديل» (جزء كبير من مؤسسيها حضروا ما أُدرّسه عن الدراجات والمدينة)، عندهم من الفهم والجدية والحماس ما يربط شغفهم بالدراجات بالبحث العلمي، وبمحاولة الدفع بالمجتمع للأمام كما يحدث الآن من خلال ما تم تشكيله من لجنة لإعداد كود مصري للدراجات من خلال المركز القومي للبحث العلمي. الطريق ولا شك طويل، ولكن التحول للأحسن والأكثر صحة والأكثر رفقًا بالبيئة ممكنًا.

لا أحتاج الآن لقراءة أبحاث عن تأثير الدراجة على الصحة الجسدية و العقلية. فبصفتي من مرضى ارتفاع مستوى الكوليسترول وضغط الدم، رأيتُ تأثير ركوب الدراجة في تحليل الدهون الذي أجريه كل ستة أشهر تقريبًا، وكيف تحسن معدل الكوليسترول النافع بعد بضعة أشهر من الاستخدام اليومي للدراجة. كما رأيتُ أن علاقتي بطلابي وبالناس بصورة عامة تحسنت إلى حد كبير، ربما بسبب تحسن في مزاجى بالرغم من التحديات الكبيرة التي لاشك نعيشها جميعًا، وأكاد أجزم أن هذا بسبب انتظامي في ركوب الدراجة. 

هذه الماكينة تحارب التغير المناخي، ولكن من واقع تجربتي فإنها يمكن أن تفعل أكثر من ذلك بكثير.

تذكرني الهفوات البسيطة التي أرتكبها بأنني أخاطر مرتين يوميًا خاصة في عبور الشوارع الرئيسية، والقيادة بجوار السيارات وحتى بجوار المشاة، ولا يدفعني ذلك للتوقف عن ركوب الدراجة، لأنني أجد أن من واجبي فعل ذلك، كما أنني أستمتع جدًا. ولكن يدفعني ذلك لأن أطالب بالبداية الجادة في عمل بنية أساسية آمنة للدراجات، تكون بدايتها في كورنيش النيل وحرم الجامعة/ات، لا من وسط البلد كما هو مزمع، وتضمن تلك البداية المقترحة تحولًا سريعًا وآمنًا وشاملًا لكل فئات المجتمع، كما أنه سيكون اقتصاديًا للغاية، حيث ستفوق عائداته تكلفته أضعاف مضاعفة. كما سيساعدنا في تحقيق التزاماتنا الدولية في إطار مواجهة التغير المناخي، والأهم أنه سيحسن من جودة حياة الجميع. 

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عبد الرحمن حجازي

التاكسي و”أوبر” وشرايين العاصمة المسدودة

«مع صعود الأزمة الأخيرة بين سائقي التاكسي الأبيض من جهة، وشركتي "أوبر" و"كريم" من جهة أخرى، وما تبعها من نقاش حاد على مواقع التواصل الاجتماعي، أظن…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).