تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

السوريون في مصر: هل نقول وداعًا؟

رشا عروس
19 دقيقة قراءة
السوريون في مصر: هل نقول وداعًا؟

تشير دراسة أجريت في عام  2017، للاستشارية الاقتصادية، رانيا عبد الباقي، إلى أن ما يقارب 70% من الصناعيين السوريين الذين جرت مقابلتهم بشأن الدراسة في مدينة العاشر من رمضان الصناعية في مصر، أكدّوا بأنهم سيبقون في مصر حتى إن تحسّنت الأوضاع في سوريا. 

لعلّ اليوم قد أتى ليصبح على أولئك المستثمرين أن يتخذوا قرارًا كهذا بدافع الإمكانية وليس فقط التمني. وما الذي سيحدث إن جمع كثير من السوريين، وخاصة أولئك الذين أنشأوا أعمالًا، رحالهم من مصر وعادوا إلى سوريا؟

في تقرير حديث صدر أوائل العام، توقعت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن ما يقارب ثلث اللاجئين السوريين المقيمين في الشرق الأوسط يريدون العودة إلى بلادهم. في الوقت نفسه، لا يزال الوقت مبكرًا لتقرير الرجوع إلى سوريا، حسبما ذكر ممثلون أمميون من المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فالأوضاع ما زالت هشة وقد ينشب صراع ما في أي وقت، وقد بينت الأحداث المأساوية التي وقعت في شهر مارس الماضي هشاشة الوضع، عند اندلاع موجة من العنف، انخرطت فيه قوات تابعة للنظام الحالي، ومسلحون محسوبون على نظام الأسد، وكانت بعض أحداث العنف موجهة على خلفية طائفية، بحسب تقارير حقوقية. كما أن رجوع أعداد كبيرة من اللاجئين إلى مناطقهم الأصلية في سوريا سيحمّل البنى التحتية والموارد المحلية أعباء يصعب تحملها في وضعها الحالي، خاصة أنّ ما يقارب 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، وبالتالي سيكون من المهم أن تتجه جهود المنظمات الأممية والدولية والمحلية بشكل موحد اليوم للتعافي المباشر والعمل على ما تستلزمه المرحلة من تفاصيل وأولويات.

في مصر، بدأت السفارة السورية لدى القاهرة في ديسمبر 2024 بتقديم خدمات مجانية للراغبين في العودة إلى سوريا، بما في ذلك التصديق على الوثائق وتمديد صلاحية جوازات السفر لمدة ستة أشهر، ما أعاد النبض لصفحات السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي ولمكاتب حجز الطيران، وبدأت شبكات الواتس آب بالتشكل، لتعجّ بمناقشات السوريين الذين عقدوا العزم على الرجوع، إما بشكل نهائي أو للزيارة واختبار الوضع، أو لترك رجل في مكان والأخرى في الآخر. وأخذت كثرة الطلب تفرض على السوق خلق فرص عودة متعددة، فقد بدأت الرحلات البرية من البحر الأحمر بالعبارة إلى الأردن، بحسب ما رواه أهالي. كذلك، يتوافد العديد من السوريين إلى أخذ مواعيد في مفوضية اللاجئين في القاهرة كي يغلقوا ملفاتهم. واليوم، ومع النشاط المتصاعد والكثير من رسائل التواصل بين الذين ينوون الرجوع عن كيفية التخلص من المخالفات غير المنتهية لأسر بأكملها، وعن طرق العودة المختلفة وتكاليفها وتكاليف زيادات الوزن فيها، وغيرها من التفاصيل، يبزغ السؤال، هل يستطيع أولئك العودة إلى مصر بعد اختبار الوضع في سوريا؟ حتى إن بقي أصحاب الأعمال والأموال، كيف سيوازن هؤلاء في الاختيار بين بلد لا يقين لهم فيه وآخر يقينهم فيه مرتبط بالبدايات الجديدة؟

إنّ أولئك الذين لا يزالون يعيشون بتردد تجاه قرار العودة، ممّن ارتبطوا بمصر ارتباطًا عضويًا وبات الخيار أصعب من أن يتخّذ، فأمامهم مستقبل ضبابي، بلا شك، تحدده عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة. هذا لأن التضييق التدريجي على الإقامات، وارتفاع تكاليف المعيشة، والتحولات السياسية في كل من مصر وسوريا، ترسم سيناريوهات مختلفة لمستقبلهم في البلاد.

في ديسمبر 2024 مثلا، أصدرت الحكومة المصرية قرارًا لا يسمح للسوريين حاملي الإقامات في دول الخليج والدول الأوروبية وأمريكا وكندا بالدخول إلى مصر، مما يعني لقاء للعائلات، وعقود قران وأفراح ورحلات في بلد عربي يفضّله كثير من السوريين. هذا القرار يزيد من التحديات التي يواجهها السوريون في مصر، حيث كان لآخر ارتفاع لتكلفة الإقامات الدراسية والسياحية أشدّ الأثر على حياة الكثيرين ممن يودون البقاء في مصر. فقد جرت العادة للأسر السورية التي لديها أطفال مسجلين في المدارس أن تدفع إقامات سنوية تسمح للأسرة جمعاء بالتحرك بحرية خارج مصر. ارتفعت تكلفة هذه الاقامة بشكل مفاجئ من 800 جنيه إلى 2100 جنيه ثم إلى سبعة آلاف جنيه للفرد (ما يعادل 140 دولارًا أمريكيًا)، مما شكّل ضغطًا كبيرًا على الأسر التي أصبح يثقل كاهلها عشرات الآلاف سنويًا. أما الإقامات السياحية التي يلجأ إليها الشباب ومن ليس لديهم أولاد في المدارس، فقد ارتفعت في شهر سبتمبر 2023 من 50 دولارًا إلى 150 دولارًا للشخص الواحد لمدة أقصاها ثلاثة أشهر. لقد تركت هذه القرارات للرعيل الأكبر من السوريين في مصر التسجيل في الأمم المتحدة للحصول على الإقامات أو نقل إقاماتهم على تسجيلهم (إن كانوا مسجلين أصلًا). وبينما تسمح لهم أنماط الإقامة الدراسية بالخروج والعودة، فإن إقامة الأمم المتحدة تعني إلغاء خيار السفر وتحديد خياراتهم بالبقاء في مصر. هذه القرارات بالزيادة نزلت بمزيد من عدم اليقين على السوريين وغيرهم، فالسودانيون أيضًا مشمولون بهذا. لذلك، فقد آثر كثير من السوريين أن يكتفوا بالبقاء في مصر دون إقامات مما ولد اختناقًا حقيقيًا، فهم يتوجسون السفر من منطقة إلى أخرى داخل القاهرة وغيرها من المدن كي لا يوقفوا ويرحلوا بسبب انتهاء إقاماتهم. 

في الوقت نفسه، لم يتم رسميًا الطلب من السوريين مغادرة مصر، وما زال تجنيس بعض السوريين قائمًا، ففي ديسمبر 2024، أٌعلن عن تجنيس 15 سوريًا (من فئة رجال الأعمال وعائلاتهم) وألحق بهم 11 سوريًا في عام 2025 تم تجنيسهم على دفعتين. 

وبلغ عدد السوريين المسجلين في الأمم المتحدة في مصر في أول ديسمبر 2024 نحو 148 ألفًا، وبدأ هذا العدد بالانخفاض التدريجي خلال الأشهر السابقة من 2024، حتى وصل إلى 145 ألف سوري مع بداية عام 2025، وذلك أغلب الظن لإقبال السوريين على غلق ملفاتهم. تشير المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما يقارب مليون ونصف السوري في مصر، ضمنهم قطاعًا واسعًا من السوريين غير المسجلين في المفوضية، وكذلك أولئك الذين تعتبر إقاماتهم غير رسمية في مصر، وهذا ما صرحت به منظمة الأمم المتحدة للهجرة. يرى العديد من السوريين أن هناك مبالغة كبيرة في هذا العدد.

إنّ نظرة سريعة باتجاه البلدان المجاورة وتجارب العودة قبل سقوط الأسد في ديسمبر 2024 تبين أن العودة ليست خيارًا سهلًا وسريعًا. هذا ما أسهبت في تفاصيله مقالة فادي حليسو عن احتمالات العودة من لبنان والتي كانت تضاءلت مع الزمن رغم شدة صعوبة الظروف الحالية للاجئين السوريين في لبنان مقارنة بأقرانهم في مصر. فإنّ كثيرًا من أولئك الذين لجؤوا إلى لبنان (وكذلك تركيا والأردن) ينحدرون من محافظات حمص ودمشق وريف دمشق، وخرجوا من منازلهم وهي مدمرة أو تعرضت للتدمير لاحقًا، مما يجعلهم أمام تحديات كبيرة تتعلق بالسكن في قرار العودة. فلا ننسى أن التقارير تشير إلى ما يقارب ثلث الكتل البنائية في سوريا في وضع تهدم جزئي أو كلي، مما يجعل العودة خيارًا صعبًا. ورغم أنه سبق وجود مبادرات روسية ولبنانية لإعادة اللاجئين السوريين في صيف 2018، كانت النتائج محدودة. ونسبت هذه العودة المحدودة إلى مخاوف أمن وأمان، مثل الاعتقالات والتجنيد الإجباري، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة في سوريا

ولكن مخاوف الأمن تيسرت بزوال نظام الأسد، على اعتبار أن السؤال الأمني اختلف، وأصبح يتعلق بالأمن الأهلي العام، وليس بالخوف من مؤسسات النظام الأمنية وما قد تكيل به للعائدين. الأعداد الحالية للعائدين في تغير مستمر، لكن تم تقدير نحو 295 ألف عائد من دول الجوار مجتمعين حتى 20 فبراير 2025. وهناك توقعات من مفوضية شؤون اللاجئين برجوع ما يقارب مليون لاجئ سوري خلال النصف الأول من عام 2025. يشمل العدد العائدين من دول الجوار والنازحين داخليًا. تحتاج هذه المجموعات العائدة إلى دعم مباشر فيما يتعلق بالإسكان، وتأمين متطلبات الحياة الرئيسية والشعور بالأمان ومن ثم سبل العيش والعمل كي تكون عودتها مستدامة. ويبدو أن برامج دعم العائدين بدأت تبزغ على الأرض حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومجموعة من الشركاء. 

                                                         ـــــ

يتواجد معظم السوريون في مصر ما بين القاهرة الكبرى والإسكندرية ودمياط. وتستقبل المدن الجديدة، المنشأة في ضواحي تلك القائمة، ما يزيد على ثلثي السوريين القاطنين في مصر. تلك المدن، التي يطول سرد الحديث عن البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنتجها، باتت محط تركيز سياسات مصر العمرانية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، في إطار تفعيل الاقتصاد المفتوح وما تبعه من خصخصة. واعتمدت سرديات إنشائها على اعتبارها ملاذًا من المدن المزدحمة وموئلًا جديدًا للسكان المتطلعين إلى الهدوء والترتيب والعصرية. فوق ذلك كلّه، تشكل تلك المدن بدائل وخيارات للمنتقلين للعيش فيها من الريف المصري وكذلك للقاطنين في أحياء المدينة غير الرسمية. ففي هذه المدن من الخيارات النخبوية (كالمدن المسورة ببوابات والكومباوندات والمولات ومناطق الترفيه المختلفة) ما يجعلها محطات لأصحاب الأموال وكذلك فيها من خيارات السكن الاجتماعي، ما يفترض جعلها جذابة لشرائح متنوعة من الشعب المصري الباحث عن سكن أو ربما غير الباحث.  

ففي القاهرة، هناك عدد كبير من المدن الجديدة المحيطة بالمدينة القديمة. يوجه قطاع الإسكان في مصر هذا الإنتاج الضخم بما يطرح فائضًا سنويًا في أعداد المساكن المبنية والتي لا يجري إشغالها أو استخدامها، حيث قدر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر عدد الوحدات الشاغرة وغير المكتملة في إحصاء عام 2017 بـ 12.5 مليون وحدة تقريبًا، منها ما هو شاغر موسميًا (كما في مدن السواحل المصرية الممتدة على آلاف الكيلومترات) ومنها ما هو شاغر ضمن المدن والنواحي والأرياف. ففي القاهرة الكبرى وحدها، تقدّر عدد الشقق الفارغة بما يزيد على مليون ونصف شقة. تشكل هذه الشقق المبنية وغير المسكونة ما يقدر بحوالي ثلث عدد الوحدات السكنية في مصر، مما يسمح لمصر استقبال بلدان بأسرها إن شاءت. فعدد الشقق الفارغة يزيد على عدد سكان ليبيا ولبنان مجتمعين. 

هذه المقدمة المبسطة عن قطاع الإسكان والتعمير في بلد يبني بلا هوادة، قد تجيب على تساؤلات بكرية لمن يمرّ على طريق كالطريق الدائري ويشاهد كتل غير منتهية من الأبنية الفارغة: لماذا لا تزال أزمة الإسكان حية في مصر بينما لديها عدد كبير من الشقق غير المسكونة؟ وكيف تدور العجلة لتورث البلاد مزيدًا من المناطق غير المنظمة (العشوائية كما تطرح في السردية الشعبية والرسمية أحيانا) كي تحاول سدّ احتياجات قطاع كبير من الذي يحتاج السكن؟ 

الإجابات مريرة وطرحها سيعرج على فهم السياسات الوطنية استجابة لما يستوجبه النظام العالمي الجديد والبنى النيوليبرالية، فالجواب إن شئنا أن نجعله بسيطًا هو أن إمداد السكن لا يقابل الطلب والاحتياجات، فكأنه ينشئ لآخرين. كذلك، هناك ضعف كبير في فهم روح الإسكان والعمارة في مصر، لتتوقف هذه السياسات عن إنتاج مزيد من التفاقم من هوة الفروق بين الفقراء والأغنياء التي تبدو جلية في أنماط عمرانية متطرفة كالكومباوندات والمناطق غير المنظمة.

ولكن كيف سكن السوريون في مصر، متفاوضين مع هذه البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، متجسدة في العمران؟

caption

في دراسة أعددتها ما بين 2012 و2013 (انظر المراجع)، عن توزع السوريين بعد وصولهم في المناطق العمرانية المختلفة في مصر، حاولت رصد آليات الجذب والنبذ لمناطق عمرانية بعينها والتركيب الجيوسياسي والاجتماعي وتأثيراته المتعددة على خيارات القادمين ووجهاتهم في تفاوضهم مع السوق العقاري في مصر. بدت المدن الجديدة جذابة للسوريين رغم عدم كونها منافذ وصول تقليدية (ليست قريبة من المطار أو محطات وصول القطارات والحافلات مثلًا) ولم يكن فيها وقت وصولهم مقرات لتسجيلهم في الأمم المتحدة أو فرص عمل متوفرة من خلال بنى اجتماعية واقتصادية موجودة. 

بالتنقيب عن المعايير التقليدية التي يقلّب فيها السوري خياراته بعد وصوله، تبين أن هناك نقاط جذب كثيرة تتعلق بالمظهر العام للمدينة ونظافتها وتنظيمها، ولكن الأهم هو توفر فائض سكني يسمح بنشوء مجتمعات كاملة ولا يسكّن أعدادًا بسيطة وحسب، فعامل جذب التماسك الاجتماعي لعب دورًا مهمًا. ولهذا فقد أخذ السوريون على عاتقهم إنشاء تفاعلات اجتماعية واقتصادية في أماكن كثيرة كانت شبه خاوية قبل ورودهم إليها. شكلت مدينة السادس من أكتوبر محطة استقرار أولية للسوريين في رحلة لجوئهم لأسباب عديدة، منها أن كان هناك ارتباطات سابقة بالمدينة من خلال العدد الجيد من الطلاب السوريين الذين كانوا يدرسون في جامعات «6 أكتوبر» و«العلوم والتكنولوجيا» قبل 2011، وكذلك فقد كانت الأسعار للعقارات في المدينة أقل من مقابلتها في القاهرة الجديدة، ولوجود العراقيين الذين سبقوا السوريين إلى مصر فيها، ولأسباب أخرى منها تصدر مجموعة من الهيئات الدينية للمساعدة للقادمين قبل بدء برامج الأمم المتحدة وغيرها. 

وقد كان يكفي في بداية عام 2013 أن يبدأ أهالي أحياء معينة من مدينة حمص السورية بتحضير رحالهم للمجيء إلى مصر، لترتفع أسعار العقارات في الحي الثاني في مدينة السادس من أكتوبر، وهو أحد أحياء استيطان تجمعات كبيرة من الحماصنة، حيث كان معارفهم يبدأون البحث عن مساكن لهم بمجرد بدء تخطيطهم للسفر. لكن في الوقت نفسه، كانت تظهر مرونة كبيرة في قيم العقارات في مصر، وقد خلقت هذه السمة للسوق العقاري المصري بيئة من عدم اليقين لدى السوريين، ما جرهم في رحلات كثيرة داخل المدينة. فعلى سبيل المثال، وبعد استقرار السوريين في مدينة السادس من أكتوبر، وارتفاع الأسعار نسبيًا فيها، بدأت أرصد رحلات حصلت بين 2014-2015 من السادس من أكتوبر إلى العاشر من رمضان وهي رحلات ربطت مدينتين جديدتين في مصر بطريقة مباشرة لم تكن مرتبطة بنفس الشكل المباشر من قبل. وبدأت أعداد كبيرة بالانتقال إلى مدينة العاشر من رمضان خلال فترة زمنية بسيطة بعد ارتفاع الأسعار في السادس من أكتوبر. كما أنشأ مجيء السوريين علاقات للقاهرة مع مدن أخرى لم يكن لها علاقات مباشرة معها، كغازي عينتاب في تركيا والتي كانت الرحلات منها إلى القاهرة شائعة عام 2012 وحتى منتصف 2013 عن طريق شركات الطيران الاقتصادية التركية عبر مطار إسطنبول بتكلفة كلية بين 120 و200 دولار لرحلة باتجاه واحد. إذا، حلّت علاقات لما بين المدينة وعبر المدينة ببعضها، ما أدخل روحًا جديدة للقاهرة التي كانت تتوق إلى بعض التغيير وخاصة في زمن تتراجع فيه خصائص المدينة الكوزموبوليتانية، تلك الخصائص التي لا تزال تتغنى بها وتنزع إليها. 

على عكس العراقيين، لقد واجه السوريون في بعض المدن الجديدة أشباح مدن غير مكتملة، كما قالت لي إحدى السيدات السوريات بعفوية ومبالغة وهي تصف وصولها إلى دمياط الجديدة: «نحن أسسّنا دمياط الجديدة». اختار العراقيون الذين قدموا بين عامي 2003- 2006 أيضًا مدينة السادس من أكتوبر، لكن أعدادهم لم تكن بحجم السوريين، فلم يأخذوا على عاتقهم همّ مناورة الاقتصاد وبيئته الاجتماعية وذلك لصغر عددهم وقلقلة الأوضاع لاستقرارهم في مصر

إن حيوية وطرق عمل القادمين من خلفيات المدن السورية يشكّل تجربة مهمة للدراسة كنموذج مؤثر في باقي المدن التي يُراد لها أن تزدهر على امتداد مصر. ففي مدينة كالقاهرة الجديدة، حيث لا مدن صناعية، كان لوجود عدد كبير من السوريين في مدينة الرحاب المسوّرة، والتي يسكن فيها أصحاب الدخل المتوسط فما فوق، قدرة على خلق مناطق ازدهار تجاري لتخدم السكان ليس في الرحاب فقط بل في التجمع الأول. استطاعت المحلات التي فتحت في التجمع الأول أن تخدم الرحاب وأن تؤسس تدريجيًا لنمو اقتصادي أكبر في المنطقة من خلال مولات ومحال تجارية مع ورش فتحت في منطقة البنفسج، التي كانت شبه خاوية وعمائرها غير مكتملة قبل عامي 2014- 2015. لقد طوّر مجموعة من أرباب الأعمال الصغيرة منطقة لتفصيل وخياطة وتطريز فساتين الأفراح والسهرات، توزّع منتجاتها على مستوى الجمهورية، وفتحت محلات عرض، ما جعل المنطقة بأكملها تشهد تطورًا شيئًا فشيئا، وتسرع في إستكمال بناء الأبنية الموجودة فيها، حيث كان هناك صيدلية ومحل يخدم إنهاء وتشطيب البيوت قرب تلك المولات. وانتشر في منطقة التجمع الأول عدد كبير من الشباب السوري العازب الذي تشارك بالشقق ليعمل في المجالات الاقتصادية المختلفة التي كونتها تلك السلاسل الاقتصادية وما يخدمها.  

caption

يكفي النظر، مثلًا، إلى نسبة الإشغال في مدينة السادس من أكتوبر قبل مجيء السوريين عام 2012 والتي كانت تقدر بـ37% من إجمالي الشقق المبنية. استطاع السوريون خلق منطقة حيوية هامة في مركز المدينة وفي أحيائها المختلفة. وقد لقيت المنطقة المقابلة لجامع الحصري في حي السادس من أكتوبر الكثير من الاهتمام من الإعلام والسوشيال ميديا والدراسات، وكان لي الحظ في أن أكون شاهدة على تلك التحولات وأن أوثق كيف تحولت الأبنية شبه الفارغة في تلك البقعة المدعوة بالأمريكية (كذلك معروفة بشارع القهوة السوري) إلى مركز تسوّق يذخر بالمحلات والمطاعم والمكاتب والخدمات الاستشارية وخدمات الصيانة والتجارة وغيرها، خلال مدة زمنية تزيد على السنة بقليل.

استطاع السوريون إذن المساهمة به في عجلة عمران مصر، لأنهم تفاوضوا بكل براعة مع البنى الاقتصادية في أماكن أنشئت في أقاصي الصحراء حيث لا مقومات طبيعية لإيقاد الحياة العمرانية المتكاملة. هذا يعود ليبين التطورات السكنية بشكل عام في مشاريع الإسكان في تلك المدن، التي افتقرت بشكل كبير إلى فهم طبيعة المجتمعات المصرية في مقاربتها للإسكان، واقتصر فيها الوضع على بناء المساكن لا الأحياء الحية التي تعج بفنون مصارعة الحياة كالتي تقدمها المناطق غير المنظمة. لقد امتدت تلك المناطق المبنية بمجهودات السكان الذاتية، ولا تزال، بموازاة السكن الرسمي العتيد الذي لم يغر الجماهير المصرية بجاذبية كبيرة أو لم يعبر عن مطامحها في السكن، هذا إن كان ضمن سقف متناولاتها من الناحية المادية.  كذلك، فإنّ سبل العيش والعمل لا تؤتى بالسكن وحسب، بل تلعب فيها عناصر أخرى أهمية بالغة، كالقرب من الأعمال وخاصة تلك التي يخلقها السوق غير الرسمي الذي يغطي ما يقارب 60% من سوق العمالة في مصر

قدم السوري/ة إلى مصر من المدن الكبيرة في معظم حالاته ولم يحزم حقائبه ليأخذ رحلة برية سريعة عبر الحدود إلى البلد المجاور (إلا في ما قبل 2013  وقبل وضع العراقيل أمام الوصول بالبحر والبر). لقد جاؤوا بالطائرات من مدن أصغرها درعا وحماة وحمص، يعود تاريخها في تداول الاقتصاد الحضري إلى مئات السنين، إن لم نقل آلاف السنين كما عند أهل الشام وحلب المتمرسين. لقد وصلوا إلى مدن فارهة، نظيفة، مرتبة، بطرقات واسعة، واقتصاد حضري ناشئ، تعتمد فيه الدولة المصرية على مهاجري الريف المتمدنين لتحويلها إلى اقتصاديات مدنية بسلاسلها القيمية (أو سلاسل الإمداد). عمل السوريون المتمكنون اقتصاديًا وأولئك من محدودي الإمكانيات على خلق مجتمعات حية ومشغلّة ومحفزة للتنمية في المناطق الجغرافية المختلفة التي وجدوا فيها. 

كما كان لتصدير صور نمطية عن السوريين في مصر والتي غالبًا ما ارتبطت بسمات «كالتحدي والنجاح رغم الصعاب» دورًا في تخفيف حدة الشكاوى من المصريين عن الوضع الاقتصادي في البلد. فها هم السوريون نجحوا رغم كل شيء. 

إلا أنها صورة مجحفة بحق الكثير منهم ممن لم يكن له ذلك الحظ، واضطر للعيش في حالة من القلق لمناكفتهم ظروفًا صعبة وتهميشًا كبيرًا على أطراف المدن الجديدة وإسكاناتها الاجتماعية كما في مساكن عثمان والحي السادس وبيت العيلة في السادس من أكتوبر[i] وابن بيتك في العاشر من رمضان. فهذه الصورة الناجحة تغطي على استضعافات كبيرة عانى منها كثيرون وما زالوا. وغالبًا سيكون أولئك أول العائدين إلى بلادهم. 

                                                     ـــــ

على طول الدلتا مع القاهرة، يمكن تتبع منشآت صناعية سورية في مدن مصر الجديدة: العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، جسر السويس، 15 مايو، السادات، برج العرب، ودمياط الجديدة، إلى جانب مدن صناعية رسمية وغير رسمية أخرى. وانتشر السوريون في مناطق مختلفة، تتراوح بين المدن الجديدة والقائمة، فليس في كل المدن الجديدة مناطق صناعية. ولكنهم استطاعوا بتمرسهم على التجارة تنمية وإحياء روح العمل الاقتصادي حتى في تلك السكنية منها، كالشيخ زايد والقاهرة الجديدة. 

caption

يُقدّر عدد المنشآت الاقتصادية السورية الصغيرة والمتوسطة (التي يحسب حجمها بحسب عدد العمالة فيها ويكون في المتوسط بين 5 و100 عامل) في مصر ما بين 15 ألف و50 ألف منشأة بعد عام 2011. هذه التقديرات تأتي من تقاطع بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة ووزارة التجارة والصناعة والمعلومات الأولية من اتحاد رجال الأعمال السوريين وبعض المطلعين في المجال والمتابعين له. وإذا أخذنا العينة بعين الاعتبار، فإن ما يقارب 750 ألف فرصة عمل قد نشأت في المؤسسات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة على مستوى مصر، حسب الدراسة، وذلك دون أخذ الذين يشتغلون في سلاسل الإمداد السابقة واللاحقة (من الزراعة إلى التوزيع والبيع) بعين الاعتبار. 

رغم تجاوز هؤلاء المستثمرون لعقبات مريرة في أروقة الاستثمار المصرية، تشمل تلك الإدارية والتشغيلية والمادية والاجتماعية في أحيان، والتي تنطبق على المصريين أنفسهم، إلا أنهم استفادوا من سوق العمل المصري وبنوا عليها. لقد قدمت لهم مصر الكثير، من جودة البنى التحتية ووفرة المواد الأولية ورخص التشغيل فيها مقارنة بدول الجوار الأخرى، وفوق ذلك سمعة طيبة تسبق السوريين وتريحهم على مستوى القبول والانتشار. كما أتاحت مصر أسواقًا كبيرة لم يكن السوري يعرف مثيلًا لها (نتكلم عن عشرات الملايين من المستهلكين على المستوى المحلي)، كما فتحت لهم بوابة التصدير لإفريقيا والتي لم تكن من قائمة البلدان التي كان السوريون يتوجهون إليها بشكل آلي قبل ذلك.

قدرّت دراسة رانيا عبد الباقي التي غطت 24 منشأة صناعية في مجال النسيج والغذاء وغيرها، تركز معظمها في منطقة العاشر من رمضان، تشغيل ما يقارب ثلاثة آلاف عامل وعاملة مصرية. أما عن الأجور، فقد قدرتها الدراسة بما يقارب 900 مليون جنيه مصري سنويًا عام 2017. وكان إجمالي الاستثمار السوري في ذاك العام بين 400 و500 مليون دولار وبلغ رأس المال المستثمر من العينة حوالي 20 مليون دولار، ولم يأخذ أي منهم أي قرض بل كان الجميع ممول ذاتيًا. 

في الدراسة، هناك مقابلة مع أحد أرباب الصناعات الغذائية الذي فتح منشآت اقتصادية في أكثر من بلد خارج سوريا ومنها مصر. لقد أسهم ذلك الصناعي، بصناعته التي تحمل علامة تجارية معروفة، بتحسين سمعة المنتج المصري من خلال علاقات التصدير التي كان قد أنشأها قبل مجيئه. فقام بعد مجيئه بالتعاقد مع أصحاب الأراضي والفلاحين من بلبيس في محافظة الشرقية القريبة من العاشر من رمضان لزراعة الباذنجان المخصص لصناعة المكدوس وغيرها من المحاصيل الزراعية. ومن ثم عمل على شروط ونوعية التصدير للمواد الغذائية من مصر، وعند التوزيع، اكتفي بالتصدير وبعض المحال السورية في مصر، ولكنه لم يوزع في المحال المصرية وبالتالي لم يؤثر على المنتج المحلي.

لقد وجدت تلك الدراسة ولاحقات لها أن قطاعي النسيج والصناعات الغذائية، وطبعاً الأعمال الصغيرة في المطاعم والمحلات الغذائية كانت الأكثر انتشارًا بين السوريين. لقد سُجل ما يقارب 2500 عمل رسمي ضمن مؤسسات سورية في القاهرة الكبرى لعام 2017، ما يشكل حوالي 7% من إجمالي الأعمال المسجلة في القاهرة الكبرى لذاك العام. يعتبر النسيج من القطاعات المهيمنة للصناعات السورية في القاهرة بما يقارب 500 منشأة. وكذلك يركز النسيج على إحلال الواردات ومعالجة الفجوات في سلسلة القيمة المحلية، مثل صباغة النسيج، وهو يواجه منافسة من لاعبين دوليين مثل الصين وتركيا، إلى جانب تحديات سعر الصرف. غير النسيج والصناعات الغذائية، استثمر السوريون في مجموعة واسعة من القطاعات، من بينها الصناعات الدوائية، ومواد البناء، والإلكترونيات وتجميع الآلات بالإضافة إلى المتاجر والمقاهي والمطاعم. هذا ما يعطي مؤشرات لمساهمة أصيلة في اقتصاد مستدام، كبديل للنماذج الاستثمارية التقليدية التي تركز أساسًا على السياحة والخدمات الترفيهية.

إنّ عودة الكثير من السوريين إلى سوريا وترك مصر، حتى إن كان العائدون ممّن لم ينشؤوا تلك المؤسسات، سيترك أثرًا اجتماعيًا واقتصاديًا، فأولئك الذين لا تغطي دخولهم نفقات العيش والتعليم والإقامات، هم العاملون في تشغيل وإدارة والإشراف على الصناعات والمطاعم والمحال والخدمات السورية المختلفة. كما أنهم يخلقون البيئة الحاضنة لأجواء العيش السورية في تخديم وتأمين أولئك الصناع وغيرهم بما يجعلهم يعيشون في بيئة موازية. إنّ معظم أطفالهم يعرفون مصر فقط، وهم في قلق شديد لتركها. إلاّ أن التضييق الشديد عليهم يجعل سبل العيش على من سيبقى في مصر من السوريين قاسية. فالخيار المتروك أمام معضلات الإقامات هو التجنيس المكلف جدًا. 

رحيل السوريين سيجعل هذه البلاد تفقد جزءًا من الروح التي اكتسبتها بعد عام 2012. إنها روح خاصة أعادت إحياء الأواصر التاريخية بين مصر وسوريا، وعززت في مصر إحدى أهم سمات الحياة التي تكاد تتلاشى: «أن يكون الحصول على منتج جيد بسعر مقبول خيارًا متاحًا للجميع، دون الاضطرار إلى الانزلاق في متاهات الخيارات الحصرية والفاخرة».    

 

 

مراجع:

Abdel-Baki, R. (2017). Study on the economic impact of pre-defined clusters of Syrian MSMEs on the local Egyptian economy. UNHCR. UNHCR and UNIDO. 

Arous, R. (2013). Refugee setting and urban form and governance: The predicament of Syrian refugees in navigating Cairo's urban spaces and the complexities of governance in turbulent times. (Master’s thesis). Ain Shams University and University of Stuttgart. https://iusd.asu.edu.eg/?page_id=877

Daher, J. (2023). Syrian entrepreneurs and investors in Egypt and their relations with Syria. European University Institute. https://cadmus.eui.eu/bitstream/handle/1814/75332/QM-07-23-060-EN-N.pdf?sequence=1&isAllowed=y

Khattab, S. (2024). Syrian investments and the insertion of displaced Syrians in the Egyptian labor market (Master’s thesis). The American University in Cairo. AUC Knowledge Fountain. https://fount.aucegypt.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=3299&context=etds

Mahmoud, M. (2017). The economic and social integration of the Syrian migrants and refugees in El-Rehab City in Egypt (Master’s thesis). The American University in Cairo. https://fount.aucegypt.edu/etds/1392

Shalabi, S. (2017). City margins and exclusionary space in contemporary Egypt: An urban ethnography of a Syrian refugee community in a remote low-income Cairo neighborhood. (Master's thesis). Stockholm University, Department of Asian, Middle Eastern and Turkish Studies. https://su.diva-portal.org/smash/record.jsf?pid=diva2:1245091

World Bank. (2017). The toll of war: Economic and social impact analysis of the conflict in Syria. World Bank Group. https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/27541

 

 

عن الكاتب

رشا عروس

رشا عروس هي باحثة دكتوراه متخصصة في قضايا الهجرة والتنمية العمرانية، وتتمتع بخبرة تمتد لأكثر من 20 عامًا في مجالات العمران والتخطيط مع الأمم المتحدة وشبكة الأغاخان للتنمية. تشتغل على…

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

رسالة لن يقرأها زياد الرحباني

«خبر رحيلك جاء كالرصاصة التي أصابت المقتل فأطلقت خيطًا من الشجون لا ينقطع وحزنًا لا عزاء له»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).