ماذا تبقى من «الكينج»؟
تحمل الكتابة عن محمد منير قدرًا كبيرًا من الالتباس. التباس ساهم هو نفسه في صنعه، وسواء كان هذا الالتباس متعمدًا من منير أو عفويًا غير مخطط له، فقد منحه قدرًا كبيرًا من مساحة المناورة. تلك المساحة كانت ضرورية لمنير في سياق تحولات مشروعه الفني الممتد منذ منتصف السبعينيات والذي يمكن تحديد نهايته في أواسط العشرية الثانية من القرن الحالي.
غير أن ذلك الالتباس يتضاعف حين يكون الكاتب نفسه واحدًا من مريدي منير الذين لازموه أو لازمهم هو منذ سنوات طوال، حين استمعت لألبوم ممكن ولم أكن تجاوزت السادسة من عمري ثم أغاني مسلسل جمهورية زفتى التي بدت لي وقتها دربًا من الإعجاز، حينها كان منير على عتبة تحول هام في مشروعه الفني بالتعاقد مع نصر محروس وشركة فري ميوزيك.
وبينما لازمني منير منذ تفتح وعيي، وبينما صرت أكثر إطلاعًا على إنتاجه القديم، ومتتبعًا مخلصًا لكل ما ينتج، كانت مسيرة منير ترتسم في ذهني كمنحنى بلغ ذروته في أواخر الثمانينيات، ثم استقر نسبيًا حتى بدايات القرن الحالي، ثم انطلق في مسار هبوط حر كان منير يساهم أحيانًا في إضفاء جو من الإثارة عليه بتصريحات منفلتة أو مواقف مخيبة أو عمل فني مارق من الإطار العام لمشروعه الفني.
ارتبطت بدايات منير، كما هو معروف، بأشعار عبدالرحيم منصور ومجدي نجيب وأحمد فؤاد نجم وفؤاد حداد، وهم في مجموعهم محسوبون على اليسار وهذا ما يمكن استقرائه من مسيرتهم الشخصية كما من أشعارهم ذاتها التي تناولت موضوعات لا تخاطب فقط الهم العاطفي بين الحبيب والحبيبة كموضوع مهيمن على الأغنية العربية في غالبيتها، بل تخاطب الشعور بالاغتراب في الوطن، اغتراب القروي الذي يسعى للمدينة، الأحلام المكسورة والمؤجلة، القهر والتهميش ليس بصيغة فجة بل بتناول فلسفي. هذا ما يمكنك تلمُسه في أغنيات المدينة وشجر الليمون وشبابيك والليلة يا سمرا وقول للغريب واتكلمي، وغيرها الكثير طوال عقد الثمانينيات. امتزج هذا الطرح مع ألحان أحمد منيب وصوت منير كنوبيين يعبران عن أزمة خاصة تتعلق بالشعور النوبي بالتهميش والظلم. هذا المزج جاء في مرحلة تصفية القضية الوطنية التي دخلتها مصر مع «كامب ديفيد» وفترة حسم الانحياز اليميني لسلطة السادات، فكان منير وبحق «تعبير عن شجون جيل الثمانينيات» على حد تعبير الكاتب أحمد الخميسي.
هذا هو الإطار الذي تشكلت فيه أسطورة منير. لكن إلى أي مدى كان هذا المزج تعبيرًا عن تطلعات منير ذاته؟ بمعنى آخر، هل كان هذا هو مشروعه فعلا؟ هنا ساهم منير في خلق الالتباس، فمن جهة كان دائم الشكوى من عدم تحقيقه انتشارًا حققه أنصاف المواهب، وكونه محصورًا داخل إطار «مطرب المثقفين»، ومن جهة أخرى توحي لقاءاته المسجلة بالتزامه العميق بالكلمة التي يغنيها ووعيه بقيمتها. غير أنه كان لا بد لمنير أن يدرك أن مشروعه الفني لم يكن ليلقى عطفًا وترويجًا من الإعلام الرسمي، لأنه كان خارجًا عن التقليدي سواء في اللحن أو الكلمة أو حتى في المظهر الخارجي الذي رفض منير الالتزام به وانطلق بهيئة فوضوية صارت جزءًا مهمًا في الترويج له فيما بعد.
لا يمكن تحديد دوافع تحول محمد منير في مرحلة التسعينيات سوى بتحديد البيئة التي جرى فيها هذا التحول، وأولها تفكك اليسار المصري نفسه والذي كان يوفر لمنير شعورًا نسبيًا بقيمته كمعوض له عن الحصار الرسمي من خلال بيئة حاضنة مطبوعة بنفوذ اليسار الثقافي، وثانيها غياب عبدالرحيم منصور بوفاته المبكرة، عام 1986، وبقدر أقل وفاة أحمد منيب. وفر هذان العاملان الشروط الموضوعية لتطلع منير الذاتي نحو الانتشار، وخلال عقد التسعينيات كان منير يتجه بهدوء لكن بإصرار نحو طبعة القرن الجديد التي دشّنها بالتعاقد مع «فري ميوزيك». لم تكن ألبومات التسعينيات رديئة لكنها شهدت تواجد عناصر جديدة على مستوى التلحين والكلمات كمصطفى كامل وعصام كاريكا، خلال التسعينيات لم يصل منير للذروة التي وصلتها ألبومات الثمانينات غير أنه أنتج ومضات كأغنيتي فيلم المصير وألبومي ممكن وحبيبتي الذي ضمَّ أغنيات مسلسل جمهورية زفتى التي كتبها بالكامل عبدالرحمن الأبنودي.
بدأ منير يتواجد بكثافة في حفلات ليالي التليفزيون، ودشّن عهد حفلات الأوبرا التي أثبتت شعبيته وجعلته ينجز تحوله بجرأة، التحول الذي تزامن في العقد الأول من القرن الحالي مع ذروة حضوره الجماهيري في الحفلات والتليفزيون، في الوقت الذي كان قد اقترب فيه كثيرًا من نظام مبارك منذ حفله الترويجي لمشروع توشكى الذي قام فيه –على ما يبدو بمشاركة الأبنودي– بإضافة كوبليه لأغنية يا عيني ع الولد يقول فيه «توشكى يا عيون ولادك يا فجر بيتولد وينور البلد»، خلال العِقد الأول من القرن صار منير حاضرًا في حفلات القوات الجوية واحتفالات أكتوبر، كما لو كان الأمر يتضمن مبادلة الولاء بالانتشار. وبينما كان منير يخرج في حفلاته الجماهيرية ليحاول إعادة التوازن للصورة مرتكزًا على أغنيات الرفض من تراث الثمانينيات، فيغني في الأوبرا «طول العمر العسكر عسكر»، كان يهادن في الجهة الأخرى مبشرًا جمهوره «قدامنا لسه عبور تاني» في أغنية كانت استثمارًا من نظام مبارك لشعبية منير.
كان منير في لعبة التوازنات تلك لا يدرك أين يقف تحديدًا وإلى أين يتجه، فقد كانت الشعبية الجارفة تقف به على نصل سكين، لأنها شعبية جاءت إليه لا بعد تغيير جلده بل بسبب جلده القديم بالذات، أي أن جماهيره من «المنايرة» الجدد جاءوا إليه لأنه في أيامه الأولى كان تعبيرًا كاملًا عنهم، الكلمات والملامح، اللحن والأسلوب والصوت. تغيير جلده الفني هذا مكّنه من النفاذ عبر ستارة التعتيم التي فُرضت عليه في ما سبق، فلما ظهر لجمهوره الجديد ظهر لا كما يتوقعون، بل ظهر كما أراد له النظام أن يظهر.
في السنوات العشر الأولى من القرن الحالي، كان منير جبروتًا جماهيريًا، شهدت حفلات الأوبرا ذروة أدائه الفني، وإقبالًا جماهيريًا حاشدًا بدا على الدوام أقرب لإنتاج منير القديم، فكانت أغنيات الليلة يا سمرا وحدوتة مصرية حاضرة دائماً، كشاهد على منير المتمرد في مقابل منير الذي صار نجمًا لإعلانات شركات المحمول، والذي يظهر في حفلات نظام مبارك مرتديًا رابطة عنق طالما رفضها كتعبير عن افتراقه مع الشكل الذي ساد حتى السبعينيات للمطرب الذي يرتدي زيًا رسميًا، كلما كان منير يغادر قاعدته الأصلية كانت تتكشف حقيقة أن تلك القاعدة هي ما خلقت فرادة منير وتمايزه.
غير أن الحياد أو التوازن الذي حاول منير أن يمارسه تعرض لاختبار قاس، في يناير 2011، حينما كان الصمت انتحارًا، وبينما لم يكن لمنير موقف مميز في وجه سلطة مبارك، وهو المطرب المحرض كما كان يعلن دومًا والذي كانت أغانيه الثورية القديمة حاضرة في الميدان لتعوّض غيابه بجسده وصوته الحي، فإن الجماهير المصرية فوجئت، في الثاني من فبراير، بأغنية ازاي التي تم بثها على التليفزيون المصري على صورة مشاهد الاحتجاج والصدامات مع قوى الأمن، وبالرغم من أن الأغنية كانت تصلح لزمن الانتفاض وزمن الهدوء ولم تعلن موقفًا صريحًا، إلا أن أجواءها الحماسية وتوقيت بثها قد خلق انطباعًا بأن منير يقف على نفس الجانب من التاريخ مع جماهير يناير التي تضم غالبية مريديه. والحقيقة أن منير كان يمارس حياده أيضًا، لا مع السلطة ولا مع الجماهير، لكن مع من ينتصر من الطرفين. كان هذا هو مسار منير بدءًا من الانتفاضة في زمن ملئ بالتقلبات. بدأ هذا الزمن برفض الأمن منحه تصاريح الغناء في الأوبرا، منذ العام 2010 تقريبًا، وبهذا انقضت الفترة الذهبية، أصبح منير أكثر ترددًا على قرى الساحل الشمالي ليحي حفلاته مع عتاة الرعاة، وقد تزامن هذا مع تراجع مستمر في قدرته الصوتية، فصار يبدو منهكًا على المسرح، تتلاحق أنفاسه وينسى الكثير من كلمات أغانيه، ويخلط الكوبليهات وسط حشرجة صوته محتميًا بالكورس من خلفه.
منذ بداية العقد الثاني من هذا القرن وحتى الآن، أصدر منير ألبومين هما أهل العرب والطرب وأغاني مسلسل المُغني، كان مستوى الألبومين يقول كل شيء بالإضافة لعدة أغنيات لم تترك أثرًا يُذكر، سوى مزيد من الالتباس الذي خلقته أغنية مالك خايفة ليه؟ والتي واصل فيها منير الالتزام بموقف اللا موقف. بالإضافة لأغنيات مسلسل الاختيار بينما كان غنائه لتتر مسلسل سره الباتع من كلمات الشاعر مصطفى إبراهيم استثناء على مسار التراجع الطويل.
ظهر منير في حفل تجديد قناة التحرير مع رفيق دربه علي الحجار كي يطرب كبار رأسماليي مصر وإعلاميي النظام. كما ظهر في حفل ختام المؤتمر الاقتصادي، في 2015، ووجّه التحية للمذيع أحمد موسى معلنا أنه «من مهاويسه»، هكذا استبدل منير الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين ككاتبه المفضل، بأحمد موسى كمذيعه المفضل، وكأنه قد قرر بوعي أن يتنصل من كل ما يمثله لدى جمهوره القديم. وقد صار له جمهور جديد، تربى بالأساس على منير في تحولاته الأخيرة دون إدراك لما مثله منير يومًا ما، جمهور يهلل لمنير وهو يقدم أداءات على المسرح لا تُقارن بسنوات المجد الفعلي. جمهور يعتبر منير موضة وعلى الأرجح لا يعرف شيئًا عن منير ما قبل منتصف التسعينيات، ليس موضة فقط، بل أقرب إلى «سبوبة» حولها يتم إنشاء صفحات على فيسبوك، تُعيد توزيع أغانيه القديمة أو تعدّل في الموسيقى كي تجذب المشاهدات، كما يدخل في نطاقها نشاطات الترحال إلى حفلات منير التي صارت تقام خارج القاهرة، بالإضافة إلى هذا فمنير نفسه يدرك مدى تراجع قدرته، وأنه لم يعد، بدنيًا أو صوتيًا، قادر على إعادة خلق الحالة التي كان عليها منذ ما يزيد على عشر سنوات. لكن لأن منير قد دخل في حسابات الربح والانتشار التي تتقدم على الفن نفسه، فإنه ما زال متشبثًا بالمجد الذي كان قد صنعه، يجتره ويهدره دون إدراك لهذا الإهدار، لأنه يراهن على حقيقة أنه جزء من التكوين النفسي لأجيال عديدة من جماهيره بررت التخبطات والتحولات واتضح عمق ارتباطها بمنير في ردود الأفعال شديدة العاطفية والتأثر حين أقام منير سهرة غنائية برعاية إحدى شركات الاتصالات في خضم جائحة كورونا تم بثها عبر اليوتيوب، وظهر منير في نهايتها باكيًا وكأنه اتحد بجماهيره مشاركًا إياهم القلق والشعور بالتضامن. تلك التخبطات بلغت ذروتها في تصريحه، عام 2021، عن استعداده للغناء في الأرض المحتلة، كاسرًا جميع الخطوط الحمراء، والتزامه السابق المعلن بقضية رفض التطبيع ومعاداة الصهيونية.
وبينما كان بعض مخلصيه يحاولون، منذ سنوات، لفت انتباهه إلى هذا المسار، كان رده الحاضر دومًا «إنتو شايفيني بصورة مش بتاعتي» قاصدًا أن إطار المطرب الملتزم ليس إطاره وبالتالي لا يجوز محاكمته عليه. ماذا تبقى من محمد منير إذن؟
لم يتبقْ من منير سوى الماضي الذي خلق تلك الحالة وأدامها، فلو أن الـ20 عامًا الأولى من مسيرة منير لم تكن، لو أن تلك المسيرة بدأت مع القرن الحالي، لكان منير مجرد صوتًا جميلًا بلا مضمون عميق الارتباط بأجيالٍ مختلفة، كان منير ليصبح مطرب عابر لأن ما منحه فرادته لم يكن عنصرًا من عناصر التركيبة، بل التركيبة بأكملها والتي صار غياب كل عنصر منها خطوة في طريق الانحدار. الشُعراء أصحاب الكلمة الملتزمة استُبدلوا، الألحان صارت تميل للإيقاع والسرعة، الأوبرا استُبدلت بالساحل الشمالي والعلمين الجديدة وشرم الشيخ، ومنير نفسه على مستوى الصوت والقدرة لم يبقَ منه إلا ظل مطرب قديم شديد الحيوية والحماس يقف الآن كشاهد على حجم التبدل والتراجع وتحول الغناء الملتزم إلى سلعة وواجهة إعلانية تواصل تفريغ ظاهرة منير من جوهرها وتدفع المرء للتساؤل: ماذا لو اعتزل منير الغناء فعليًا مع آخر حفلاته في الأوبرا في نهاية العقد الأول من هذا القرن؟ هل كان الفراغ الذي سيتركه يضاهي الفراغ الذي يخلقه بإصراره على مسار التدمير الذاتي الذي يمارسه؟
آراء أخرى
«انتش واجري» هكذا يُصنع التريند داخل الطبقة
«التريند لا يعبر بالضرورة عن الاحتفاء بمحتواه، بل إنه يُصنَع من خلال إعادة تأطير محتواه»
حبك جنّننا يا شادية! (تدوينة)
«أحبُ غناءك وكأنك فتاة بسيطة تغني في البيت»
تدوينة عن ليلى مراد في ذكرى رحيلها: «كان» فعل ماضٍ، لا يدعني في حالي
«قررت زيارة ليلى مراد في منزلها لأجري معها حوارًا عن مسيرة حياتها، عما تحبه وتكرهه، وعن قراراتها المختلفة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد