تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

رسالة لا زالت “تقاوح” من أجل الوصول!

بلال فضل
9 دقيقة قراءة

"ابنتي الحبيبة: إزايّ حالك.

 أكتب إليك هذه الرسالة وأنت تأكلين الآن رز باللبن والقشطة والمكسرات مع الملايكة، بعد أن قضينا يومًا جميلًا حافلًا باللعب والضحك والجري والمرجحة والحواديت التي لم تفهمي منها شيئًا، لكنك بكل جدعنة تحملتي حماسي المبالغ فيه وأنا ألعب دور الأب الحكَّاء، فقررتي مشكورة أن تلعبي دور البنت المنبهرة بحكايات أبٍ، رأى أنه من العبث أن يحكي لابنته عن الشاطر حسن وأمنا الغولة، في زمن يسوده الشطار والعيَّارون وسارقو الأحلام، وتتوارى أمنا الغولة خوفًا من غيلان القصور الحاكمة والممولة والراعية للحكم، فقرر أن يحكي لابنته عن أحلامه، في أن تعيش يومًا ما في بلاد أقل سوءًا من التي عاش هو فيها.

الغريب يا ابنتي أنني وأنا أحكي لكِ عن هذه البلاد التي حلمت بها أنا والأجيال التي سبقتني، كنت أرى في عينيكي حزنًا رهيبًا جعلني أشك للحظة أنك تفهمين ما كنت أقصده، ربما التقطتي حزني بفطرتكِ الذكية، وربما أنا الذي ظننتُ ذلك مبالغًا في قدراتك كعادة الآباء، لكنني شعرت أنني في حاجة لأن أفسر لك سر ذلك الحزن الذي تملكني وأنا أحدثك، فقررت أن أسجل ذلك على الورق؛ لعلنا عندما تكبرين نقرأه معًا ونضحك على عبط أبيك الذي لم يكن يعلم أن الأحوال ستنصلح، أو لعلنا نقرأه معًا ونبكي على حال هذه البلاد التي تعشق أن تصبح على الذي باتت عليه، وربما لا أكون معك أساسًا وأنت تقرئين هذا الكلام، فأكون قد حاولت أن أجيبك على سؤال يواجهني كثيرًا هذه الأيام، ولعله سيواجهك عندما تكبرين، هذا السؤال المفزع الذي يطاردني كثيرًا يا ابنتي هو: ما الذي تريده بالضبط؟ ولماذا تكتب كل ما تكتبه؟ ولماذا لم ترضَ بالكثير الذي رزقك به الله، وقررت أن تتمرد وتلابط وتسوق العوج على الذين عاثوا في الأرض فسادًا وموالسة وزيفًا وظلمًا؟ فأخشى ما أخشاه أن يصور لك أحد أن أباكي كان مجنونًا أو باحثًا عن بطولة أو جاريًا وراء وهم. وأنا يا ابنتي أقسم لك بالذي أنشأك في أحسن صورة إنني لم أكن مجنونًا أو بطلًا أو موهومًا. أنا كنت أنا، بأسئلتي الكثيرة وحيرتي وشغبي وكراهيتي للسير في القطيع وحبي العارم للحياة، كل الحكاية أنني كنت أظن أن القلم لعبة لطيفة كما تظنين أنت الآن، وأنت تلعبين بالأقلام التي أحضرها لك، لكنني تعلمت أن القلم لعنة تحرق صاحبها إذا لم يحمل أمانته التي اختار أن يحملها ظلومًا جهولًا.

أنا يا ابنتي كنت واحدًا من ملايين غيري عشنا نحلم فقط ببلاد أقل سوءًا، بلاد حقيقية، ليست موجودة فقط في أحلام الشعراء وخيالات الروائيين، بالعكس، البلاد التي نريدها كانت على أيامنا موجودة على خريطة العالم يتمتع بها من لا يدينون بديننا، ولا يتكلمون لغتنا، ولا يدعون مثلنا، طيلة الوقت، أن لديهم أخلاقًا وتراثًا وقيمًا وتقاليد وهوية وحضارة.

كنا نريد بلادًا نعلم كيف يأتي حاكمها ومتى يرحل ولا نعلم مَن سيخلفه مسبقًا، بل نكون بحاجة لأن نفكر جيدًا قبل أن نقرر مَن سيخلفه. كنا نريد بلادًا نعلم من يحكمنا فيها، هل هو الحاكم أم ابنه أم أصدقاء ابنه أم قوى غامضة لا يعلمها إلا الله. كنا نريد بلادًا لا يفتش في ضمائرنا فيها إلا الله، ولا يجرؤ أحد فيها أن يصادر على تفكيرنا، ولا على حريتنا، ولا على مشاعرنا. كنا نريد بلادًا يأكل المواطن فاكهتها بشغف لا يشوبه قلق من المرض الخبيث، ويمتنع عن الإكثار من أكل اللحم؛ لأن كثرته مضرة لا لأن كثرته مستحيلة.

كنا نريد بلادًا نعلم لماذا تحارب ولماذا تسالم ولماذا ترفع صوتها بين الأمم ولماذا تخفضه، بلادًا تنحني للعواصف دون أن تنبطح، وتلعب كل الأدوار في السياسة الدولية إلا دور المُحلل. كنا نريد بلادًا لا تخنقنا بأوهام الريادة والسيادة والصدارة وهي تسير في ذيل ركب الحضارة. كنا نريد بلادًا لا يحتاج المحبون فيها إلى التخفي، ولا الحالمون بالجنس إلى الاغتصاب، ولا المنزلقون في الزلات إلى اختبار الـ«دي إن إي». كنا نريد بلادًا يتمتع فيها الغني بغناه دون أن يسرقه مسئول، أو يفرض عليه «الفِردة» صاحب نفوذ، أو يسرقه جابي ضرائب، بلادًا فقرها ممكن الاحتمال، يحلم فيها الفقير بخروجه من فقره دون أن يتهمه الناس بأنه موهوم لا يدرك أن فقره سيسحقه وأنه هالك لا محالة. كنا نريد بلادًا نعلم لماذا يتعرض الإنسان فيها للسجن؟ وكيف يقضي ليلته في السجن؟ وماذا يأكل؟ وكم مرة سيرى أهله وذويه؟ ومتى سيخرج؟ وما الذي سيفعله بعد أن يخرج؟ كنا نريد بلادًا لا يُضرَب كُتَّابها في الشوارع، ولا يختفون في ظروف غامضة، ولا يختارون تعرية ضمائرهم وأقلامهم خوفًا من أن يجدوا أنفسهم عراة في المقطم.

كنا نريد بلادًا توصل الكهرباء إلى بيوت مواطنيها لا إلى مؤخراتهم، بلادًا تروي عطش أهلها بالمياه النقية ولا تغرقهم في براميل المياه حتى يعترفوا بجرم لم يرتكبوه. كنا نريد بلادًا نموت فيها لأن الله وحده أراد لنا ذلك، وليس لأن لدينا مستشفيات بها أطباء بلا ضمير، وعمارات بناها مقاولون بلا إيمان، ورخَّصها مهندسون بلا ذمة، ومسارح لا مخارج للطوارئ بها، وطرقًا تعبر بسالكيها إلى الموت، وفقرًا «دكرًا» يدفع الناس لقتل أنفسهم عندما يعجزون عن قتله. كنا نحلم ببلاد لا نبكي عندما نغني لها، لا نخاف عندما نشكو منها، لا يراودنا الشك في مصيرها، ونموت لأي سبب إلا القلق على مستقبل أبنائنا فيها. كنا نريد بلادًا تشجعنا على حبها.

... لكننا يا ابنتي حِيل بيننا وبين ما نريد ونشتهي، تمامًا كما فُعِل بأسلافنا من الحالمين في هذه البلاد الظالم حكامها لأهلها، والظالم أهلها لأنفسهم ولبعضهم البعض، ولست أدري في هذه اللحظة التي أكتب لكِ فيها هل نرى يومًا ما نريد أم نموت مثل أسلافنا قبل أن نرى ما نريد؟! وما كنا نريده كما ترين لم يكن وهمًا أو مستحيلًا أو جنونًا أو عبثًا، بل كان حلمًا قابلًا للتحقق، لكن الوجوه الكريهة التي كانت سائدة في زماننا لم تكن ترى ذلك ولا تريده، ولست أدري هل سيكون في الزمن الذي تكبرين فيه وتصبحين قادرة على فهم ما أكتبه لكِ الآن وجوه كريهة تمنعك أنت وجيلك من رؤية ما تريدونه؟! أرجو من الله ألا يحدث ذلك وأن تكونوا أسعد حظًّا منا، فتشهدوا لأول مرة تغييرًا حقيقيًّا في هذه البلاد، التي ظل العالم كله يتغير وهي تتحايل على التغيير بألف شكل وشكل، تغير جلدها وشكلها أحيانًا لكنها لم تُغير قطّ جوهرها.

سأشعر بسعادة يا ابنتي لو كنت إلى جوارك بعد عشرين عامًا، ورأيتك وأنت تقرئين كلامي هذا وتسخرين مني ومن جيلي؛ لأننا كنا نحلم بأشياء هي بالنسبة لكم بديهيات لا ترقى إلى أن تكون أحلامًا. وسأشعر بالرضا لو جئتِ إلى قبري وقرأتِ لي وعليَّ الفاتحة ثم قلت لي إنك الآن ترين ما كنت أريد.

ليس ذلك بكثير على الله يا ابنتي.. فالله يفعل ما يريد.. فقط عندما يسعى عباده لأن يعيشوا في بلاد أقل سوءًا".

في مساء يوم الرابع والعشرين من يناير 2011 انتهيت من كتابة نص هذه الرسالة التي قرأتها منذ قليل، والتي اخترت لها عنوان (رسالة بأمل الوصول)، ثم قمت بإرسالها في صباح اليوم التالي إلى إدارة تحرير صحيفة (المصري اليوم) التي كنت أكتب فيها مقالا يوميا بعنوان "اصطباحة"، لكي تنشر في صباح يوم السادس والعشرين من يناير، طبقا لمقتضيات نشر مقالات الرأي في الصحف الورقية، التي تقتضي تسليم المقال قبل موعد نشره بفترة، وبعد تسليم تلك الرسالة بساعات، ذهبت إلى دار الحكمة في شارع القصر العيني لكي أشارك في وقفة احتجاجية دعت إليها حركة كفاية، كنت قد توقفت عن المشاركة في الوقفات الاحتجاجية بعد مظاهرة الاحتجاج على قمع الصحفيات والتحرش بهن من قوات الشرطة في عام 2005، والتي تخيلت أنها ستكون مظاهرة مليونية تطيح بحكم مبارك، وشعرت بإحباط شديد عندما لم يتجاوز عدد المشاركين فيها أكثر من ألف شخص، أذكر أنني عدت بعدها إلى البيت محبطا غاضبا أسأل نفسي عن جدوى المشاركة في وقفات عبثية مثل هذه، مقررًا أن كل ما سأفعله من هنا ورايح هو فقط الكتابة بكل ما أملك من قوة والتعبير عن رفضي لفساد نظام مبارك واستبداده، لعل هذه الكتابة تكون سببا في حشد الناس نحو فعل حقيقي أبعد من الوقوف على سلالم نقابة الصحفيين.

ظللت منذ تلك اللحظة مستعدا لدفع ثمن كتابتي أيا كان، لم يكن لحسن حظي ما دفعته باهظًا كما دفعه غيري، إذ يهون منع البرامج والشحططة في النيابات والمحاكم إلى جوار من تم قتلهم واعتقالهم وهتك أعراضهم وترويع أسرهم، وظللت بعدها كلما رأيت وقفة هزيلة على سلم النقابة أشعر بإحباط أشد، فأزيد من حدة كتابتي وعنفها، حتى جاءت الثورة التونسية فأحيت فيّ وفي الكثيرين من حولي أملًا لم يكن له ما يبرره على أرض الواقع، لذلك لا أدرى لماذا تجاوبت هذه المرة مع دعوة التظاهر في يوم الخامس والعشرين من يناير التي تلقيتها من صحفيين شباب لم أكن أعرفهم ولا زلت لا أعرف أسماءهم، كل ما أذكره أنهم قالوا لي أنهم يعملون في صحيفة (البديل) الإلكترونية التي كان يرأسها وقتها صديقنا خالد البلشي، هزني حماسهم الصادق، ربما شعرت بأنه يحمل أملًا بالخروج من حالة الموات التي كانت البلاد تعيش فيها، كانت حالة التضييق على الآراء المعارضة قد وصلت إلى أبعد مدى، وكان مُقبضًا ما يتسرب إلينا من استعدادات لإسكات الأصوات التي بقت على الساحة لكي تلحق بمن سبق إسكاته بالفعل.

قررت أنا وصديقي الروائي حمدي عبد الرحيم أن نشارك في مظاهرة جامعة القاهرة التي تم تغييرها في آخر لحظة لتصبح أمام دار الحكمة، كنت متأكدًا أن كل من سيشارك في الوقفة سيتم اعتقاله لا محالة، ولم أتوقع أن يزيد عدد المشاركين عن العدد الذي شهدته في آخر وقفة على سلم النقابة، اخترت بنطلونًا متعدد الجيوب يكفي لتخزين أدوية لمرض السكري الذي كنت قد أصبت به قبل عامين، وضعت في جيوبي أدوية تكفيني لمدة أسبوع، اضطررت للكذب على زوجتي التي كانت تسمع مني سخرية دائمة من جدوى الوقفات الاحتجاجية التي كانت تشارك فيها، قلت لها أنني ذاهب إلى اجتماع مبكر مع فريق عمل مسلسل تلفزيوني ـ أطاحت به الثورة مع نظام مبارك ـ نزلت يومها من البيت بعد أن عانقتها عناق مودع مع الحرص على ألا يظهر لها أنه كذلك، كان بداخلي إحساس عميق يقول لي أن تعامل نظام مبارك مع هذه المظاهرات وإن قل عددها لن يكون متسامحًا أبدًا هذه المرة، وربما لذلك اخترت هذه الرسالة لكي تكون آخر ما يتم نشره لي إذا جرى لي مكروه فتعرضت لغيبوبة سكر، أو أصبت إصابة خطيرة عندما يبدأ قمع المتظاهرين الذي كان منتظرًا ومتوقعًا.

لا أدري لماذا فكرت في هذا كله وقتها، ولا أدري لماذا كانت هذه الرسالة ما اخترت أن أتركه لإبنتيّ، ما أدريه أنني كنت أبكي وأنا أتأمل سطورها قبل أن أرسلها بالبريد الإلكتروني، تمامًا مثلما بكيت وأنا أعيد قراءتها الآن وأنا أدفع بها لإعادة النشر من جديد، بعد مرور أربعة أعوام من اندلاع الشرارة الأولى للثورة، ربما لأن الرسالة برغم معرفة صاحبها بطول الطريق ووعثائه ودمويته وقلة زاده وضرورة المقاوحة في الوصول، ربما تكون أحلامها في الوصول قد تضاءلت، لأنها أصبحت تحلم أكثر بألا تظل صالحة لإعادة النشر.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

نقد النقد الذاتي

«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).