رسائل اغتيال المارشال
ما أن سيطر الجنرال إدريس ديبي على مقاليد السلطة في تشاد قبل 30 سنة، إثر نجاحه في الإطاحة بالرئيس الأسبق حسين حبري، حتى أعلن نفسه «المُنقذ والمُخلص» من نظام حكم سلفه الديكتاتور الذي ارتكب جرائم ضد الإنسانية.
دخل ديبي الذي قاد الحركة الوطنية للإنقاذ، بقواته العاصمة التشادية إنجامينا في ديسمبر من عام 1990، وبعدها بأسابيع تسلم الحكم بشكل رسمي ونهائي، معلنًا عن مسار جديد من «الديمقراطية والحرية، والحكم الدستوري»، بعد نحو ثمان سنوات قمع فيها حبري الشعب التشادي وحكمه بالحديد والنار.
في أول ظهور جماهيري له بعد توليه السلطة خاطب ديبي التشاديين قائلًا: «لم آت بالذهب والفضة، ولكن جئتكم بالحرية»، الرئيس الجديد وافق حينها على تشكيل لجنة تقصي حقائق في جرائم سلفه، حمَلت تلك اللجنة الرئيس حبري المسؤولية عن مقتل واختفاء 40 ألف مواطن تشادي.
وكما بلغت الدراما ذروتها بإدانة حبري في محكمة إفريقية خاصة تشكلت في السنغال عام 2015 بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب واغتصاب وخطف وإعدام، وحكمت عليه بالسجن المؤبد، فرضت الدراما نفسها مجددًا لينتهي الحال بـ«المُخلص الذي بشر بالحرية» غارقًا في دمائه إثر اختراق طلقة ظهره.
الأسبوع الماضي لفظ ديبي أنفاسه الأخيرة بعد ساعات من إعلان فوزه بولاية رئاسية سادسة في انتخابات قاطعتها المعارضة المدنية، وهاجمتها المعارضة المسلحة، لتُغلق بذلك تشاد فصلًا جديدًا من فصول الاستبداد، استمر لنحو ثلاثة عقود، وتسود بعدها حالة من الفوضى والصراعات لا يستطيع أحد أن يتوقع متى تنتهي.
كان ديبي قد شارك في أول انتخابات رئاسية جرت عقب الإطاحة بسلفه حسين حبري، وبعد إقرار دستور يسمح بالتعددية الحزبية عام 1996، حسم ديبي تلك الانتخابات، ثم أعيد انتخابه في عام 2001، وفي عام 2005 أشرف على تنظيم استفتاء لتعديل الدستور ليرفع القيد على مدد ترشحه لرئاسة الجمهورية، فنصوص الدستور الأول تمنع ترشحه أكثر من دورتين.
تمكن ديبي بعد تلاعبه بمواد الدستور من الترشح لولاية ثالثة في انتخابات الرئاسة 2006 وفاز فيها بعد أن قاطعتها المعارضة، وتكرر المشهد في انتخابات 2011، والتي فاز فيها بولاية رئاسية رابعة.
وقبيل انتخابات الرئاسة في أبريل 2016، تعهد ديبي بإعادة القيود على مدد تولي الرئاسة التي ألغيت في عام 2005، إذا أصبح رئيسًا مرة أخرى، قائلاً إن التغيير الدستوري الذي تم إجراؤه في عام 2005 كان ضروريًا لأن «حياة الأمة كانت في خطر».
وفي أبريل 2018 وافق البرلمان التشادي بأغلبية كبيرة وفي ظل مقاطعة غالبية أعضاء المعارضة على تعديلات دستورية توسع سلطات الرئيس، وتعيد العمل ببند الفترتين الذي ألغاه تعديل 2005، التعديل الجديد لم يطبق بأثر رجعي، وهو ما سمح بقاء ديبي في السلطة حتى عام 2033.
شارك ديبي في الانتخابات الأخيرة، وحصل على نحو 80% من الأصوات وفقًا لما أعلنته حملته الانتخابية، وبعد يومين قُتل على يد خصومه المتمردين بحسب الرواية الرسمية التي أكدت أن رئيس تشاد السابق رحل مثخنًا بجراحه خلال مواجهة عنيفة في شمال البلاد مع قوات المتمردين القادمة من ليبيا بزعامة غريمه محمد مهدي علي.
وتضيف المصادر الرسمية أن ديبي كعادته انتقل يوم الأحد 18 أبريل الجاري إلى منطقة القتال لرفع معنويات جيوشه، قبل أن يصاب أثناء مناورة للتصدي للمتمردين، حيث نقل إلى العاصمة ليلفظ أنفاسه في وقت لاحق.
وبعيدًا عن الرواية الرسمية، شكك عدد من المحللين والمراقبين في فرضية اغتيال ديبي بسلاح المتمردين على جبهة القتال، وبحسب ما نقلته تقارير لوكالات الأنباء، هناك فرضيات أخرى منها أنه تم اغتياله من طرف أحد مرافقيه أو حراسه، أو أن يكون أطلق عليه النار داخل قصره، وعضد تلك الفرضية عدم الإعلان عن مقتل أي من القادة العسكريين أو المرافقين له، «فكيف لرئيس يقود العمليات أن يموت وحيدًا دون أن يصاب من حوله بأذى»، يتسأل أحد المراقبين.
ويعتقد المسوقون لتلك الفرضيات أن بعض العسكريين ربما تخلصوا من ديبي حتى لا يجرفهم سيل الأزمة التي انطلقت سياسيًا من خلال رفض المعارضة لولاية ديبي السادسة، وعسكريًا من خلال تمرد الكتائب الشمالية بقيادة محمد مهدي علي.
أيًا ما كانت الفرضيات، فمن المؤكد أن بقاء ديبي وطريقة حكمه وإصراره على تصفية العمل السياسي السلمي داخل البلاد فتح الباب أمام بوابات العنف والتمرد وعدم الاستقرار، فغياب أي تداول سلمي للسلطة وغرق الدولة في الفساد وغياب الرقابة كل ذلك رفع منسوب الاحتقان في الشارع التشادي حتى بلغ مداه، وهو ما أوصل الدولة الإفريقية الفقيرة إلى إحدى النتائج المتوقعة: «ثورة شعبية، أو انقلاب، أو اغتيال رأس السلطة».
وبالرغم من أن ديبي كان يصدّر دائمًا أن نظامه متماسك وأن مؤسساته وأجهزته لا تزال تسيطر على الأمور، ألا أن حجم الدماء التي سالت خلال الشهور الأخيرة من حياة الرئيس المغدور والناتجة عن سعيه الدؤوب لإحكام قبضته على السلطة كان كفيلًا بتفكيك حالة التماسك الوهمي لنظام الحكم الأسري الذي سعى ديبي إلى فرضه بتصعيد أبنائه وأسرته إلى مواقع قيادية سواء في الجيش أو في الإدارات المدنية.
المارشال الذي خاطب شعبه قبل أقل من عام قائلًا إنه يعرف «كيف ينتصر في المعارك، ويعرف ما هي الخدمة العسكرية، كما يعرف الحرب والقواعد التي تحكمها»، مذكرًا بأنه كان جنديًا قبل أن يصبح جنرالًا، خسر معركته الأخيرة بموته الغامض، قُتل في حرب أعلن جيشه أنه حسمها.
كلمات ديبي السابقة كانت بمناسبة احتفاله بنيله رتبة «مارشال تشاد»، بعد أن صوت كل نواب البرلمان التشادي لصالح منحه الرتبة الأعلى في تاريخ البلاد، بحسب تحليل الصحفي الموريتاني المتابع لشؤون الأمن في الساحل الإفريقي أحمد محمد المصطفى.
وأشار المصطفى إلى أن العسكري، الذي تدرج في الرتب العسكرية، وواجه الموت عيانًا عدة مرات قبل أن يفتك به قبل أيام، وصل حكم البلاد نهاية عام 1990، حيث تلاقت في دعمه إرادتا نظامين إقليمين فاعلين، هما النظام الليبي، والسوداني، كما حصل على دعم فرنسي قوي، مكنه من دخول إنجامينا، والإطاحة بحكم سلفه، و«صانعه» حسين حبري.
وأضاف المصطفى أن تشاد التي استقلت عن الاستعمار الفرنسي عام 1960، واجهت العديد من المشاكل بسبب غياب الحكم الرشيد، وهو ما جعلها من أكثر بلاد العالم فقرًا، «أسهم الفساد السائد في الطبقة الحاكمة، وفي محيط الرئيس ديبي تحديدًا في مضاعفة معاناة السكان، وفي تردي البلاد في قاع التخلف، حيث قدرت تقارير دولية حجم الأموال التي نهبتها المجموعة المقربة من الرئيس بأكثر من عشرة مليارات دولار».
الصراعات القبلية والعرقية التي انفجرت في السنوات الأخيرة، ضاعفت من حجم الأزمة التشادية، وساعد على اشتعالها وصول الصراع في مراحله الأخيرة إلى البيت الرئاسي، حيث كان أرث الرجل محل تنازع بين زوجته هيندا ديبي اتنو ومحيطها المتنفذ، وأبنائه الحاضرين بقوة في قيادة المؤسسة العسكرية، وهو صراع قد لا يعدم المتعمق فيه مؤشرات على مستوى من التنافس الأمريكي الفرنسي في المنطقة.
استند ديبي على فرنسا حتى يستمر في الحكم لثلاثة عقود، فالقوات الفرنسية أعادته إلى السلطة ثلاث مرات الأولى عام 2005 والثانية عام 2008، بعد أن وصل المتمردون إلى بوابات القصر الرئاسي، وتكرر الأمر عام 2019، ولم تغب أمريكا عن المشهد فـ«واشنطن» دعمت الرجل من الخلف، باعتباره «الحليف الرئيسي في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل».
في دول العالم الديمقراطية تستمد الأنظمة شرعيتها من رضا شعوبها، أما في دول العالم الثالث فلا تلقي الأنظمة المستبدة بالًا برضا الشعوب، الأهم دعم القوى الإقليمية والدولية، لذا فالعلاقة بين ديبي و«باريس» كانت قائمة على رد الجميل، فالرجل كان على استعداد دائم للدفاع عن الأجندات الفرنسية في المنطقة، ودفع بقوات بلاده إلى جانب القوات الفرنسية في كل حروبها في المنطقة، وفي المقابل ساندته فرنسا في مواجهاته مع خصومه السياسيين من أبناء شعبه.
ظن الرجل أنه يمكنه أن يستمر في إحكام قبضته على السلطة مستندًا على دعم فرنسا القوي، ومساندة «واشنطن»، لكن عندما حلت لحظة الحقيقة انكشف ظهره، فذهب كما ذهب غيره ممن لاحقتهم لعنات الشعوب.
فرنسا كانت قد أعلنت قبل أسابيع خلال العمليات العسكرية الأخيرة دعمها للجيش التشادي عبر تقديم المعلومات الاستخباراتية، والدعم الميداني ألا إن «التطورات الميدانية أثبت حصول اختلاف جذري في طبيعة التعاطي الفرنسي مع الأحداث في هذا البلاد، وهو تطور قرأته الحركات المسلحة المناوئة لديبي، فدعت فرنسا علنًا للوقوف على الحياد في هذا الصراع»، يقول المحلل السياسي أحمد المصطفى.
بعد ساعات من اغتيال ديبي، أعلن نجله محمد ديبي المعروف بالجنرال محمد كاكا عن انقلاب دستوري، فشكل مجلس عسكري لحكم البلاد لفترة انتقالية تمتد لـ 18 شهرًا، وهو ما أزّم الموقف ودعا المتمردين إلى إعلان تقدمهم نحو العاصمة إنجامينا، ما فتح الباب أمام سيناريوهات من الفوضى والصراع لا يعلم أحد متى ستنتهي، فالأوضاع الأمنية متدهورة، وخصوم النظام من متمردين وتنظيمات أصولية تتربص وتنتظر اللحظة التي تقفز فيها على غريمها.
لم يتعلم ديبي درس سلفه الذي دعمته أمريكا حتى تمت الإطاحة به مطلع تسعينيات القرن الماضي، كلاهما سقط في اختبار الحكم، ما أن وصلا إلى السلطة حتى داسا على حقوق الشعب بالمجنزرات والآليات العسكرية، فانتهى أمر الأول حسين حبري بأن حُكم عليه بالسجن المؤبد بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب ضد شعبه، وها هو يقضي عقوبته في سجن بالسنغال، وأطلق على الثاني الرصاص من الخلف ليموت ملعونًا من شعبه الذي وعده قبل ثلاثة عقود بالحرية والديمقراطية لكنه تنكر لكل وعوده وضعف أمام إغواء السلطة فاستبد وقمع وتلاعب بالدستور كي يؤبد في الحكم فنال مصيره المحتوم.
للأسف الشديد ما جرى في تشاد، هو سيناريو يتكرر في القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، فهدف الحكام الذين وصلوا إلى السلطة سواء عبر انقلابات أو انتخابات هو الاستمرار في السلطة حتى آخر نفس، لم يتعلم أحد منهم الدرس ولم يراجعوا مصائر السلف الطالح الذي أُغلقت صفحات حكمهم إما بالاغتيالات أو الثورات أو الانقلابات.
آراء أخرى
كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (1-3)
«للاشتباك مع الجدالات حول كليوباترا، يجب أن نأخذ تمثيلاتها في الثقافة الشعبية على محمل الجد»
ما وراء الاهتمام الأوروبي بالهيدروجين الأخضر في شمال إفريقيا
«محاولة جديدة للاستيلاء الاستعماري»
قبل الـ«كوب»: عن «الرواية الموحدة» وأولوية التكيف في إفريقيا
«حول توزيع الأعباء البيئية بين الشمال المتقدم والجنوب الفقير»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد