حينما قال رئيس الجامعة: “دوسُه.. دوسُه”
فقط في مصر يمكن لرئيس جامعة أن يأمر سائقه أن يدهس طالبًا وتمر الحادثة بسلام وكأن شيئًا لم يكن.
شاهدت تسجيلًا يظهر فيه "رئيس الجامعة الألمانية" غاضبًا من حديث رئيس اتحاد طلبته، الذي كان بدوره غاضبًا من تصرف رئيس الجامعة الذي "لطع" أولياء الأمور بالساعات بعد أن جاءوا بناءً على موعد مسبق لمناقشة الوضع المتأزم بين إدارة الجامعة وطلبتها؛ فما كان من رئيس الجامعة إلا أن صاح في سائقه: "دوسُه.. دوسُه".
الفيديو يلخص طريقة تعامل إدارة الجامعة مع الأزمة التي بدأت بموجة غضب بين الطلاب عقب وفاة زميلتهم "يارا طارق" الأسبوع الماضي، بعد أن دهسها أتوبيس داخل الجامعة، ورأى معظم الطلاب أن الحادث جاء نتيجة للإهمال في تنظيم موقف الأتوبيسات، مما يعرض حياة الطلبة للخطر والإهمال، نتيجة لعدم توفر الرعاية الطبية اللازمة للإنقاذ السريع داخل الجامعة. غضب الطلاب كان يمكن احتواؤه في المهد لو أن الجامعة كانت قد أصدرت بيانًا تعلن فيه عن محاسبة المخطئ واتخاذ حزمة من الإجراءات البسيطة لزيادة عناصر الأمان في الجامعة، لتفادي أية حوادث مماثلة في المستقبل. مثل هذا التصرف كان من الممكن أن يهدئ من موجة الغضب التي تنامت بسرعة البرق بين جموع الطلبة، ويبعث برسالة مفادها بأن الجامعة حريصة على حياة طلابها وأمنهم وحقوقهم ... إلا أن هذا لم يحدث، بل أصدرت الجامعة بيانًا توضح فيه أن الجامعة قامت بدورها في محاولة إسعاف الطالبة، وأن "كله تمام"، وأنها في انتظار ما تسفر عنه تحقيقات النيابة بشأن الحادث لاتخاذ أي إجراءات، ولم تشر في بيانها من قريب أو بعيد إلى نيتها لتحسين عوامل الأمان داخل الجامعة.
فما كان من الطلبة إلا أن قاطعوا امتحانات منتصف الفصل التي بدأت بعد الحادث بأيام قلائل، كوسيلة سلمية للضغط على الإدارة لاتخاذ تلك الإجراءات التي تحولت إلى مطالب رفعها الطلاب، فوصلت نسبة مقاطعة الامتحانات في اليوم الأول إلى 85%، مما أكد أن تلك المطالب المشروعة هي مطالب يرفعها السواد الأعظم من الطلبة، وأنهم على قلب رجل واحد في التصدي لتجاهل الجامعة لأبسط حقوقهم.. بل قام طلبة "الهندسة المعمارية" في مبادرة مشرفة منهم تدل على وعي بدورهم بإنشاء مجموعة قامت بمحاولة طرح حلول لتخطيط ساحة الأتوبيسات بطريقة أكثر أمانًا.
إلا أن تجاهل الجامعة لحقوق الطلاب تحول إلى تعنت غريب وإصرار أغرب على إسكات صوتهم، وبدلًا من تفهم حزن الطلبة على زميلتهم والاستجابة لأبسط حقوقهم، دخلت الجامعة في مواجهة غير مبررة مع طلبتها وأصدرت بيانًا آخر تؤكد فيه استمرار الامتحانات، متجاهلة الإشارة إلى الاستجابة لمطالب الطلبة للمرة الثانية.
ليس هذا فحسب، بل تجاهلت الجامعة تحريض رئيسها سائقه على دهس أحد طلبتها، بل إن مجلس الجامعة أدان الطلبة في قراره الصادر قبل كتابة هذا المقال بساعات، واعتبر طرقهم السلمية للمطالبة بحقوقهم هي "زعزعة الاستقرار داخل الجامعة"، واعتبر الطلاب الذين قاموا بذلك "عدد صغير من الطلاب"، واتهمهم بـ "محاولة تعطيل الامتحانات وممارسة الإرهاب النفسي والأدبي ضد زملائهم الطلاب وأيضًا التعدي على بعض زملائهم"؛ حيث رأى مجلس الجامعة أن المقاطعين للامتحانات- الذين بلغت نسبتهم 85% في اليوم الأول و56% في اليوم الثاني وأكثر من 70% في اليوم الثالث- ما هم إلا قلة مندسة غرروا بزملائهم الطلاب وألحقوا بهم الضرر، في محاولة بائسة من الجامعة لاتباع سياسة فرق تسد. وأعلن المجلس في البيان نفسه أن الجامعة ستعيد الامتحان فقط للطلبة الذين يتقدمون بالتماس ينظر فيه من قبل الإدارة. وبطبيعة الحال، لم يتطرق هذا القرار أيضًا لأي إجراء من شأنه النظر في مطالب الطلبة.
أي عبث هذا؟ ما الذي تفعله إدارة الجامعة؟ إن ردود فعل الجامعة المتتالية حتى الآن لا تبعث بأية رسائل إيجابية، بل هي محاولة تلو الأخرى لكسر إرادة الطلبة وإخضاعهم لإرادتها دون النظر لصالحهم. فيما يبدو أن الرسالة التي تريد الجامعة إيصالها إلى طلبتها، هي أنهم ببساطة لا حقوق لهم على الجامعة، والأهم أنهم لا يحق لهم رفع مطالبهم حتى ولو بالطرق السلمية، بل سيتم تشويههم وشيطنتهم وتصويرهم على أنهم متسببون في إلحاق الضرر بزملائهم.
ما نراه في "الجامعة الألمانية"، هو مثال صارخ لتحكم رأس المال في المواطن في أي مكان. الجامعة تقوم بلي أذرع الطلبة والتحكم في مستقبلهم تمامًا كما يفعل صاحب المصنع مع عماله المطالبين بحقوقهم.. ولم تملك وزارة التعليم العالي إجبار الجامعة على النزول على رغبة طلابها والاستجابة لمطالبهم المشروعة تمامًا مثلما تفشل أجهزة الدولة في حماية حقوق العمال من صاحب رأس المال.. ما يحدث في "الجامعة الألمانية" هو نسخة طبق الأصل من السياسات التي يتبعها النظام مع أي مواطن يطالب بحقوقه؛ حيث يتم اتهامه على الفور بتهم جاهزة من نوعية "زعزعة الاستقرار ووقف عجلة الإنتاج ووقف المراكب السايرة".
لا يهم أن تموت طالبة وأن تستمر الظروف نفسها التي يمكن أن تؤدي لوفاة غيرها بسبب الإهمال والتقصير.. الأهم أن يفهم كل فرد أنه لا يحق له المطالبة بحقوقه وأنه لن ينال إلا ما تلقيه إليه السلطة – أية سلطة – من فتات.
واهم من يعتقد أن المال سيوفر له حياة كريمة في بلد تضيع فيه الحقوق.. لا المستشفيات الاستثمارية تضمن لك خدمة طبية جيدة، ولا الجامعات الاستثمارية تضمن لك خدمة تعليمية جيدة، ولن تحصل على حقوقك في أي خلاف مع أية جهة سوى بالوساطات والمحسوبيات... ببساطة لأن مالك لن يحميك. فحين يغيب العدل ويتفشى الإهمال والفساد، يصبح أصحاب رؤوس الأموال ومن هم في مواقع السلطة هم المتحكمون في خلق الله.
لن يحميك سوى إرساء العدل. وهو الحلم الذي داعب الكثير في يناير2011، ولكن ما لبث أن تاه بين الكوابيس... حتى إشعار آخر!
آراء أخرى
«لا نريد أن تعرفونا أو تعترفوا بنا»: رسائل غاضبة وحالمة من Gen Z
«جيل لم يعِش الحلم السابق، لكنه يسأل عن المستقبل بعينٍ جديدة»
احتجاجات جيل زد.. انتفاضة الشباب وتحديات الواقع
«تحركات جيل زد أشعلت انتفاضات شعبية في 9 دول خلال العام الجاري»
نقد النقد الذاتي
«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد