حول الدين العام وحكم الخبراء: ما بين تاريخ اليونان ومصر
"ستكون هناك ضرورة لانتخابات جديدة إذا صوّت اليونانيون لصالح برنامج الإصلاح وبالتالي لصالح البقاء في منطقة اليورو وإذا اضطر تسيبراس للاستقالة نتيجة لذلك. (...) أما الفترة الانتقالية فيجب أن تدار بواسطة حكومة تكنوقراطية".
كانت هذه تصريحات رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولز قبيل الاستفتاء اليوناني الأخير. وبالفعل، كما تابع الجميع، استقال تسيبراس في الأيام القليلة الماضية. لم يكن ذلك، كما توقع شولز، نتيجة قبول اليونانيين "لبرنامج الإصلاح"، فقد صوتوا بأغلبية ٦١% ضده. بل نتجت الاستقالة عن فقدان رئيس الوزراء جزءًا من قاعدته السياسية بعد ما دُفع- تحت تهديد الخروج من اليورو- للموافقة علي حزمة إجراءات تقشفية طالب بها الدائنون مقابل خطة إنقاذ جديدة.
بالاضافة للجانب الاقتصادي والمالي للاتفاق، والذي بدا أقسى على اليونان من الخطط السابقة التي كانت محل تفاوض، فما أثار استياء قطاعات غير قليلة من اليونانيين، وبالأخص في أوساط اليسار، هي الشروط السياسية للاتفاق الأخير، والتي حتّمت استشارة "الترويكا" (الاتحاد الأوروبي، صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الاوروبي) من قِبل الحكومة اليونانية مسبقًا بشأن كل مشاريع القوانين في المجالات المتصلة ببنود الاتفاق، كما تضمن الاتفاق تطبيق برنامج خصخصة من خلال تشكيل صندوق خاص تديره السلطات اليونانية بإشراف من السلطات الأوروبية، لإدارة أصول عامة، قيمتها ٥٠ مليار يورو. وكان من المفترض في المقترح الأصلي للحكومة الألمانية والذي عارضته اليونان بشدة، أن يدار هذا الصندوق من خارج البلاد.
هذه البنود تؤدي بوضوح إلى فقدان الدولة اليونانية جزءًا من سيادتها المالية، ولذلك وُصفت بالـ"استثنائية" و"غير المسبوقة"، غير أن نظرة سريعة على السياسات المتبعة تجاه دول جنوب أوروبا منذ الأزمة المالية الاخيرة في ٢٠٠٨، تشير إلي أن تعليق الإجراءات الديمقراطية بتدخّل من المؤسسات الأوروبية، استناداً لخطاب "الأزمة"، ليس جديدًا تمامًا. فقد رأينا مثلًا في ٢٠١١ حكومتين أوروبيتين، هما حكومتا برلسكوني في إيطاليا وحكومة باباندريو في اليونان، تسقطان بضغط من أوروبا. في حالة اليونان سقطت حكومة باباندريو عندما أعلن الأخير عن استفتاء شعبي بشأن الخطة المالية المطروحة من قِبل الدائنين، قبل أن يتراجع سريعاً عن هذا الاقتراح، وتحل محل حكومته حكومة وحدة وطنية انتقالية غير منتخبة بقيادة لوكاس باباديموس، نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي الأسبق.
هذه الوقائع الناتجة بشكل مباشر عن الأزمة المالية الأخيرة، يمكن فهمهما بشكل أوسع في إطار بنية الاتحاد الأوروبي ومؤسساته الاقتصادية. فالاتفاقات المُؤسسة للاتحاد الأوروبي، وبالتحديد معاهدة "ماستريخت" والتي أُنشيء بموجبها البنك المركزي الأوروبي، نقلت جزءًا من السياسات الاقتصادية، والنقدية بالتحديد، من مستوي الدول والبرلمانات القومية إلي مؤسسات غير منتخبة. ظل هذا الخلل الديمقراطي جزءًا أساسيًا من أزمة الشرعية التي تعاني منها المؤسسات الأوروبية. وإحدى الأسئلة المطروحة اليوم، في ظل الأزمة المالية التي يعاني منها عدد من دول جنوب أوروبا، تدور حول الآليات الممكنة لمقاومة تلك السياسات وحول جدوى اللجوء الى خطاب السيادة الوطنية، كما يتبناها كل من اليسار التقليدي وجناح من اليمين في الدول الأوروبية، في مقابل إمكانية بلورة خطاب سياسي بديل علي المستوي الأوروبي يسعي إلي مقرطة الاتحاد الاوروبي و تقوية دور هيئته البرلمانية. ولكننا لن نخوض في هذا النقاش المهم بالتفصيل هنا.
ما يعنينا هنا، أكثر من الجدل حول آليات البناء الأوروبي، هو مركزية خطاب "الخبرة" ونموذج "الخبير" وحدود شرعيتهما في دول لها تاريخ طويل من الأزمات المالية، كما هو حال اليونان وكما هو أيضًا حال مصر، فهذه المركزية هي الأخرى لها تاريخ طويل، يمكن تتبعه في البلدين. بالنسبة لليونان فقد شهدت منذ القرن التاسع عشر سلسلة عنيفة من أزمات الدَّين بعد استقلالها عن الدولة العثمانية، كان أولها عام ١٨٤٣، حيث تطلبت عملية بناء الجهاز الإداري الحديث والبنية التحتية موارد مالية ضخمة، كما واجهت الدولة المركزية الجديدة الآخذة في التكوّن مقاومة محلية شديدة. لم تكن حالة اليونان استثنائية، فزيادة حجم رؤوس الأموال المتاحة وحركتها المتسارعة أديا إلى زيادة عدد الدول التي واجهت أزمات دين في تلك الفترة؛ فقد شهدت دول أمريكا اللاتينية حديثة الاستقلال وحدها ١٤ حالة إفلاس في الحقبة بين ١٩٢٤ و١٩٣٤. مصر أيضًا من جانبها دخلت دائرة الاستدانة منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولم يكن وضعها مختلفًا عن اليونان وأمريكا اللاتينية، فدخول تلك الدول في سوق الاقتراض الدولي كان إحدي المحطات المهمة في عملية اندماجهم في الاقتصاد الرأسمالي العالمي.
عودة لليونان، فقد واجه البلد إفلاسًا ثانيًا عام ١٨٩٣، انتهى بفرض رقابة دولية بعدها بسنوات قليلة، من خلال تكوين لجنة مالية من ممثلي الدول الدائنة (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، روسيا، والنمسا). وكانت أغلبية القرارات الاقتصادية في يد تلك اللجنة، التي سيطرت بشكل كبيرعلى ميزانية الدولة، بالإضافة إلى تدخّلها في عملية التشريع فيما يخص الأمور المالية، وإشرافها المباشر علي تحصيل الإيرادات العامة المخصصة لخدمة الدّين، مثل إيرادات الجمارك، إيرادات احتكارات الدولة في صناعات مختلفة، وعوائد التبغ والبريد.
لن نخوض هنا في تفاصيل التاريخ الاقتصادي والمالي لليونان، ولكن من المهم التوقف عند هذه التجربة الأولى في فرض رقابة مالية خارجية لأنها تعلمنا شيئاً عن إشكالية "التحديث السلطوي"، المرتبط أيضا بتاريخ الدّين العام. فعقب إفلاس ١٨٩، أعطى الخبراء الماليون الأوروبيون الأولوية لعملية إصلاح وعقلنة جهاز الدولة اليوناني ـ الذي كان جهازًا ضعيفًا وتسيطر عليه العلاقات الزبونية ـ كشرط أساسي للخروج من الأزمة، حتي لو كانت تلك العملية تتعارض مع قواعد اللعبة الديمقراطية، كما يشرح المؤرخ اليوناني أناستاسيوس أناستسياديس في مقال نشر سنة ٢٠١٢ في المجلة الفرنسية "لا في ديز يديه". بشكل أدق، فإن كانت اليونان من الدول الأوروبية التي شهدت مبكرًا تأسيس نظام برلماني قائم علي الاقتراع العام، فقد نُظر إلى هذا الانفتاح السياسي كعائق أمام تطور جهاز بيروقراطي حديث وعقلاني.
لا يُنظر إلى حقبة الرقابة المالية الدولية في الكتابات التاريخية بشكل سلبي تمامًا، بالعكس. فقد شهدت فترة الرقابة بالفعل، وبالتحديد خلال أول عقدين منها، عملية تحديث للجيش وللجهاز الإداري، واستحداث مؤسسات وآليات جديدة لإدارة الاقتصاد، مثل إنشاء وزارة الاقتصاد القومي وتطوير الجهاز الإحصائي؛ كما شهدت تلك السنوات أيضًا تحسنًا في الوضع الاقتصادي، حيث أصبحت اليونان في أوائل القرن العشرين قوة إقليمية تحقق انتصارات عسكرية، لاسيما في الحروب البلقانية (١٩١٢ ـ-١٩١٣). ولكن في نفس الوقت، إن كانت سياسات الخبراء الأوروبيين المكلّفين بإعادة هيكلة المالية والإدارة اليونانية أدت على المدي القصير إلى تقوية جهاز الدولة، والخروج من الأزمة المالية، فقد ظلت هذه الإصلاحات هشة إلى حد كبير، وظلت شرعية الجهاز البيرقراطي على المحك. سمحت الرقابة المالية الدولية، كما يشير أناستسياديس، للنخبة الحاكمة باتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية غير شعبية واستبدادية الطابع، دون خوف من ضغط الشارع أو صندوق الانتخاب، حيث كانت تُمرر تحت عنوان "الإملاءات الخارجية". بهذا المعنى، فلا يمكن فصل السياسات المالية الدولية عن توجهات اللّاعبين السياسيين في اليونان.
هكذا، لم يكن الخبراء الماليون الأجانب هم وحدهم من ينظرون للممارسة الديمقراطية كعائق أمام مشروع تحديث الدولة، بل إن قطاعًا من النخبة الحاكمة تبني أيضاً هذا التصور، القائم على فكرة أن ضعف مؤسسات الدولة مرتبط بوجود نظام برلماني تكون فيه السلطة التنفيذية ضعيفة ومقيدة، وكذلك على تصور غير سياسي لإصلاح جهاز الدولة، بمعني أن عملية محاربة الفساد والزبونية، تلك الظواهر التي نُظر إليها كجزء أصيل من "الثقافة" اليونانية في مكونها الشرقي، يجب أن تأتي من خلال سياسات تحديث فوقية الطابع. ومن الملفت للنظر أن هذا الخطاب الثقافوي والاستشراقي حول الفساد مستمر حتى اليوم ولا يزال يمثل إطارًا مركزيًا في خطابات المسؤولين الأوروبيين وقطاع من النخبة السياسية اليونانية لدى حديثهم عن الأزمة المالية الحالية، كما نجد أثره أيضاً في الصحافة الدولية، حيث يشير مثلًا مقال نُشر حديثًا في جريدة أمريكية إلى أن "النخب اليونانية تحاكي عادات النهب التي ميزت السلطنة العثمانية"، بينما يقول مقال آخر نشر في جريدة بريطانية إن "الحكومة اليونانية زوّرت إحصاءاتها علي الطريقة البيزنطية"؛ ودعنا نتذكر في هذا السياق أن أحد بنود الاتفاق الأخير الذي فرضته "المؤسسات"على الحكومة اليونانية تمثل في ضمان الاستقلال التام لجهاز الإحصاء اليوناني، الذي اتهم سابقًا بتزوير البيانات المالية للحكومة.
ليس الهدف من استدعاء تاريخ اليونان الحديث هنا فقط التقريب بين الرقابة المالية التي فُرضت في القرن التاسع عشر والرقابة الحالية، من حيث فرض أشكال مختلفة من الوصاية السياسية والاقتصادية على الدولة في إطار عملية تسوية الدين العام؛ وإنما يتيح لنا هذا أيضًا النظر تاريخيًا إلي العلاقة بين خطاب الخبرة، وإشكالية إصلاح الدولة، وسؤال الديمقراطية في اليونان. وهنا أيضًا، لا تبدو التجربة المصرية بعيدة تماماً، فقد شهدت مصر، مثلها مثل الدولة العثمانية وتونس، أشكالاً مختلفة من الرقابة المالية، قبل تطبيق آليات مماثلة في اليونان. وإذا كانت الحالة المصرية تعد نموذجاً كلاسيكيًا للعلاقة الوثيقة بين الدين العام والاستعمار، فإشكالية "حكم الخبراء" تعد كذلك إشكالية مركزية لفهم تاريخها الحديث.
كما ذكرنا سابقاً، قد شكّل دخول مصر سوق الاقتراض الدولي، آلية من الآليات الرئيسية لاندماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي من موقع تابع، وفتحت أزمة الدين التي شهدتها الدولة في منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر الباب إلى فرض رقابة مالية دولية ثم الاحتلال البريطاني. من ناحية أخري، فجزء مهم من تجربة الاستعمار، وترك أثره بعد الاستقلال، تمثل في استيراد مجموعة من "الخبراء" الماليين الأوروبيين، البريطانيين والفرنسيين، المكلفين بـ"إصلاح" و"عقلنة" المالية والإدارة المصرية من خلال إدخال أساليب إدارة ونظم حسابية وإحصائية جديدة. لم تكن خطابات هؤلاء الخبراء وممارساتهم موجهة فقط ضد السلطة السياسية السابقة، أي حكم الخديو إسماعيل الذي نُظر إليه كتجسيد للـ"الاستبداد الشرقي"وحكم الفساد، بل كانت موجهة أيضاً ضد المطالبات الدستورية والديمقراطية التي ظهرت في مصر في السنوات السابقة على الاحتلال البريطاني. في هذا السياق، تلاقت مصالح الدائنين الأوروبيين مع التصورات الاستعلائية والعنصرية للخبراء الأجانب في إنتاج رؤية سلطوية وفوقية للإصلاح المالي والتحديث الإداري. وجدير بالذكر أن تلك الإشكالية لم تختف تمامًا بعد حقبة الاستعمار. فإن كان تواجد الخبراء الأوروبيين في الإدارة المصرية قد شهد تراجعًا كبيراً في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، مع حصول مصر علي استقلالها الرسمي من بريطانيا، إلا أنه يمكن القول إن فصل خطاب الخبرة عن أي بعد سياسي طرح نفسه مجددًا مع نظام يوليو، وبالتحديد فيما يخص السياسات الاقتصادية وسياسات التخطيط.
عودة إلى الأزمة اليونانية اليوم، نرى كثيرًا من النقاشات الجارية في الأوساط السياسية اليونانية وعلى مستوي الاتحاد الأوروبي يدور حول ضرورة إصلاح وتحديث جهاز الدولة اليوناني، بما في ذلك القضاء على العلاقات الزبونية والفساد، وذلك كشرط أساسي للخروج من الأزمة المالية. جاءت هذه النقطة أيضًا في الاتفاق الأخير بين أثينا ودائنيها، والذي طالب فيه الدائنون الحكومة اليونانية بطرح برنامج محدد "لتحديث و تقوية الإدارة اليونانية" وخفض تكاليفها، غير أن هذا الإصلاح المؤسسي الذي يحتاج إلى تأييد قطاعات واسعة من المجتمع، يتم دفعه، مرة أخري، بشكل فوقي، استنادًا إلى خطاب معادٍ للسياسة، ومن خلال سياسات مدفوعة من الخارج، وإن كانت تلقي دعمًا من بعض القطاعات في النخبة السياسية اليونانية.
آراء أخرى
السياسة النقدية الأمريكية.. ترامب ضد حراس الدولار
«ما زال الفيدرالي ورئيسه ملتزمين بسياسة الحفاظ على أسعار الفائدة الآن، وتخفيضها بوتيرة متريثة»
الاقتصادات العربية ومرايا أزماتها
«مقدمة ملف «شبكة فبراير» في الاقتصاد السياسي»
قطع الطريق على «25 يناير»
«على السلطة أن تطرح أجندتها للإصلاح على الناس قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الاعتذار لهم بعد فوات الآوان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد