حدود اليمين الجديد في أوروبا
غادرت روما ظهر السبت 24 سبتمبر الماضي، قبل يوم واحد من الانتخابات العامة الأخيرة في إيطاليا. كان موظف الاستقبال في الفندق نبهني في الليلة السابقة للذهاب مبكرًا إلى المطار تجنبًا للتجمعات الانتخابية التي قد تعطل الطرق.
أخذت بالنصيحة، ولكن لدهشتي لم تصادفني أي تجمعات، ولم أكسب سوى الجلوس في المطار -متململًا- ساعتين، حتى تبدأ إجراءات السفر.
الطريف أنني كنت شاركت يوم الجمعة في مسيرة شبابية حاشدة مرت من أمام فندقي في شارع 4 نوفمبر، في طريقها إلى ساحة الجندي المجهول، حيث ينتصب تمثال الملك فيكتور عمانويل الثاني؛ موحد إيطاليا الحديثة، على ظهر جواده، ومن خلفه ساحة مجلس شيوخ روما القديمة، حيث تنتصب تماثيل قيصر وأوكتافيوس وتراجان وغيرهم من أباطرة الرومان، لكن تلك المسيرة التي استغرقت طيلة نهار الجمعة لتمر بكل أحياء روما، بموسيقاها وهتافاتها ولافتاتها، كانت للتذكير بمأساة التغير المناخي، وكأن الانتخابات العامة ليست بعد 48 ساعة.
تلك المفارقة، ومعها مفارقة زيف الخشية من التأخر عن موعد الطائرة، بالإضافة إلى عدم مشاهدة أي تجمعات جماهيرية انتخابية طوال الأسبوع السابق على الانتخابات، الذي قضيته في روما وضواحيها، جعلتني أتساءل: هل هناك مبالغة في التخوّف من الصعود المطّرد منذ عدة سنوات للاتجاهات اليمينية في دول ومجتمعات أوروبا الغربية؟ وأين تكمن هذه المبالغة بالضبط؟ أو بكلمات أخرى: ما هي خصائص اليمين الجديد في أوروبا؟ أو ما هي الحدود التي يفترض أنه لن يتجاوزها، لدرجة أنه لا يثير نفس الدرجة من القلق التي يثيرها التغير المناخي لدى الشباب الإيطالي، حتى إن خروجه في مسيرة يوم الجمعة السابق على الانتخابات، كان بدعوة وترتيب من منظمات الدفاع عن البيئة وجماعة الخضر.
يوم الأحد في الأسبوع التالي كنت في حفل تعارف أقامته منظمة «فريدريش إيبرت»، المرتبطة بالحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم في ألمانيا، لأعضاء الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، مع مارتن شولتز رئيس المنظمة الحالي ورئيس البوندستاج الألماني السابق، وتطرق الحديث بالطبع إلى الانتخابات الإيطالية، وكانت النتائج قد ظهرت، وحاز على اﻷغلبية حزب «إخوة إيطاليا» بزعامة جورجيا ميلوني، وحلفاؤه من الأحزاب اليمينية الأخرى، ومن ثم امتد الحديث إلى ظاهرة صعود الاتجاهات اليمينية في أوروبا عمومًا، ودور الأحزاب الاشتراكية في مواجهتها.
وفي سياق المناقشة حكيت مشاهداتي في روما، وتساءلت: هل يوجد أساس للتخوّف من أن يعصف هذا اليمين الجديد بالمقومات الرئيسية للديمقراطية البرلمانية الأوروبية، كما فعل يمين ما قبل الحرب العالمية الثانية، بحيث تصادر الحريات العامة، وأهمها: التجمع والاحتجاج وتداول المعلومات، ويلغي الفصل بين السلطات، فيُهدَر حكم القانون، وتحرَم البرلمانات من الرقابة والتشريع، وينتفي استقلال القضاء، وينتهي التداول السلمي للسلطة، وتوضَع كل السلطات في يد الزعيم المُلهِم الذي يتأبد في السلطة دون انتخابات؟
كان المشاركون في النقاش: الدكتور أحمد البرعي، وزير القوي العاملة السابق في مصر، والدكتور مجدي بلال، الناشط السياسي اليساري منذ السبعينيات، والدكتور عمرو الشوبكي، الباحث والمفكر الاستراتيجي، وآخرون، وكانت الإجابة بالإجماع أن اليمين الجديد في أوروبا لا يستطيع -حتى وإن رغب في ذلك- أن يعصف بتلك المقومات الرئيسية للديمقراطية، لأنها ترسخت في أفكار ومصالح القوى السياسية والمجتمعية هناك. فمن الذي يستطيع حل الأحزاب والنقابات والمنظمات المدنية في تلك البلاد؟ وما البديل الذي سيقدمه ثمنًا لذلك؟ ثم هل تمكن يمين ما قبل الحرب العالمية الثانية من أن يفعل ما فعله إلا بأنهار من دماء المواطنين، حتى قبل أن تشتعل تلك الحرب، ولم تكن الديمقراطية الليبرالية ودولة القانون والرفاه قد ترسخت، مثلما ترسخت طوال سبعة أو ثمانية عقود مضت على نهاية تلك الحرب؟
إذن ما أسباب التخوف من ذلك الصعود؟
بالطبع هو تخوف مبرر، لكن ليس لتلك الأسباب المتشائمة من العودة إلى عصر القوميات الفاشية والنازية والعسكرية «الفرانكية» في إسبانيا و«السالازرية» في البرتغال.. إلخ. ولكن لأسباب أقل خطورة من ذلك بكثير، حيث يركز اليمين الجديد على سياسات الهوية بدلًا من سياسات الرفاه الاجتماعي، وعلى المصالح القُطرية على حساب الوحدة الأوروبية، وعلى تحسين ظروف الفقراء في القطر الواحد بالحد من الإنفاق على الالتزامات الدولية الجماعية والتعاون العالمي، وليس على حساب الأغنياء والرأسمالية المستغلة في كل مجتمع أو قطر على حدة، أو على المستوى الدولي، فضلًا بالطبع عن الصرامة في الحد من الهجرة من البلاد الفقيرة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتقويض سياسات المجتمع متعدد الثقافات لحساب النقاء القومي التقليدي، ما يخشى معه من تشجيع العنصرية، في فرص العمل، وحياة المواطنين اليومية.
من المهم هنا تذكُر أن هذه الموجة الجديدة من المد اليميني في أوروبا ليست الأولى في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد كانت «التاتشرية» التي اندمجت مع «الريجانية»، وعرفت باسم النيو ليبرالية، في ثمانينيات القرن الماضي هي الموجة الأولى، ولكنها كانت ذات مضمون اقتصادي صرف، يدور حول الحد من الإنفاق الاجتماعي، والخصخصة على حساب التأميم والملكية العامة لمرافق و مؤسسات الإنتاج والخدمات، ولكنها لم تمتد، ولم يكن ممكنًا أن تمتد، لكثير من سياسات العدالة الاجتماعية الموروثة من تراث الاشتراكية الديمقراطية، فضلًا عن أن تعصف بالمقومات الرئيسية للديمقراطية الليبرالية، فمثلًا زادت أعباء المريض في الحصول على الخدمة الصحية نسبيًا، ولكنه ظل يحصل عليها كاملة، وألغيت إعانات البطالة، ولكن لمن يرفضون عرضين أو ثلاثة عروض بوظيفة جديدة، كما لم تنخفض بصورة مؤثرة إعانات السكن، ولكن زادت طبعًا فواتير الكهرباء والغاز والمياه.
هذه الموجة من «ترشيد الإنفاق الاجتماعي» التي بدأتها رئيسة الوزراء البريطانية، مارجريت تاتشر، امتد الجزء المعقول منها إلى حكومات العمال تحت مسمى: الطريق الثالث، منسوبًا إلى رئيس الوزراء العمالي الأسبق، توني بلير، وأخذ بها جيرهارد شرودر، الاشتراكي الديمقراطي، وحكومته في ألمانيا، باسم أجندة 2010، كما طُبقت في عديد من الدول الأخرى. والمغزى هو استمرار دوران الحكم والسياسة في أوروبا بين قطبي يسار الوسط ويمين الوسط. وهذا ما نتوقع أن يستمر عليه الحال في حقبة صعود اليمين الجديد، مع إضافة نكهة الهوية بالمضمون الذي سبق بيانه.
آراء أخرى
حيرة ناخبة
«الأنظمة السلطوية لا تريد من المواطنين أصلًا أن يشاركوا في الانتخابات»
فجوات وجسور في الطريق إلى الحوار
«التحدي الذي سيواجه المتحاورين هو اختيار أي الفجوات أولى بإقامة الجسور أولًا»
الخلفية السياسية لدعوة الحوار الرئاسية
«توقع انفتاحًا سياسيًا شاملًا سيكون أمرًا مبالغًا فيه، أو غير واقعي»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد