تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

تفاهة التطبيع (2-3)

مارينا كالكولي
13 دقيقة قراءة
تفاهة التطبيع (2-3)

طُرحت مسألة التطبيع مع إسرائيل من جانب الأنظمة العربية والنخب الليبرالية باعتبارها الخطوة التي تلي الحرب: المنطق الذي يُقدم لنا هو أنه إذا كنا قد حاربنا وقاطعنا سابقًا، فإن علينا تجربة استراتيجية جديدة تجلب الأمن للشعوب وتضع حدًا لمعاناة الفلسطينيين، خصوصًا في ظل وجود الولايات المتحدة ضامنًا. غير أن الجماهير المُخاطبة بهذا التوجه لم تكن طرفًا في تلك الاتفاقيات المُهندسة، ولا تزال إسرائيل تدوس السيادة العربية وتواصل استعمارها في الأراضي المحتلة وتهدر الحق الفلسطيني.

في هذا المقال الطويل الذي ينشر «مدى مصر» ترجمته على حلقات، تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة».

نُشر النص الأصلي في The International Spectator، وتُنشَر هذه الترجمة بموافقة الكاتبة بموجب رخصة المشاع الإبداعي.

لقراءة الحلقة الأولى من هنا.

العلاقات العربية الإسرائيلية بعد إنشاء الأمم المتحدة (من الخمسينيات وحتى السبعينيات) 

رفضت الغالبية الساحقة من الدول العربية قرار الأمم المتحدة رقم 181 (1947)، الذي أسّس لقيام إسرائيل في فلسطين التاريخية وجرّد الفلسطينيين من حقوقهم عبر إخضاعهم لنظام من «التبعية القانونية» (Imseis 2021، 2). ومع ذلك، غير أنّ هذا الرفض الرسمي تزامن مع ترتيبات غير رسمية. فمنذ أوائل الخمسينيات، عملت الولايات المتحدة سرًا على احتواء النخب العربية، وخصوصًا في الخليج الغني بالنفط (Labelle 2011، 265)، بهدف ضمان أن تتمكّن من «دعم إسرائيل مع الاستمرار في استخراج النفط من المنطقة» (Makdisi 2011، 207). أمّا في الخطاب العلني، ومن الخمسينيات حتى السبعينيات، قدّمت النخب العربية قضيةَ فلسطين بوصفها خطًا أحمر، وتجاوزت خلافاتها لتوظيف القانون الدولي دفاعًا عن فلسطين (Huber 2021، 48–49)، على سبيل المثال عبر الحفاظ على الوضع القانوني الخاص للقدس في الأمم المتحدة (Howard 1953). وفي عام 1951، أسست جامعة الدول العربية «مكتب المقاطعة المركزية» في دمشق، بهدف إدراج المنتجات الإسرائيلية والأمريكية على القوائم السوداء. لم تعكس هذه الإجراءات تنسيقًا دبلوماسيًا فحسب، بل أيضًا ضغطًا شعبيًا مستمرًا ومنظّمًا، إذ طالبت التعبئة الجماهيرية، المنظَّمة محليًا وعبر الحدود من قِبل القوميين العرب وتيارات مناهضة أخرى للإمبريالية، بالتحرّر من الإمبريالية ذاتها والمساواة في الحقوق. تجاوزت هذه الديناميةُ معاقلَ العروبة التقليدية، مثل مصر وسوريا، لتشمل دولًا كالكويت، حيث نشط المجتمع المدني بقوة في دعم فلسطين، والمملكة العربية السعودية، حيث اضطُرّ النظام، تحت ضغط الغضب الشعبي، إلى تشجيع الاحتجاجات خلال حرب 1967؛ من إضرابات عمّال شركة أرامكو إلى هجمات منسّقة على ممتلكات أمريكيين وبريطانيين داخل الأراضي السعودية (Zahlan 2009، 37–41).

أمّا بعد نكسة عام 1967 وهزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل، اجتمع قادة العرب في الخرطوم وتعهدوا باللاءات الثلاث التي التزمت بها الدول العربية بألّا تتّخذ أيّ إجراء أحاديّ في ما يلي: أولًا: توقيع اتفاق سلام بشكل منفرد، ثانيًا: الاعتراف بإسرائيل، ثالثًا: الدخول في مفاوضات معها. وفي الوقت نفسه، أعلن الوزراء العرب فرض حظر نفطي على الدول التي تدعم «العدوان على سيادة، أو أراضي، أو المياه الإقليمية لأيّ دولة عربية» (مقتبس من: Daoudi and Dajani 1984, 67)، وشمل ذلك: «أيّ عدوان مسلّح مباشر من أيّ دولة دعمًا لإسرائيل، وأيّ دولة توفّر مساعدات عسكريّة للعدو الإسرائيليّ بأيّ شكل من الأشكال، وأي محاولة لضمان مرور آمن للسفن التجارية عبر خليج العقبة تحت حماية عسكرية أياً كان شكلها» (المصدر نفسه). 

وبصرف النظر عن مدى فعاليتها، استمدّ الحظر النفطي عامي 1967 و1973 أهميته من اعتماده على ميثاق الأمم المتحدة كمرجعية أساسية. وكان الاستناد إلى القانون الدولي جزءًا من نضالٍ ثالثيّ عالميّ من أجل المساواة والاعتراف داخل المجتمع الدولي (فييرا 2016). وعلى نحو أعمق، انسجم هذا التوجّه مع المطالب الشعبية. بمعنى آخر، شكّلت النزعة التحرّرية الإطار الأيديولوجي الذي ربط «الجماهير» العربية بقياداتها السياسية، في إطار التعامل الجمعيّ مع الاستعمار الإسرائيليّ بوصفه تهديدًا أمنيًا. 

الخيانة (1978-1991): رَسْمَنَة النزعة المعاملاتية بعد «كامب ديفيد» 

تركَّزت الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى إخضاع الدول العربية ودمج إسرائيل بوصفها فاعلًا «عضويًا ظاهريًا» في المنطقة -بما يُخفي أصلها الاستعماري الاستيطاني- على تحييد مصر عسكريًا وأيديولوجيًا بوصفها الدولة العربية الأكبر سكانًا والأكثر تأثيرًا وقوة، ومركز ثقل القومية العربية، تمتلك مصر حدودًا مباشرة مع إسرائيل، وكانت من أبرز الداعمين لـ«منظمة التحرير الفلسطينية».

تمكَّنت الولايات المتحدة في عهد الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، من إقناع مصر بلَبرلة اقتصادها من خلال سياسات الانفتاح الاقتصادي (Joya 2020, 37-67)، والتي فكّكت عمليًا الإصلاحات الاشتراكية التي بدأها الزعيم المصري الراحل، جمال عبد الناصر، في مطلع الخمسينيات والستينيات. لكنّ هذه السياسات، وبدلًا من أن تحقّق وعودها بالنمو القائم على التصدير واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، تركت مصر تعاني من التضخم المفرط، والبطالة، وسلسلة من الإضرابات العمالية ما بين عامي 1974-1977 بلغت ذروتها في «انتفاضة الخبز» الشهيرة (المصدر نفسه). وفي المقابل، عمّقت هذه الإصلاحات غير الشعبية تبعية السادات داخليًا واعتماده على النخب الاقتصادية، وخارجيًا على الولايات المتحدة الأمريكية. 

استغلّت الولايات المتحدة هذا الضعف البنيوي -بشكل خاصّ عبر جهود وزير خارجيّتها هنري كيسنجر- للضغط على السادات لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل عام 1978، يتضمّن حصول مصر على 1.3 مليار دولار سنويًا على شكل مساعدات عسكريّة، مقابل خرق مصر لإجماع الخرطوم العربيّ (Kassem 2010, 50). ونتيجة لذلك، وحتى قبل بدء محادثات كامب ديفيد، شعرت إسرائيل باندفاع أكبر لغزو لبنان بهدف سحق المقاومة الفلسطينية.

وعلى الرغم من ذلك، كان السادات في حالة يأس سياسي شديد جعله لا يكتفي باستبعاد فلسطين من المفاوضات، بل الموافقة أيضًا على صياغات ملتبسة بشأن الانسحاب الإسرائيلي من سيناء (Elarabu 2019)، حيث وافق على اتفاقين منفصلين: الأول يتعلق بسيناء، والآخر بتقرير المصير الفلسطيني في الضفة الغربية. وبذلك جرى استبعاد القضية الفلسطينية عمدًا من شروط «السلام» (المصدر نفسه). شكّل ذلك اعترافًا هامًا بالتأويل الإسرائيلي الانتقائي لقرار مجلس الأمن (242) الصادر عام 1967، والذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، مناحيم بيجن، يصرّ على عدم انطباقه على الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية (Anziska 2018, 119). وكما كان متوقعًا، أعلن بيجن، بعد وقت قليل من توقيع اتفاق كامب ديفيد، وعبر التلفزيون الأمريكي، أن إسرائيل لن تنسحب من الضفة الغربية وستوسّع من الاستيطان فيها (المصدر نفسه، 127).

وبذلك، رسّخ الاتفاق خروجًا أحاديًا عن الإطار القانوني للأمم المتحدة المتعلق بفلسطين. كما نَفَذَ بعمق إلى البنية المصرية، بحيث حوّل الجيش إلى ذراعٍ إنتاجية للقطاع الخاص (Elgebeily 2022, 313; Marchall 2015, 5)، كما أسهم الاتفاق في تطهير الجيش من القيادات العُليا التي امتلكت التزامًا بالقوميّة العربيّة، ومبدأ الدفاع عن السيادة المصرية وتحرير فلسطين، الجيش الذي وصفه عبد الناصر مرّة بأنّه «قوة المقاومة الطبيعية» (Aclimandos 2014, 58). 

شكّل اتفاق كامب ديفيد الفعل الرسميّ الأوّل للتطبيع الأمني للاستعمار الإسرائيلي بلا وساطة اجتماعية. حاول السادات تصنيع «جمهور محلّي» يتقبّل الاتفاق من خلال حملات إعلاميّة تتحكّم بها الدولة، وتستند إلى استراتيجيّتين؛ أولًا: الترويج لسياسة «مصر أولًا»، وأحيانًا التشكيك في هوية مصر العربية بهدف تهميش القضية القومية العربية، ثانيًا: بناء خطاب يقول إنّ مصر استنفدت كلّ السبل لمواجهة إسرائيل، ولم يبق عدا «السلام» خيارًا ممكنًا (Ibrahim 2010, 24-30). 

وعلى الرغم من وعد السادات بأنّ الاتفاق سيجلب «الرخاء للمصريين والعدالة للفلسطينيين» (المصدر نفسه، 26)، قوبل الاتفاق بمعارضة واسعة النطاق. وصف نبيل العربي، الدبلوماسي المصري الذي شارك في وفد مصر بكامب ديفيد، التباين بين السرديّة الغربية وتلقّي الاتفاق في العالم العربي، قائلًا: «على الرغم من الإشادة الغربية الواسعة بالرئيس السادات بوصفه صانع سلام [...] لكنّ رد الفعل في العالم العربي كان ملتهبًا، حيث انطلقت احتجاجات صاخبة ضدّ ما اعتُبر تخلّيًا عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير وتكريسًا للاحتلال الإسرائيلي» (Elaraby 2019).

وبسبب افتقاره العميق للشرعية الشعبية داخليًا وخارجيًا، مهّد اتفاق كامب ديفيد الطريق لاغتيال السادات خلال عرض عسكريّ عام 1981. واستمرّت المعارضة في عهد خلفه، حسني مبارك، حيث ضغط المجتمع المدنيّ على الدولة لعدم أداء أيّ دور وساطة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين الفصائل الفلسطينية (El-Sayed 1989, 49). كما أجمع العرب على إدانة مصر لانتهاكها التضامن العربي، فتم تعليق عضويّتها في جامعة الدول العربية ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس. وهكذا، تبخّرت زعامة مصر الإقليمية بين ليلة وضحاها.

أمّا الفلسطينيون، فاحتجّوا في الأمم المتحدة، مندّدين بانتهازية السادات لمنحه إسرائيل اعترافًا رسميًا دون إلزامها بإنهاء احتلالها غير القانوني للأراضي المحتلّة عام 1967 (United Nations 1978). بتحييدها مصر وإجبارها على خرق التضامن العربي، تمكّنت الولايات المتحدة من إضعاف «منظمة التحرير الفلسطينية»، وتشجيع إسرائيل على المزيد من التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى غزو جنوب لبنان واحتلاله عام 1982. وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، رسميًا أن إسرائيل ستوقف الاستيطان، أصرّ بيجن بعد ذلك على أنّه وافق فقط على «تجميده لمدّة ثلاثة أشهر وأنّه لم يتخلّ قطّ عن حق إسرائيل في البناء في الضفة الغربية» (Anziska 2018, 127). 

شكّلت الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في ديسمبر 1987، ضدّ التوسع الاستعماري الإسرائيلي، نتيجة مباشرة لهذه السلسلة من الأحداث. وكشفت عن اتساع الفجوة بين القادة العرب وشعوبهم، وفجرت في الآن ذاته موجة جديدة من القمع الإسرائيلي الوحشيّ للفلسطينيين. والمفارقة أنّه بينما سعى اتفاق كامب ديفيد إلى تطبيع التوسع الإسرائيليّ أمنيًا، إلّا أنّه فشل في انتزاع قبول شعبي.

إنّ غياب جمهور اجتماعي مستعدّ لقبول المعادلة التي تربط بين المنافع الاقتصادية النخبوية وبين تقليص التهديد الإسرائيلي للمنطقة، أبقى الوضع الراهن هشًا -أو ما يمكن وصفه بـ«السلام البارد» (Sallam and Winter 2017)- والذي يتطلّب وساطة أمريكية دائمة. ومع ذلك، نجح مهندسو اتفاق كامب ديفيد في واشنطن وتل أبيب في إعادة تشكيل الفضاء الإقليمي العربي، وذلك من خلال عزل مصر واقتلاعها من محيطها العربي، وربط استقرارها البنيوي بدرجة عالية من التبعية للإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية. قدّمت الولايات المتحدة اتفاق كامب ديفيد بوصفه نموذجًا لـ«تسوية شاملة للصراع العربي–الإسرائيلي» (Sayegh 1979، 3). لكن في الممارسة، أسّس الاتفاق سابقة للترويج لصفقات المعاملاتية الأحادية، وكشف قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على توظيف قوتهما العسكرية والاقتصادية لانتزاع تنازلات سياسية جوهرية من نخب دول ما بعد الاستعمار. 

المُزاحَمة (1991-2000): عمليّة أوسلو بوصفها تكريسًا للسياسات المُعاملاتية

لم يضعِ انتهاء الحرب الباردة حدًّا لاشتباك الولايات المتحدة الحربيّ الدائم مع خصومها الأيديولوجيين، مثل النظام البعثي لصدام حسين في العراق، عبر سياسات العزل والتدخّل العسكري. في الآن ذاته، فرضت الولايات المتحدة «اتفاقيات سلام» لإنهاء حروبٍ أهليةٍ طويلة الأمد في دول ما بعد الاستعمار، كما يتّضح من إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية بوساطة أمريكية، لتُدخل اقتصاداتها في دائرة النفوذ الأمريكي، عبر إصلاحات ما بعد الحرب  (Corm 2012, 269-70؛ Bauman 2016). وبالمنطق نفسه، صيغ ما سُمّي بـ«مسار السلام» العربي–الإسرائيلي، حيث لم يكن مؤتمر مدريد عام 1991، والذي بدا ظاهريًا مخططًا متعدد الأطراف، سوى إيذانٍ ببداية المفاوضات الثنائية بين إسرائيل و«منظمة التحرير الفلسطينية» تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة، أو ما سُمِّي لاحقًا بـ«عملية أوسلو».

خلال هذه المفاوضات، أُجبِرَتْ «منظمة التحرير الفلسطينية» على التفاوض وفق شروطٍ تمسخ القانون الدولي، حيث أعادت توصيف المستوطنات -غير القانونية بموجب القانون الدولي، وهو ما أعادت محكمة العدل الدولية تأكيده عام 2024-  بوصفها «أراضٍ متنازع عليها» (Said 1993). أسّس للانزياح الاصطلاحي من «الاحتلال» إلى «النزاع»- صاغ «إطارًا ذهنيًّا جديدًا» (Zreik 2003, 42)، ممهدًا لفرض «ولاية قضائية مشتركة» في الضفة الغربية بموجب اتفاقيّة أوسلو عام 1993 وحتّى انتهاء مراحل تطبيقها بحلول عام 1999. لم تحظر الاتفاقية بناء مستوطنات إسرائيلية جديدة، بل سعت إلى خلق استثناء قانوني ذا طبيعة قضائية للمادة 49 من «اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين»، والتي تحظر على القوة المحتلة «تهجير أو إزاحة أجزاء من السكان المدنيين داخل الأراضي التي تحتلها»[4]. مكَّنت اتفاقية أوسلو إسرائيل من التشكيك في عدم قانونية المستوطنات بموجب اتفاقية جنيف (وللاطلاع على مثال لهذا المنطق القانوني، انظر: Baker 2011). هذه الصفقات المعاملاتية الظرفية/ الارتجالية  لم تخالف فقط روح القانون الدولي، بل أيضًا نصّه نفسه. 

كان خرقُ القانون الدولي يحتاج إلى تبرير أيديولوجي، سعت الولايات المتحدة إلى بنائه عبر لغة «التنمية» و«الازدهار» بوصفهما معجم «السلام» الجديد(Roy 1999). وبالروح نفسها، نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، شمعون بيريز، كتابه «الشرق الأوسط الجديد» عام 1993، والذي قدّم «الازدهار» بوصفه أساس  الاستقرار الإقليمي، مع الترويج للتجارة والصناعة والسياحة بوصفها بدائل عن العنف. كان هذا الخطاب حاسمًا في استنفار/ تحشيد مجتمع الأعمال العالمي لإدماج المنطق النيوليبرالي لـ«صناعة اقتصاد السلام» في فلسطين، عبر  فصل مصطنع ما بين الاقتصاد والسياسة، والترويج لإصلاحات اقتصادية دون أيّ تسوية سياسية (Haddad 2016, 57-9). كشف إدوارد سعيد (1993)، المنطق الخبيث وراء هذه الاستثمارات العالمية، مجادلًا بأنّ هدفها الفعليّ حماية الاستعمار الإسرائيليّ بحكم الأمر الواقع، عبر إخضاع فلسطين اقتصادياً. ومع سيطرة إسرائيل على أكثر من 80% من الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يكن بوسع الفلسطينيين التحكّم في العمل، والتصنيع، والتصدير، حتى لو قامت دولة فلسطينية مستقلة بحُكم القانون. 

عمّق مسار أوسلو هذا اللاتكافؤ  بشكل أكبر. أنشأ اتفاق أوسلو الأول والثاني «السلطة الفلسطينية» التي اعترفت بإسرائيل داخل حدود عام 1967، من دون أن تنال اعترافًا مقابلًا بالسيادة الفلسطينية.  كما رسّخت أوسلو السيطرة الإسرائيلية على النظام المالي الضريبي والتجاري الفلسطيني، وهو ما أدّى لخسارة الفلسطينيين بين عامي 1993-1996 نحو 28 مليار دولار من عائدات الصادرات. كما انخفضت التجارة الداخلية الفلسطينية من 50% إلى 8% خلال عقد واحد فقط بسبب فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة (Gilani 2024). وبعد انهيار عملية أوسلو، ارتفعت البطالة الفلسطينية إلى نحو 60% بعدما ألغت إسرائيل عددًا كبيرًا من تصاريح العمل والسفر للفلسطينيين (Roy 1999). 

كانت الوظيفة الأساسية لأوسلو، كما تشرح نور عرفة (2023)، هي إنشاء السلطة الفلسطينية بوصفها «مؤسسة حكم غير مباشر أُسنِدت إليها مسؤوليات إدارة السكان الواقعين تحت الاحتلال -وهي مسؤوليات كانت إسرائيل تُفوِّضها عنها- بعدما أصبحت الإدارة المباشرة للفلسطينيين مكلفة ماليًا وعسكريًا، خاصة بعد الانتفاضة الأولى». في الجوهر، نشأت السلطة الفلسطينية بوصفها كيانًا سياسيًا تحمّل جميع المسؤوليات السيادية، بينما احتفظت إسرائيل بجميع الصلاحيات السيادية. بكلمات أخرى، أزاح إطار عمل السلطة الفلسطينية مفهوم تقرير المصير بوصفه الأداة المعيارية والأيديولوجية، التي سبق وأن شكّلت الإطار المفاهيمي لنضال «منظمة التحرير الفلسطينية» الوطني والتحرري المترسخ في مبادئ العروبة، وحركة عدم الانحياز، ومناهضة الاستعمار.

على المستوى الإقليمي، سهّلت اتفاقية أوسلو توقيع «اتفاق سلام» ثنائي بين الأردن وإسرائيل عام 1994. وعلى الرغم من أن الاتفاق عَمِلَ على تسوية نزاع مائي قديم، إلا أن إسرائيل احتفظت بالسيطرة على جميع موارد المياه وتحتفظ بقدرة قطع الإمدادات متى شاءت (Pernot 2023). ولتسهيل إبرام الاتفاق، وعدت الولايات المتحدة الأردن بشطب ديونه وتقديم المساعدات والاستثمارات (Fakhro 2024, 34). وخوفًا من أي رد فعل شعبي، تجنبت الحكومة الأردنية إثارة أي نقاش عام حول الاتفاق، وقدّمته بأثر رجعي بوصفه أمرًا واقعًا، الفعل الذي وصفته أليسون أستورينو-كورتورا بـ«تسويق السلام» (1996). كما يمكن وصف ذلك بشكل أدقّ بـ«غسل السلام بمنطق السوق »، أي السلام المؤطّر صراحة بمعايير الكلفة/المنفعة، لتعويض تخلّي المملكة عن أي ادعاء بالتضامن العربي. ولم يقتصر الأمر على عدم قدرة الطبقة الحاكمة في الأردن على استزراع «جمهور داخلي» لقبول التطبيع الأمني لإسرائيل فحسب، بل إنّها لم تحاول فعل ذلك أصلًا. وقدّمت «اتفاق السلام» بوصفه مساومة نخبوية معاملاتية مجرّدة من السياسة. ولم يكن مفاجئًا أن تظهر معارضة شرسة من القاعدة الشعبية تستعيد السياسة. وجاء الاعتراض بشكل أساسي من قبل القوميين والإسلاميين (Lobell 2008, 92)، حيث بلغت نسبة الرفض بين الأردنيّين لاتفاقية السلام ما يزيد عن 70.5% عام 1999 (Khashan). ومنذ ذلك الحين، استمرّت الاحتجاجات المطالبة بإنهاء اتفاق عام 1994، وازدادت حدّة في ذروة حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2024 (Al-Khalidi). 

تأكّدت الآثار المدمرة لعملية أوسلو بشكل أكبر مع انهيار قمة كامب ديفيد عام 2000، واندلاع الانتفاضة الثانية. واجهت الانتفاضة الشعبية في فلسطين مرة أخرى قمعًا إسرائيليًا وحشيًا، والمزيد من التوسّع الاستيطاني. وما بين عامي 1993-2023، تضاعف عدد المستوطنين أكثر من أربع مرّات، مرتفعًا من 169,000 إلى 700,000 (Imseis 2021, 197-8).

وبسبب ردّ الفعل العسكريّ الإسرائيلي الوحشي على الانتفاضة الثانية، اضطرّت دول الخليج إلى تعليق المزيد من المبادرات الدبلوماسية (Fakhro 2024, 37). وفي الآن ذاته، سعت هذه الدول إلى إعادة إدراج السياسة في المشهد الإقليمي من خلال إحياء مبادرة السلام العربية، والتي أقرّتها جامعة الدول العربية في بيروت عام 2002. اقترحت المبادرة إطارًا متعدد الأطراف لتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل انسحابها الكامل من الأراضي المحتلة، والتوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية من خلال إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. لكن المُبادرة قوبلت بالتجاهل الإسرائيلي والأمريكي، حيث اصطدم منطق المبادرة السياسي -المرتكز إلى التعددية والمشروعية القانونية- مع الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية القائمة على «التطبيع الاقتصادي دون تسوية سياسية». أمّا رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، فقد رفض صراحة حل الدولتين، مقترحًا على «الفلسطينيين التخلّي عن طموحاتهم الوطنية وكل أشكال المقاومة مقابل ترتيبات اقتصادية محسّنة على نحو هامشيّ »(48). وفي الواقع، رسّخ فشل عملية أوسلو النزعة المعاملاتية بوصفها سمة منهجيّة في نموذج عمل الولايات المتحدة القائم على الدبلوماسية الإتاوية، تحت واجهة «الازدهار» النيوليبرالي، بحيث تتجنب المواجهة العلنية مع القانون الدولي بينما تنشىء مسارًا بإشراف أمريكي حصري.

[4] يمكن الاطلاع على نص معاهدة جنيف من خلال هذا الرابط: https://ihl-databases.icrc.org/en/ihl-treaties/gciv-1949

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
مارينا كالكولي

تفاهة التطبيع (3-3)

«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»

اقرأ →
رأي
مارينا كالكولي

تفاهة التطبيع (1-3)

«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).