تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

تاريخ عبثي.. ومستقبل مطلق

سارة رفقي
5 دقيقة قراءة
تاريخ عبثي.. ومستقبل مطلق

في الذكرى العاشرة لثورات 2011 العربية، لا نملك رفاهية تجاوز فعل التذكر. ولكن، بدلًا من إقامة أنصاب تذكارية توقعنا ضحية الحنين إلى الماضي أو الرغبة في رثائه، نختار أن نتذكر دلالة الحاضر والمستقبل. نطرح أسئلة عن تأثير مرور الزمن في تغيير فهمنا للحدث الثوري الماضي، وعما يقوله لنا هذا الحدث، وما راكمه من أفكار وممارسات، عن إمكانية تشكل تقليد ثوري عربي. ونسبر أيضًا مساحات جديدة للسياسة اليومية و«السياسة الصغرى» تثوِّر فهمنا للسياسة وفحواها في عالم ما بعد 2011 العربي. في هذا الاستدعاء المزدوج للموتى كما للأحياء، نهدف إلى مواجهة أسئلة سياسية قديمة وأخرى جديدة حول التاريخ والتعامل مع الماضي، وحول الأيديولوجيا والتنظيم والهوية الوطنية، وحول مواقع الممارسة السياسية التي تشكل واقعنا المُعاش الآن، وقد تلهمنا لإعادة تخيل المستقبل. 

 لقد كان الزمن الثوري العربي أجمل الأزمان وأقساها: شكّلنا كذوات سياسية بما حمله من شجاعة وأمل وفعل مولد، وعاد وحطمّنا بما رافقه وتلاه من وحشية لا حدود لها، وأدخلنا في خضم كل هذا في لولبة خطابية لا تنتهي عن النجاح في مقابل الفشل. في هذه السلسلة من النصوص القصيرة التي أعدها موقعا «الجمهورية» و«مدى مصر»، والتي تلت نقاشات بين كتابها، محاولة أولى لكسر هذه اللولبة. هي دعوة لتأمل العقد الماضي بوصفه تاريخ، بعيدًا عن السرديات الخشبية الجاهزة، ثورية كانت أم ما بعد ثورية، وعن غرف الصدى الفئوية أو الوطنية الضيقة، بما قد يكشف عن ديناميكيات وموضوعات وأصوات لم تحظ بالاهتمام من قبل. كمنصتين صحفيتين أسهمت لحظة 2011 في إنتاجهما، ندرك بشكل خاص كم الإنهاك والتكرار الذي تثيره النقاشات عن الربيع العربي لدى كُتابنا وقرائنا على حد سواء. وبالنسبة لنا، هذا أيضًا جزء من واقعنا المعاش وقسوته التي نختبرها في لحظات التأمل مع «ملاك التاريخ». 

عشية تنحي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في فبراير 2011، كان شعوري أن الحرية المطلقة تأتي مع شعور بالمحاصرة وسط حشد من الناس. سمح لي هذا الشعور الحاد بالتفكير في الثورة ليس كمُعطى ثابت، بل كمفهوم دائم التغير عبر الزمن، سواء الزمن التاريخي أو الزمن كما نتخيله ونختبره.

استجابةً لمطالب حاضرنا السياسي، أريد أن نفكر في أهمية إيجاد طرق لاسترداد «ماضي المستقبل» أو المستقبلات السابقة (الفيلسوف الألماني راينهارت كوسيليك). تظهر الفكرة الدافعة لهذا السؤال في أعمال عدد من الكتاب والمؤرخين والأنثروبولوجيين، ومن بينهم أشيل مبيمبي وجاري وايلدر وديفيد سكوت وغيرهم. في كتابه زمن الحرية: الزنوج وتفكيك الاستعمار ومستقبل العالم (2015)، يقول وايلدر «لست مهتمًا أساسًا بالمستقبل الذي تلاشت وعوده بعد فشل تنفيذها، ولا بالمستقبل الذي ارتبط بعوالم أو آمال لم تعد موجودة، ولكني مهتم بالمستقبل الذي تخيلناه في الماضي ولم يتحقق أبدًا، وبالبدائل التي ربما كانت متاحة في السابق ويمكن في الوقت الراهن إدراك إمكاناتها التحررية غير المحققة وإعادة إحيائها كتراث مستدام وحيوي». هناك قيمة أساسية في استرجاع المستقبل المتخيّل الذي لم يتحقق أبدًا.

كلما ابتعد بنا الزمن عن لحظة اندلاع انتفاضات العالم العربي، أفكر في تأويل علاقتنا بالماضي، وكيف يمكنها تشكيل المستقبل. لذلك أريد أن أتوقف سريعًا عند فكرة رئيسية من أفكار الشهيرة حنة آرنت، إحدى أكثر الفلاسفة السياسيين والمفكرين الإنسانيين تأثيرًا في القرن العشرين.

أتحدث عن فكرة الميلادية (natality). الميلادية تختلف إلى عن الولادة، وهي في مكان ما تعني القدرة على الفعل. ترى آرنت أن الميلادية، كحالة اجتماعية وسياسية، هي العملية الراديكالية المتمثلة في القدوم إلى العالم، والتواجد بين الناس -الغرباء- الذين يرسمون العالم من حولنا على نحو يتجاوز معرفتنا ونوايانا. تنبثق القدرة على الفعل بالمعنى السياسي من حالة الميلادية هذه، إلا أنها لا تتجلى دائمًاً بشكل عياني. لعل أبرز مظاهر تجلي القدرة على الفعل، بالمنطق السياسي، هي إطلاق الثورة. لكن في الوقت نفسه، نفس القدرة على الفعل تتجلى على مستويات أقل أدائية من الثورة، وفي نطاقات أقل مشهدية من الدولة القومية. وحتى في غياب وفشل القدرة على الفعل، فإنها تظل موجودة على مستوى المجتمع والحارة والتنظيمات المختلفة. 

فكرة آرنت عن الحب هي ما يحرّك نظريتها السياسية، وهو ما يظهر من خلال أطروحتها عن كتابات القديس أوغسطين التي كتبتها عام 1929. خلقت آرنت مساحة فكرية تمكّنها من فهم الأفكار المفكّكة والمتناقضة لمفكر عالق بين أزمنة مختلفة. في هذه المساحة، ندرك المفاهيم المختلفة للحب، ونميز بين الحب البشري باعتباره عابرًا وحب الإله الأبدي. كل حالات الحب مرتبطة بأدوار الزمن والذاكرة والتاريخ، لكن إذا كان الحب البشري (cupiditas) عابرًا، وشغوفًا، وموجهًا نحو المستقبل، فإن الحب الإلهي هو «حاضر بلا مستقبل»، أو حاضر أبدي (nunc stans). هذا الحاضر الأبدي ليس منفصلًا تمامًا عن تجربتنا الإنسانية، لأننا نلاحظه من خلال التذكر أو «استعادة الماضي». يرسَخ الزمن البشري أمامنا في نصب الذاكرة، وهذه الذاكرة هي مصدر رغباتنا لأنها «تحول الماضي إلى إمكانية مستقبلية». بالنسبة لآرنت، وربما بالنسبة لنا، «المستقبل المطلق هو الماضي النهائي».

يشير المؤرخ والفيلسوف الألماني راينهارت كوسيليك في كتابه ماضي المستقبل: في دلالات الزمن التاريخي (1979) إلى الصلة بين التسلسل الزمني للماضي والحاضر المُعاش الذي كان يومًا ما مستقبلًا متوقعًا، من جهة، وبين توقعات المستقبل من جهة أخرى، بمعنى أن أي حاضر هو في نفس الوقت مستقبل سابق. كان كوسيليك أحد قراء آرنت ومعاصريها الأصغر سنًا ممن أصبحوا من كبار منظري التاريخ في ألمانيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. اشتهر كوسيليك بابتكاره مجال «التاريخ المفاهيمي» (begiffsgeschichte)، وقد أوضح كيف يتطابق التسلسل الزمني والزمن المُعاش ويتباعدان في نفس الوقت. اعتبر أن التسلسل الزمني هو مرجع (نقطة انطلاق ثابتة) يمكن على أساسه تسجيل الحالة الزمنية المؤقتة، ولكن هذه النظرة في حد ذاتها ليست إلا نتاج للبنية التي نمنحها للأحداث المُعاشة.

طعّم كوسيليك فهمه للزمن بأفكار معلم آرنت وصديقها وعشيقها مارتن هايدغر، ولا سيما في كتابه الوجود والزمان (1927) الذي ينظر إلى الأشخاص وفقًا لإمكانياتهم ومستقبلهم، بشكل يجعل التاريخ ليس قراءة للوقائع بشكلها الأبسط بل أيضًا للاحتمالات، «أو للدقة الاحتمالات والآفاق والتصورات السابقة للمستقبل: ماضي المستقبل». لم تدخل آرنت في حوار مباشر مع كوسيليك، إلا أن كليهما قارب التاريخ من نفس الخط الفكري، مع التركيز على أهمية «الشرط المسبق» للأحداث التاريخية والسياسية المحتملة. وكلاهما شدّد على ضرورة إعادة التفكير بشكل مفاهيمي في التاريخ ككل وكما وقع بالفعل. وكلاهما وصف التاريخ بأنه «عبثي». 

عند التفكير في تلك الأيام، بمناسبة تتابع مرور الزمن، أشعر أن ما حدث في 2011 أقل دلالة وأهمية بكثير مما حدث بعد ذلك، بغض النظر عن النتيجة. في هذه المداخلة الموجزة التي تدعونا إلى التفكير في «ماضي المستقبل»، والذي يتخفى مفاهيميًا في التاريخ والثورة، أفكر في طبيعة الثورة ذاتها، كفكرة، وفي طريقة تفكيرنا فيها، وفي أن ما تنطوي عليه -تاريخيًا ومفاهيميًا- هو عرضة للتغيير.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

نقد النقد الذاتي

«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).