تأملات في علم نفس المعارضة.. في المنفى
مئات الكتب والدراسات والأطروحات اشتغلت على دراسة وفهم السُلطة والسلطوية وأنواع الحكومات والأنظمة السياسية المختلفة، وكيف تتشكل وتُفكر وتعمل وتُهيمن، وكيف تستمر أو تسقط. وفي المُقابل لا يوجد سوى القليل هي تلك التي درست المُعارضة.
في الأنظمة السياسية الحديثة، يتجاوز وجود المعارضة مرحلة «الضرورة» إلى اعتبارها مكوّنًا رئيسيًا للنظام السياسي، وجزءًا مهمًا من لوحة المجال العام في أي دولة. فيما تغدو المعارضة في فضاء الأنظمة السلطوية جزءًا من سِجلّات الكفاح من أجل الحقوق والحريات، والنضال لمنع احتكار السلطة، أو جزءًا من صراع أيديولوجي يسعى للإطاحة بفكر شمولي لصالح فكر شمولي مُنافس أو مُضاد.. وأيًا كان البلد وشكل النظام الحاكم فيه، فإن وجود مُعارضة يُعد «ضرورة» لتسليط المِجهر على الأخطاء والإخفاقات، ولرفع كُلفة الانتهاكات.
في السطور الآتية محاولة لاستعراض نقدي لبعض ملامح المعارضة في دول الخليج، والتي لا تجد، عادة، مساحةً حرّة للتعبير عن مواقفها وأفكارها -باستثناء الكويت- سوى خارج دولها.
لا يمكن فهم المعارضة في الخليج دون فهم طبيعة الأنظمة السياسية فيها، وهو أمر سبق أن تحدثت عنه في مقالة موسعة بعنوان: «الإصلاح السياسي في دولة ريعيّة.. مُحاولة للإجابة عن سؤال المُمكن في دول الخليج»، يمكن العودة إليها تجنبًا لتكرار ما كتبته هناك.
بيد أن دوافع المعارضة في الخليج تتفاوت وتتمايز في طيف واسع من الأسباب والمبررات، من أقصى الموقف الأخلاقي والإصلاحي الصِّرف عند البعض، مرورًا بتمازج ذلك مع دوافع أيديولوجية أو جهوية عند آخرين، وحتى غَلبة الأسباب المصلحية والمادية أو المظالم الشخصية أو صراع مكبوتات التاريخ والجغرافيا عند أطراف أخرى. ومن دون إغفال أن الكل -أيًا كانت حقيقة دوافعه- يقوم برفع لافتات الإصلاح أو التغيير، ويتحدث عن الظلم والانتهاكات والاستبداد.
المَلمَح الأهم عند متابعة موقف أي مجموعة أو أشخاص خاضوا تجربة المُعارضة العلنية في الخليج، هو تطور السقف والموقف من النظام السياسي مع مضي الوقت باتجاه مزيدٍ من التصعيد والجذريّة، تُساهم في ذلك المساحة المُشرعة للحريات في الدول الغربية التي يُقيم المعارضون فيها، وشيوع أجواء المُزايدات و«الشرعيّة الراديكالية» في أوساط النشاط المُعارض، إضافة إلى سلوك الحكومات التي تُمارس مزيدًا من الانتهاكات، وتوصل دومًا رسالة مفادها: لا إصلاح سياسي ولا حُريات في الأفق.
متوالية التصعيد والمزايدات في الوسط المُعارض توصل البعض إلى عدم الفصل بين النظام السياسي والوطن، الأمر الذي يؤدي إلى معارضة أي قرار أو موقف أو صراع لمجرد أنه صدر من حكومة البلد، دون محاولة التمييز بين المصلحة الوطنية ومصالح الحكومات أو الأشخاص التي قد تلتقي أحيانًا وقد تختلف في أحيانٍ أخرى. وهو ما يجعل البعض يُدين ويجرِّم مواجهة الحوثي في اليمن، ويتعامل مع الحرب هناك باعتبارها عدوانًا على «الشعب اليمني» و«الحكومة اليمنية»! وهو ما يجعل آخرين يستاؤون من أي تطور اقتصادي أو تشريعي أو تحديث في الخدمات والأنظمة أو تقدم في المؤشرات الدولية أو القيام بإنجازات تنموية، دون الفصل بين وجوب الترحيب بأي تطور يتم تحقيقه وإدانة أي تراجع وانتهاكات تتم في الملفات الحقوقية والسياسية وسواها. بل قد يصل الأمر إلى الابتهاج بأي تدهور في الوضع الاقتصادي والسياسي باعتبار أن ذلك يزيد من تسارع وتيرة التراجع والاحتجاج الشعبي و«الانهيار المنشود»، فكلما زاد الوضع الاقتصادي تدهورًا، زاد مخزون الغضب، وكلما ارتفع عدد المعتقلين، زاد الاستياء، واقتربت لحظة «الانفجار المُنتظر». في حالة تذكرنا بالوصف الذي أطلقه خالد الحسن، القيادي في حركة فتح، في ثمانينيات القرن العشرين، تجاه فصائل اليسار الفلسطيني، حين سمّاهم «الرافضون أبدًا». وهنا لا يمكن الحديث عن مطالب إصلاحية، بل سعيٌ وتمنٍّ للانهيار، دون أدنى تفكير في ما يلي هذه المرحلة لو حصلت. على الرغم من أن خريطة الحضور الشعبي في الخليج تشي بصعوبة أن ينجح معارضون في اكتساب دوائر شعبية جديدة، فمساحة التأثير غالبًا لا تتسع ولا تتمدد، فيما ينصب كل النشاط والخطاب نحو التعبئة النفسية و«مُراكمة السَخَط» عند مجموعات أو دوائر هي ساخطة أصلًا لأسباب اقتصادية أو سياسية أو دينية أو مناطقيّة.
المُعارضة -في الدول التي لا يوجد فيها تعددية حزبية وتنافس ديمقراطي على السلطة- في أساسها هي عمل سياسي وأخلاقي، عِماده السعي إلى أن يكون المجتمع والدولة في وضع أفضل، ومجرد تسرُّب نوازع الانتقام والتشفي والنِكايات والفرح بالأزمات، ينتفي عن الفعل المُعارض مخزونه الأخلاقي، فيتحول إلى مجرد صراع على السلطة. ويتحوّل الكذب إلى سلوك مشروع ما دام فيه نكاية بالخصم، وتزوير التاريخ إلى سلاح للتأكيد على قِدم خطيئة النظام، وترويج الإشاعات إلى أداة من أدوات الصراع.
كما تغدو شعبوية الخطاب هي الوسيلة الأهم في محاولة استثارة غضب الناس وتعبئتهم. ومع إدراك أن قدرًا من الشعبوية يمكن تفهمها في الخطاب السياسي، إلا أنها في كثيرٍ من خطابات المعارضة تُصبح الوسيلة الأهم -وربما الوحيدة- في مخاطبة الناس وكسب الجمهور، مثل التشنيع على أي إصلاحات اقتصادية تخفف من منسوب الريعيّة في اقتصاد الدولة، بل والدعوة إلى مزيدٍ من الإنفاق والهبات ورفع الرواتب وزيادة المُخصصات والتوظيف الحكومي، حتى لو تسبب ذلك في ضرر بالغ للاقتصاد المُنهك أصلًا بمستويات عالية من الريعيّة. وما جرى مؤخرًا في مجلس الأمة الكويتي «المُبطل» من مطالبة نواب بإسقاط القروض عن المواطنين -وتبلغ قرابة 50 مليار دولار- ومطالب أخرى شبيهة، على الرغم من كارثية ذلك على الاقتصاد الوطني، ليس سوى نموذج لكيف يعمل الخطاب الشعبوي في الخليج، المشغول باكتساب الجمهور، ولو كان على حساب المصلحة الوطنية. وهنا يمكن استحضار ما كتبه الدكتور مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي حين قال: «وليس من المبالغة في شيء، أن نقرر أن ذوي المصلحة في التغيير، في الخروج من هوة التخلف، يُشكلون في مرحلة ما إحدى العقبات الأساسية أمام هذا التغيير». وقد ينطبق كلام حجازي على الموقف من الإصلاحات الهيكلية التي تجري في اقتصاديات بعض دول الخليج، وليس في ملفات الانفتاح السياسي والحريات، التي لم تشهد تقدّمًا، بل هي في تراجع مُستمر.
وبمثل ما يكون عليه الشخص الغارق في «لُعبة» أو المُنهمك في «مُضاربة بورصة» ويتوهم أن العالم كله مشدود الأعصاب في متابعة ما يفعله، يعيش بعض الأفراد المُعارضين في فُقاعة مفصولة عن الواقع، فعينهم لا ترى سوى الأخطاء والأزمات، ولا تصل إليهم سوى مواقف وأصوات المُنتقدين والغاضبين، ويعيشون «وهم التأثير» بسبب طبيعة البيئة التي يتحركون فيها، والأفراد الذين يختلطون بهم، وردود الفعل التي تصل إليهم من أشخاص أو مجموعات توافقهم في الموقف. ومع توالي الشهور والأعوام يصلون إلى «انفصال شعوري» قد يصل إلى العُزلة الكاملة عن المزاج الشعبي وموقف غالبية الناس وعن حقيقة ما يجري على أرض الوطن. هذا الوهم وهذه العزلة هما اللذان جعلا ويجعلان معارضين «يُبشّرون» منذ عقود، وما زالوا، بانهيار قادم ووشيك، في تحليلٍ وتوقعٍ تقوده الرغبات والأمنيات لا الحقائق والمُعطيات. وقد يصل الخيال إلى مُنتهاه حين تتلبس بعضهم أوهام أنه قد يكون «بديل مُحتمل» حال انهيار السُلطة القائمة.
الخطاب المُعارض -في معظمه- لم يحسم إجابته عن سؤالين اثنين: الأول، موقفه من شرعيّة النظام، وهل هو يتحرك تحت مظلة الإصلاح السياسي الذي يُقر بشرعيّة النظام الحاكم ويسعى للضغط عليه من أجل الإصلاح الاقتصادي والسياسي والحقوقي، أم هو لا يرى شرعيّة للنظام الحاكم ويسعى لتغييره، مع ما يستلزمه هذا الموقف من جهد لطرح تصورات نظرية عن النتائج المترتبة على التغيير، و«البدائل المُمكنة»، بمعزل عن تقييم مدى واقعية هذا الخيار وإمكانيته. أما الثاني: فموقفه من الديمقراطية، وشكل النظام السياسي المنشود، سواء كان إصلاحيًا ويدفع باتجاه المشاركة السياسية في ظل الأنظمة الملكيّة القائمة، أم كان يدعو إلى التغيير وتأسيس نظام جمهوري، أو يدعو إلى تقسيم البلد واستقلال الإقليم الذي ينتمي إليه.
كما لا يمكن إغفال تأثير التمويل القادم من جهات أو دول لديها مصلحة سياسية في دعم المعارضة، الأمر الذي يربط -أحيانًا- سقف الخطاب المُعارض بمدى تغيّر موقف الجهة المُمولة، وهو ما أدّى إلى قبول شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي المحافظ الظهورَ في برامج مُنتظمة في قنوات مُمولة من إيران وحزب الله، ولها أجندة عقائدية وولاءات إقليمية غير مستترة، على الرغم من التضاد الكامل بين موقفي الضيوف والقناة المُستضيفة.
ومثالاً على ذلك، يُمكن الإشارة إلى تجربة القنوات التلفزيونية المصرية المُعارضة التي كانت تبث من اسطنبول «كقناتي مكملين والشرق مثلًا». فهاتان القناتان تأسستا عام 2014 عقب عام من الانقلاب الذي حصل في مصر في يوليو 2013. وكانت السعودية من الدول التي دعمت الانقلاب واعترفت به ومولته ورحبت بالتغيير الذي حصل. ومع ذلك، فمنذ تأسيس هاتين القناتين وهما يتجنبان أي حديث سلبي تجاه السعودية، حتى بدأت الأزمة الخليجية في يونيو 2017، أي بعد ثلاثة أعوام من تأسيسهما، وهنا تحوّل خطاب هاتين القناتين إلى الهجوم الشديد والمُستمر على السعودية، وكأنهما من قنوات المُعارضة السعودية لا المصرية، مع أن الموقف السعودي من مصر ومن دعمها للانقلاب لم يتغير.. الذي تغير فقط هو موقف المُمول.
وربما يجدر هنا التذكير بأمرين:
الأول، أن أولوية الناس في كل المجتمعات العربية وغيرها هي تحسين ظروفها الاقتصادية وحياتها المعيشية ومستوى الخدمات وتوفر الوظائف وسوى ذلك. وتشير نتائج المؤشر العربي في كل الأعوام السابقة إلى أن الاقتصاد والخدمات وجودة الحياة هي مطلب الناس الأول والأهم. وأن الاهتمام بالحريات السياسية -وهو أمر مؤسف بالطبع- ليس أولوية لدى معظم الناس.
وفي الانتخابات الأخيرة التي حصلت في فلسطين الداخل «إسرائيل» دلالة صادمة في هذا الاتجاه، ففي انتخابات الكنيست الإسرائيلي التي جرت في يونيو 2021 حصلت الحركة الإسلامية الجنوبية على أربعة مقاعد، وهو رقمٌ مُرتفع في تاريخ مشاركة الأحزاب العربية في الانتخابات الإسرائيلية. عندها قرر منصور عباس، قائد الحركة، المُشاركة في الائتلاف الحكومي الذي يقوده اليميني المُتطرف نفتالي بينيت! وهنا -ولأول مرة في تاريخ مشاركة عرب الداخل في الانتخابات الإسرائيلية- تمنح حركة عربية و«إسلامية!» حزبًا يمينيًا مُتطرفًا النِصاب القانوني لتشكيل الحكومة، دون أي اشتراطات تخص القضايا الكبرى «يهودية الدولة، وقف الاستيطان، حقوق متساوية للعرب، إنهاء احتلال الضفة …إلخ»، بل كانت المطالب والاشتراطات تتركز على تحسين بعض الظروف المعيشية لعرب الداخل «كالاعتراف ببعض القرى العربية في النقب ومد الخدمات لها، وسوى ذلك». وعند إعلان مشاركة الحركة الجنوبية في الائتلاف الحاكم، انهال النقد والاستياء و«الشتائم» من كثير من الفلسطينيين والعرب عليها وعلى قائدها منصور عباس بسبب هذا القرار الصادم وغير المسبوق، والذي لا يمكن وصفه بأقل من التواطؤ وبيع القضية. وتوقع كثيرون انهيار شعبية هذه الحركة بسبب قرار المشاركة في هذا الائتلاف اليميني المتطرف. وبعد سنة وبضعة أشهر تم حل الكنيست وتمت الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، جرت في نوفمبر 2022، وكانت المفاجأة، أن حصلت الحركة الإسلامية الجنوبية على خمسة مقاعد في الكنيست بدل المقاعد الأربعة التي حصلت عليها في الدورة السابقة، وبزيادة 44 ألف صوت! نحن إذًا أمام غول مُخيف عنوانه: قُدرة تحسين الخدمات وتطوير الاقتصاد على كسب الجمهور. ولهذه النتيجة شواهد كثيرة يمكن تتبعها في تجارب عربية وعالمية قديمة وحديثة.
الأمر الثاني، أنه في دولنا العربية، وفي دول الخليج تحديدًا، ثمة قطاع واسع من الناس هم من «مُصدقي الدولة»، أو «الدولجيّة» كما يُطلق عليهم في مصر. ولا يمكن ربط موقفهم بالارتزاق أو الاستنفاع، بل مُعظمهم من البُسطاء، ومحدودي الدخل، والبعيدين عن أي دوائر سياسية. لكنهم يرون أن الدولة دائمًا على حق، وأنها «الأب» الذي يجب تصديقه وطاعته، وحين تسألهم مثلًا عن اعتقالات سياسية حصلت لشخصيات لها سمعة حسنة، سيُجيبونك: لو لم يفعلوا شيئًا لما اعتقلوهم!
في الخليج، نحن أمام حقيقة أن الأنظمة السياسية مُستقرة وراسخة، وتكاد تكون، من حيث شرعيتها لا أداؤها ومواقفها، محل إجماع شعبي -ربما باستثناء البحرين لأسباب مفهومة- وأنها حاليًا في أفضل حالاتها الاقتصادية مع ارتفاع أسعار الطاقة وتوقع استمرار ذلك لفترة ليست قصيرة. وأنها تملك استثمارات وفوائض وصناديق سيادية تُمكِّنها من تحمّل أي أزمات اقتصادية مُحتملة لسنين طويلة.
وفي المُقابل، سيجد أي مُتابع لحال الأفراد والمجموعات المُعارِضة للحكومات، في السعودية وبعض دول الخليج، أنهم مُنقسِمون ومُتشظّون، ولا يكاد يجمعهم سوى الموقف المُعارض للنظام، وهي الحالة التي يمكن وصفها بـ«التعريف بالنفي»، أي أن التعريف الوحيد لها هي أنها «ضد النظام»، لا بكونها تحمل مشروعًا مشتركًا. والحديث بالطبع ليس عن الكل، فالتنوع والاختلاف أمرٌ طبيعيٌ ومفهوم، بل عن عدم وجود كُتلة وازنة في المعارضة تحمل تصورًا ومشروعًا واضحًا ومحُددًا حتى عند دوائر الناشطين المُتشابهة والقريبة، في حالة تُشير إلى ما سمّاه سيغموند فرويد بـ«نرجسيّة الفروق الصغيرة»، وقصد بها أولئك الذين ينتمون إلى مُجتمعات مُتجاورة وثقافات مُتشابهة، وربما علاقات قرابة، ولكنهم يخوضون في صِراعات مُستمرة بسبب تضخم النرجسية والشعور بالذات والطموحات الشخصية، التي تؤدي إلى ضعف القدرة على بناء تحالفات ومناطق التقاء بسبب فروق واختلافات صغيرة وربما شخصية.
هذا الواقع يُذكرنا بمؤتمرات المُعارضة العراقية قبل الاحتلال الأمريكي، والتي كان لا يجمعها شيء سوى مُعارضة نظام صدام، الذي ما إن سقط إثر الاحتلال، حتى اتضح أنهم مُختلفون في كل شيء، ومُتصارعون على كل شيء.. أستاذ التحليل النفسي النمساوي، ليون غرينبرغ، أطلق على هذه الحالة وصف «أشقاء الزورق الواحد»، في استعارة من تجربة المُهاجرين على قوارب الموت عبر البحار، الذين يجدون ما يوحدهم خلال رحلتهم الخطرة، على الرغم من اختلافهم في كل شيء. كما وصفتها الفيلسوفة الألمانية، حنة أرندت، بـ«التآخي في ميدان القتال»، في دلالة على الاجتماع في لحظة راهنة ولهدف مشترك، على الرغم من الاختلاف وربما التضاد في معظم التصورات والدوافع والأفكار.
السُلطة والثروة امتحانان عسيران لم يُجرِّبهما المعارضون بعد، ومن الصعب تزكية كثيرٍ منهم -بناءً على سلوكهم الحالي- بأنهم سيكونون أفضل حالًا من الحكومات الحالية في الخليج. كما أن المُعارضة بطبيعتها غير مطالبة بتحقيق شيء، لا حل أزمات ولا خطط اقتصادية ولا تسويات سياسية ولا توازنات محلية ولا إدارة صراعات إقليمية. لذا يطرح كثيرٌ منهم خطابًا مثاليًا بهدف كسب الجمهور والاستثمار في أزمات الناس، ولكونه غير مسؤول عن أي إجراءات تنفيذية. وفي تجارب مُتكررة في عِدة دول عربية، كانت نتيجة مُشاركة قوى وأحزاب معارِضة -هي أكثر تمرُّسًا وخبرة من مُعارضات دول الخليج- في إدارة الحكومة في بُلدانها، مثل «حماس» في الضفة وغزة، وحِزب العدالة والتنمية في المغرب، هو التراجع الحاد في شعبيتهم، لأنهم انتقلوا من مثالية المُعارضة إلى صُعوبات الواقع وتعقيداته.
وبدلًا من أن تُشِّكل إطارًا جامعًا للخطاب الحقوقي والإصلاحي، تحولت المُعارضة السياسية إلى ملجأ لكل من لديه «أزمة ما» مع النظام السياسي في بلده، ومساحة مُشرعة للخصومات والنكايات والصراعات والانحياز إلى الخصوم واستجلاب التمويل، ومرتع للعمل الفردي، والإيجو المُتضخم، والأوهام السياسية، والأزمات الشخصية، وانعدام الإنجازات.
كل رفع لسقف الخطاب المُعارض يعني في النتيجة جمهور أقل، وتأثير أقل، حتى وصلنا إلى نتيجة مفادها: أن المُعارضة قادرة على الإزعاج لا التأثير؛ لذلك، فعودة الخطاب المعارض إلى إطاره الحقوقي وإلى توثيق الانتهاكات بدلًا من الانهماك في الصراع السياسي، وطرح خطاب تثقيفي وإصلاحي في إطار المُمكن وفقًا لطبيعة السُلطة السياسية وطبيعة المُجتمع، والاهتمام بالإصلاح الاقتصادي وبالتفاوت الطبقي والعدالة الاجتماعية، هو ما سيجعل منه خطابًا مفيدًا للمجتمع والدولة.
آراء أخرى
مصر والخليج: أين ينتهى الواجب؟ وأين تبدأ السيادة؟
«التضامن الحقيقي يبدأ من الشراكة في صنع القرار»
الدولة القوية والمجتمع المُنقاد
«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»
عن الإصلاح السياسي في دولة ريعية
«محاولة للإجابة عن سؤال «الممكن» في دول الخليج»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد