بين تواصلٍ وتواصل
هذا المقال ضمن ملف «عزيزي مهنّد أبو غوش»، لقراءة الملف كاملًا يمكن الضغط هُنا.
إنَّ التهم الموجَّهة من قِبل الاحتلال الإسرائيلي لمهنّد أبو غوش والرفاق الفلسطينيين، هي خطوة في مسار بدأ بالاحتلال نفسه، قبل أن يولد مهنَّد ورفاقه.
والحال أنَّ مهنَّد ورفاقه، إن فعلوا شيئًا قيمًا في الأعوام العشرة الماضية، وهي أعوام استسهلت فيها مجموعات نزع القضية الفلسطينية من سياق الاحتجاجات العربية، أو نزع الاحتجاج العربي من قلب القضية الفلسطينية، فهو اشتباكهم المستمر مع الأحداث العربية. سؤال الاستبداد والاحتلال، على بساطته وتعقيده في آن، هو سؤال ضمن أسئلة كثيرة، ومثله أسئلة أخرى في الثقافة والسياسة والاجتماع. إذ لا يمكن للقضية الفلسطينية إلا أن تكون في قلب القضايا العربية التي تمّ وأدها تحت سياسات الواقع العربي، ولا يمكن للواقع العربي أن يقدِّم مقاومة جذرية بلا فلسطين. وهذه الجذرية لا تكون بالسطو على فلسطين عبر حجز الفلسطيني في عيشه وحقوقه خارج فلسطين، أو التحدُّث باسمه أو سرقة سرديته المقاوِمة. القضية الفلسطينية، حالها حال العيش العربي، قد تتقدَّم أحيانًا وقد تتراجع أحيانًا أخرى، لكن سائر المحاولات لكنسها تحت السجادة تحت مسميات الملل والتنافس الضحيوي ليست إلا محاولات بائسة تفشل محاولة إثر محاولة بتغيُّر الأحداث، وذلك لأنَّ القضية الفلسطينية تمثِّل ببساطة سؤال العدالة التاريخي الأول في السياق الحديث، والذي على أنقاضه قامت الدول من حولها، ودون حلِّ هذا السؤال لا يمكن أن تكمل عدالات أخرى، أو تُستنبَط وتتبَّت عروبة جديدة.
يعرف الاحتلال الإسرائيلي أن لا مجالًا سياسيًا عربيًا جديدًا سينفتح إلا بالتواصل الفلسطيني-العربي، وأن لا عروبة سيُعاد تركيبها -خارج السطو المعتاد- إلا بالتواصل والاشتباك أولًا بين القواعد الشعبيَّة والأهلية. والاحتلال، إذ يقدِّم صورته الكاريكاتورية في متحدِّث على تويتر يغرِّد خطابًا عن إرهاب قادم من خلف الجدار يمنع السلام، وناشطين مطبعين عرب يبثون زياراتهم لتل أبيب على انستجرام وتيكتوك، يودُّ عبر هذه التفاهة أن يقدِّم مدخلًا لتواصل وحيد هو الانحراف باتجاه الرد على كاريكاتور، وهو تواصل لا يخاف منه الاحتلال، لأنه رد فعل صُوَري سطحي يبدَؤُه وينهيه بنفسه.
يريد الاحتلال من تهمته القديمة المُستجدة، أن يقول إنَّ هناك تواصل واحد ووحيد مسلكه اتفاقياته التطبيعية، وأن يعيد تركيب حياة الفلسطيني تحته وعبر سياسات التنسيق الأمني خلف جداره، وأن يحدِّد للفلسطيني ماذا يفعل وماذا لا يفعل عبر تصاريح لازمة وتهم يُعاد التلويح بها بين حين وآخر، وأن يعلمه من هم العرب «الطيبين» الذين من الممكن التواصل معهم، فيُأتى بهم ليقدموا مع إسرائيليين مشهدية للتواصل المقبول.
ببساطة، إنَّ محاولة تأديب الرفاق الفلسطينيين، تأتي ضمن هذا المسار، مسار استبدال الامتداد الطبيعي بالتطبيع، والعرب بعرب «طيبين»، والفلسطيني بفلسطيني جديد يركِّب هويَّته الاحتلال أولًا. ومحاولات التأديب هذه، في تكرارها، عبر هذه التهمة أو غيرها من تنكيل واستدعاءات وتحقيقات واعتقالات وقتل، تقول شيئًا واحدًا: لن يتطبَّع الاحتلال، لأنَّ الغضب لن ينهيه الخوف من حجز أشخاص بعينهم، ودون هذا التطبُّع مقاومات يومية في صلب العيش والذاكرة، وهذه هي أزمة الاحتلال؛ هويته التي لا يمكن له استبدالها.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
خريف حزب الله
«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد