بين التقويم والانتقام
دخلتُ متأخرة بعد ليلة طويلة أصارع فيها أفكاري، تلك التي أرقتني لأعوام وامتنعت على إثرها عن العمل في السنوات الثلاث الأخيرة بشكل مباشر مع الأطفال في مجال «التعليم البديل» في المنظمات الأهلية، وهربت من المدينة كليةً. وجدتها تلاحقني دون إجابات قاطعة عند بدئي التطوع -بالكثير من الريبة حول مقدرتي لمعاودة الكرة- لتأسيس مشروع لخدمة الأمهات والأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة حيث استقريت على بعد مئات الكيلومترات من أقرب مدينة.
كانت النساء جالسات يتشمسن بعد أن بنينا السور للمساحة المرفقة بالمبنى بناءً على طلبهن ليكون ساترًا لهن، والأطفال يلعبون في الأنحاء مع مُدرساتهم الأصغر سنًا. بدا المنظر رائقًا؛ فعنفت نفسي على التورط في دوائر لا تنتهي من الأسئلة عن جدوى عملي، بينما الوضع لا يحتمل الكثير من التنظير. أخذت عهدًا على نفسي منذ زمن بوضع الأولوية دائمًا -عند العمل مع الأطفال- لأن يغلب المكان جو عام من البراح النفسي والارتياح، لتمام علمي بأن لا سبيل لاشتباكنا كبشر مع العالم والإنصات والاستجابة لدوافع النمو والمعرفة والتواصل، إلا بذلك النوع من الأمان المتأتي من غياب يد حديدية باردة تدفعنا في الأرجاء دون رضانا.
وتلعب دور المحرك لتلك اليد مجموعة من المعتقدات والنظريات المعزولة عن حقيقة الوجود، وعما هو ضروري وملح في أولويات النمو كأفراد يسعون لإيجاد المعنى والسياق في محاولاتهم للانتماء.
وتتجسد تلك المعتقدات في صورة سرد مهيمن يطغى على محاولاتنا للتشكك أو التساؤل أو العصيان، لتخوفنا من النبذ أو الاستهزاء. ولأن ليس للأطفال الصغار وسيلة للمقاومة، يفرض السرد «التقدمي» هيمنة كاسحة عن الطفولة المبكرة واحتياجات النمو والتعلم بها وطرق الاستجابة لها، بدعم هائل من الأدلة العلمية في مجال علوم الأعصاب والنفس وما إلى ذلك. وهو الأمر الذي دفعني منذ بضع سنين إلى التوقف عن العمل مباشرة مع الأطفال. وذلك حديث آخر.
***
وقفت أم لمصافحتي وهنا انتبهتُ لابنها الذي كان ملتصقًا بعبائتها. تكنفته هالة مقبضة، ولكنني انشغلتُ في الحديث مع الأم القلِقة دائمًا على تطور طفلها في القراءة والكتابة. انتهى الحوار كالعادة: الأم تؤكد استيعابها لما أقوله عما يحتاجه طفلها قبل الخوض في شحن عقله برموز مبهمة يمكنه حفظها بالإجبار لبعض الوقت بسبب قدرة عقله كطفل عمره أربع سنوات على امتصاص وتخزين المعلومات، دون إدراك معناها أو قيمتها في سياق نموه اللغوي إذا لم تسبقها شبكة من المهارات في جوانب النمو الأخرى، وأنا على الناحية الأخرى أومئ مبتسمة بينما أراهن عما سيحدث في بيتهم بعد بضع ساعات من محاولات محاكاة أساليب التلقين المتعارف عليها في نظم التعليم التقليدية لـ«تعويض» ما ينقصه معنا.
لم يمر وقت طويل منذ بدء حضورهم في المكان، وأعلم جيدًا عن قدر الوقت المطلوب للوصول إلى الثقة من طرفهم ومن طرفي (والكيان الذي أمثله) على حد سواء. أتذكر وجوه الأمهات الغاضبات من سنين مضت خلال عملي مع الأطفال والعائلات، وكيف انتهى بنا الحال نبكي سويًا عند افتراق الطرق. ومع ذلك وفي كل مرة، دومًا ما أتساءل إن كنت سأخيب ظنهن، وأتشكك بشدة في دوري كمجرد وسيط آخر لفرض السرد «التقدمي» عن النمو والطفولة المبكرة.
قبل أن أنسحب للانتباه إلى الأطفال، سألتني الأم، «صحيح، ماعندكيش شاش كدا أو حتة قماشة؟» استفسرتُ عن السبب، لترد بابتسامة عريضة متباهية شعرت بها تشعل صدغي «أصل أنا لسعته إمبارح في إيده»، ثم التفتت إليه «قل لها ليه، ها؟ عملت إيه؟»
لم يكد طفلها يظهر أمارات الارتياح في المكان، يتحدث ويضحك ويلعب، ويبدي تفضيلات في أنشطته، يساعد الأصغر سنًا، ويضع حدودًا للأطفال ممَن لم تزل اندفاعاتهم الأولية هي المسيطرة. نظرت إليه حينها، قابضًا على ساقها وهي تشد يده لتريني ظهر كفه منكشف اللحم، وتتساءل «مش عارفة ماله مش عايز يسيبني كدا»، وبدأت رأسي تدور.
لم تكن أول مرة لي؛ ففي المدينة، رأيت مختلف علامات الحروق: ملاعق، سكاكين، سجائر، علامات الحديد لعيون الموقد. ذلك النوع من العقاب الذي يتولد من أربعة حوائط وأفراد عائلة لا سبيل لهم للانتقام إلا من بعضهم البعض. لا مفر.
نظرت حولي وأنا أعد المفرات هنا. تستشعر الأنفاس الأخيرة من ثقافة تهتم برفاه الأطفال ما قبل الخمس سنوات، وسأجازف بالقول إنها ثقافة غير عمدية، أو غير واعية بذاتها، وهو النوع الأكثر عرضة للاندثار. لا يطالب الصغار بالكثير فيما تُتاح لهم المشاركة في الحياة اليومية ومهام العائلات، فيعطيهم ذلك الفرصة لإيجاد المعنى والسياق للمهارات المكتسبة.
أخل توازن تلك الثقافة في العقد الأخير بانتشار التخلي عن رعاية الأراضي المملوكة (والمورثة) أو بيعها للظروف الاقتصادية والتغيرات البيئية التي أثرت على الإنتاج الزراعي من ناحية، واستبدال ذلك بمصادر أخرى للدخل تعتمد على الفرد العامل وليست نشاطًا عائليًا، وانتشار الحضانات ذات الجودة الرديئة من ناحية أخرى.
السبب الأول يدور حول دور الصبي، الذي ليس متوقع منه المشاركة في مهام المنزل، ويقع دوره الأكبر في الفلاحة وغيرها من مهام رعاية الأرض، بينما قد تشارك الفتيات في الاثنين، ويتزايد عدد الأمهات ممَن لا يردن لأولادهن قضاء وقت طويل في الشارع لأن «الزمن غير»، ويشتكين من «الخصال السيئة» التي يكتسبونها من اختلاطهم بالآخرين، فيترك الصبية الصغار في هذا الظرف وبغياب السياق المعتاد لهم للمشاركة بلا شاغل لوقت طويل.
أما السبب الثاني، فقد رأيت تأثيره من قبل في سلب الوكالة* من الأهالي، أو في صورته الأقل تطرفًا كما هو الحال هنا، في تشويه جزء من وكالتهم وتحويلها لخدمة أهداف الحضانات من تلقين أو «عمل الواجب» أو إحراز درجات جيدة، واستبدال أساليب التقويم والتوجيه المتوارثة بتلك التي تمليها منظومة التعليم المبكر، ويحكم على الأطفال من خلالها من هو صالح، ومن لا جدوى منه، وفي الحكم على الأطفال يقع الحكم تباعًا على الأهل، وتبدأ دائرة السخط.
يُضاف إلى ذلك بالطبع عوامل أخرى متشابكة، من تغير وإعادة تعريف أدوار الأفراد في العائلة، وبدء تقبل العائلة النووية كوحدة منفصلة إلى حد كبير، والمعتاد من التعرض لشطحات الآراء والتوجهات في وسائل الإعلام، والتمجيد أو اللفظ المتطرف لكل ما هو دخيل، وسيادة الثقافة السلفية التي طغت على الأصول الصوفية للمكان، وتبنّي توقعاتها وأساليب تقويمها وانتشار شيوخ ترتيل وتحفيظ القرآن للصغار، وما إلى هذا، وعلى مستويات عدة قد لا أفقه عن إرهاصاتها الكثير.
ولفهم ذلك الخلل، يجب التطرق إلى الجدل القائم في مجال الطفولة المبكرة في العقود الأخيرة حول وكالة الأطفال، بمعنى قدرتهم على المشاركة في اتخاذ القرارات وتوجيه مجريات حياتهم لتناسب احتياجاتهم، فيما تتاح لهم فرص التأثير في بيئتهم واتخاذ دور اجتماعي ملائم لقدراتهم. تسهل مناقشة المبدأ عن الأطفال بدءًا من مرحلة الطفولة المتوسطة (من عمر ست سنوات) لنضوج جوانب نمو مختلفة (منها اللغة والنمو العضلي) مما يوفر لهم أدوات تواصل على أرض مشتركة مع البالغين.
وبينما يعتمد مفهوم الوكالة في مرحلة الطفولة المبكرة إلى حد كبير على دراسة وفهم احتياجات النمو للمرحلة حسب دراسات ونظريات النمو (وما يمليه ذلك من ارتباط المنظومة بسياسات وتوجهات المؤسسة الأكاديمية والعلمية)، وملاحظة الطفل في بيئة تسعى إلى توفير حرية الاختيار والحركة، للانتباه إلى مؤشرات تدلنا إلى احتياجه. تسعى تلك البيئة أيضًا إلى ترك مساحة كبيرة للتواصل الاجتماعي بين الأطفال، ومساعدة الطفل من خلال إعطاء الفرصة للإدارة الذاتية للمواقف المختلفة.
وفي الحديث عن الطفولة من هذا المنطلق، يجب الالتفات إلى الحداثة النسبية في تاريخ البشرية لفكرة الطفولة كتخصص، مع تعقيد النظم الاجتماعية والاقتصادية، وزيادة التجريد في تفاصيل الحياة اليومية (ما معنى الكهرباء؟ وما الخطورة في الشارع والأمان على الرصيف؟ لماذا يذهب أخوتي للمدرسة؟ وما هو العمل الذي يغيب أهلى به؟ ما معنى تلك الرموز؟ ولماذا تختلف معيشتي عن هذا الطفل أو ذاك بينما نعيش في نفس المكان؟) ويقع الحمل على الطفل في إعادة بناء تاريخ البشرية في عقله.
وبينما يعمل الطفل على ذلك البناء، على البالغين أن يخصصوا له منظومة كاملة نخبئه فيها حتى يخرج لنا بالغًا. وبطبيعة الحال، تقوم تلك المنظومة على أسس وعلاقات قوة يحددها البالغ بما يراه الأصوب. ويُرى هنا كيف أن الطفل تحول من كونه عضوًا من أعضاء نظام بيئي يحوي جميع أعمار الفصيلة البشرية لبيئة ما في أي لحظة من الزمن، إلى كونه احتمالية، أو كما يُقال «قوة كامنة» في انتظار خروجها إلى العالم للاستفادة منها.
ومن هنا يُعاد تعريف وكالة الأهل في دورهم كمدبر لبقاء الطفل (على جميع المستويات) ووسيط وموجه لهم في البيئة. ويجب الأخذ في الحسبان اختلاف مفهوم الأهل ما بين المجتمعات الجماعية وتلك الفردية القائمة على العائلة النووية، حيث يتشارك عدد أكبر من الأشخاص في مسؤولية التربية.
وتستبدل في المجتمعات الجماعية الدراسات والنظريات التي هي المحرك لحث الوكالة في مرحلة الطفولة المبكرة في السرد التقدمي في هذا المجال، بعادات تراكمية عبر تاريخ الجماعة تستنبط مبادئها من علاقات الاستنفاع والاستدامة بالبيئة المحيطة، والتي يشارك فيها الأفراد بمختلف أعمارهم. وتصبح في هذا السياق وسائل التقويم المستخدمة من قِبل الأهل والمجتمع، أداة ذات منطق واضح في علاقتها المباشرة بالبيئة الاجتماعية والمادية.
وبما أن منظومة الطفولة بدأت تدريجيًا في احتكار المعرفة وزعم حصريتها في استنتاجات الأبحاث والنظريات، خلقت فجوة ما بينها وبين الأهل (المالكين الأصليين لهذا الدور) ووضعتهم في محل الحاجة. وكلما خضع الأهل لمتطلباتها وأساليبها، توجوا بالنجاح، والعكس صحيح. وكل هذا دون الالتفات لدور البيئة المحيطة والتبعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على العائلات، التي أصبحت مطالبة بالانصياع، وتنتقل وكالتهم إلى دور الوساطة بين الأطفال والمنظومة، بينما تتسرب المؤثرات البيئية من خلالهم للأطفال دون وعي، وينتج عن ذلك العديد من المشاكل النفسية والسلوكية والمعرفية.
ومثلها مثل كل المنظومات العملاقة، فعلى قمة منظومة الطفولة المبكرة نرى كل ما هو تقدمي وجدالات دقيقة مطولة حول رفاه الطفل وأحدث الطرق التطبيقية، بينما يسبح الجزء الأعظم منها في مستنقعات معرفة وأساليب عتيقة ومهترئة، أو تطبيقات مبتذلة ورديئة الجودة، ولكن لا تتغير التوقعات من الأهل ما بين القطبين، وزعم احتكار الوكالة.
ويتحول بذلك التقويم الذي هو في الأصل دور فطري يسعى لمساعدة الأطفال على الانتماء (باختلاف أساليبه في المجتمعات اتفقنا معها أو اختلفنا) إلى محاولة الأهل لتنفيذ المطلوب من المنظومة، أيًا كان متسقًا مع رؤيتهم لاحتياجات الأطفال أم لا. ولكن المشكلة الأكبر هو أنه أيضًا، بحكم علاقات القوة بين البالغ والطفل، بوابة ضخمة للبالغين للتنفيس والانتقام من الحياة. وهو ما أراه في طور التكوين هنا، وأتساءل إن كان من الممكن إنقاذ ثقافة رفاه الأطفال بانتقالها من لاوعي جماعيتها لوعي أفرادها، أم أن ذلك سذاجة لا تعي كم العوامل الدافعة لهذا التغيير.
وقد يفسر مثال بسيط القصد من الاهتمام برفاه الأطفال في هذه البيئة بشكل يميزه عن بيئات أخرى تعرضت لها في مصر. رجل مسن على عربة يجرها حمار، يشاكسه الأطفال، فيقوم بصفع أحدهم، فتُقام جلسة عرفية يجمع فيها مشايخ الحارة للتأسف لأهل الطفل. وهنا يظهر القصد بثقافة غير عمدية، حيث أن تبعات الموقف تسري على كل الأعمار، لا تخص ولا تستثني الأطفال، ولا يرون داعٍ للذكر الخاص للأطفال، كأنه أمر مسلم به أن الحق في التعويض عن الإهانة للطفل مثله مثل البالغ. ويمثل شمل الصغار في الأعراف بهذه الطريقة نوعًا من المشاركة لم أرها من قبل.
ورغم أن المجتمع بعيد كل البعد عن أن يكون ضد العقاب الجسدي، ولكن يمكن من الاستماع إلى الأمهات صغيرات السن مقارنة بمَن هن أكبر، فهم حداثته كنوع من أنواع التنفيس عن السخط والضغوط، أو الانتقام من خروج ظروف الحياة عن السيطرة. وذلك من رؤية اختلاف التعابير عند الاعتراف، أو التباهي، بالضرب: الأمهات ممَن يتعرضن لوسائل الإعلام والتواصل (وهو أمر حديث ولم يزل تحت الكثير من التحفظات لمعارضته لقيم المجتمع حول نطاق التعرض المسموح للمرأة) ويعتبرن أنفسهن أكثر تفتحًا، يغالبن إحساسًا طاغيًا بالخجل، بعد أن كن قد ألقين سلسلة من المعلومات المتداولة عن فداحة العقاب الجسدي. تليهن الأمهات الأكبر سنًا أو الجدات ممَن يعتبرنه جزءًا من التقويم المطلوب. ثم الأمهات اللاتي يئسن، لظروف قاسية وضعت عائلاتهن تحت وطأة ضغوط غير محتملة، فيذيل كلامهن دون مساءلة مني «وأنا أعمل إيه؟» أو «غصب عني». ومرة أخرى تظهر فكرة الثقافة غير الواعية لذاتها عند سؤالهن إن كن قد تعرضن للضرب في طفولتهن المبكرة، فلم أجد حتى الآن إجابة قاطعة بالإيجاب، حتى في سؤالي للآباء، وكأنها المرة الأولى التي ينتبهون فيها لغياب العقاب الجسدي في تربيتهم كأطفال. ومنهم الكثيرون ممَن ينفون حتى تعرضهم للعنف اللفظي أو الصياح. ويفسرون ذلك بوضع اللوم على أطفال اليوم، رغم أن بالوقت سمعت الكثير من القصص عن مشاغبات من الطراز الأول في طفولتهم، ولكن لا يتخللها أنواع العقاب المتداولة الآن.
ينبغي التوضيح بأن هوسي الأكبر ليس بالعقاب الجسدي بشكل مطلق، وعلى مدار الثلاث عشرة سنة من عملي لم استنكر بشكل فظ عن الأهالي لجوءهم للعنف اللفظي أو الجسدي، لما يقع لذلك من تبعات يستحيل على إثرها شفافية التواصل والوصول إلى حلول أخرى. من منهم في حالة يأس أو خجل لا ينقصهم تعنيفًا أو استنكارًا، بل إحساسًا بأمل الفرصة واستعادة شيئًا من وكالتهم.
ألجأ دومًا للتأكيد على عدم إلمامي بظروف معيشتهم، ومدى صعوبة التربية في ظل الظروف الراهنة، والتأكيد فقط على مبدأ الكرامة للأطفال، كيف أن جدتي كانت تنهر خالتي لصفعها أولادها لأنها إهانة، رغم تبنيها للضرب «غير المبرح» على ظهر اليد. وما الذي يودون أن يذكره أطفالهم عنهم، وكيف أني لا أذكر لأبي إلا الضرب والسب والغضب، رغم تأكدي من مرور أوقات حسنة لا أذكر منها شيئًا. وفي ظروف الحياة تلك التي لم نمر بها في طفولتنا ويمر بها أطفالنا، في حالات التيه واليأس، هل سيشعرون بأن لهم ملجأ يستريحون فيه؟ وما الذي سيخبره صوت الأهل الذي بمرور الوقت سيصبح جزءًا من أطفالهم وهم أفراد بالغون؟ وكم رأيت من أمهات يتباهين بعدم ضربهن لأطفالهن، ولكن يستخدمن نوعًا مريعًا من الابتزاز والترهيب عوضًا عنه، ورأيت أطفالًا يعانون من اضطرابات قاسية بسبب ذلك. فكلا، ليس الضرب أكبر مشكلاتي.
***
طلبت منها أن تنتظرني لحظة لأبحث عن مرهم وشاش، وسحبت في طريقي المدرسات، وسألتهن إذا كان هذا النوع من العقاب معتادًا، فنفين ذلك تمامًا وأنهن أنفسهن مرتاعات مما حدث، لكن «هي عصبية شوية»، تجاهلت العذر وعدتُ إلى الأم والطفل، وبدأت في التحدث مع الطفل عما ينبغي فعله للحفاظ على الحرق من التلوث، وطلبت من مُدرسة مساعدته في تنظيف يده وتغطيتها. وبعد مداولات وافق أن يبتعد قليلًا عن أمه ليرى الزراعة الجديدة عن قرب، بعد أن أكدت عليه أني أريد مساعدتها لذا فهي ستنتظر.
نظرت لي وقالت إنها فرصة لتتركه وهو مشغول، وهنا وقعت في فخ الغضب، وبينما عقلي يصرخ لاعنًا الضربة المزدوجة، بعد حرقه، تريد أن تتخلى عنه وهو لا يريد تركها في الأغلب لاحتياجه التأكد من استمرارية السابق، وأن الحادثة كانت الشذوذ، قلتُ لها إنها ستنتظر معنا حتى يطمئن. ثقافة الحضانات الضحلة تملي على الأمهات أنه من الطبيعي أن نخدع أطفالنا لنتركهم حتى «يعتادون» على الانفصال.
أخبرتها أن من تجاربي السابقة، فالحرق له تأثير قوي على الأطفال، غالبًا لأن ألمه مبرح ويستمر لوقت طويل، واستأذنتها في سؤال شخصي، إذا كان هذا النوع من العقاب كان مستخدمًا في عائلتها. نفت ذلك بقوة وكأنه شيئًا لا يمكن لأهلها أن يفكروا فيه حتى. وهنا اعترفت أنها لم تكن تعرف أن قطعة البلاستيك الذي كان يلعب بها في النار ليراها وهي تذوب، كانت لتحرقه إلى هذا الحد لو لسعته بها، وأنها تحت وطأة ضغوط كبيرة في البيت مع ابنيها المراهقين وزوج استسلم في مواجهة الحياة، وفقدت أعصابها للحظة. ورفعت عنها حينها ابتسامة التباهي التي أسأت أنا استخدامها سابقًا كتأكيد لتساؤلاتي عن طائل عملي ويأسي من قلة الحيلة، وتشككي عن إن كانت الأرض الوسط لفهم بعضنا البعض هي أطلانطس أحلم بها في أوقات المزاج الجيد.
تنبع مشكلتي الأكبر من تخوفي من الانتقام والعنف المورث، من تجربتي الشخصية لكوني الهدف المختار للانتقام من خطايا أشخاص لم أقابلهم في حياتي قط، أو من وحش مبهم سعى أشخاص في حياتي لتمثيله فيمَن حولهم وإنزال العقاب به، أعي تمام الوعي أن حياتي تحولت في معظمها إلى رحلة لدرء تلك السموم حتى لا أنقلها لأي شخص آخر، وفي عقلي الباطن إحساس عام بالذنب أن الكوكب ليس بأحسن حال.
رتبت لهما بعض الأنشطة البسيطة من لعب وزراعة يقضيان بها وقتًا حسنًا، وطلبت منها إن كان ذلك ممكنًا، أن تعتذر له عما حدث، وتخبره كما أخبرتني أنها لم تدرك مدى الأذى، دون ذكر ما فعله سابقًا حتى لا يوازي استكشافه الجريء بعض الشيء بقدر الألم الذي أوقعته عليه. وفي خلال أقل من ساعة رضى الولد برحيلها وانقشعت عنه الهالة المقبضة، إلا بعض اللحظات ينظر فيها إلى يده ويغيب قليلًا. هل ستنتهي الحادثة هنا؟ هل سيميل العشب مع الريح؟ أم سنرى الكسور والشروخ بمرور الأيام، أو السنين؟ تثير تلك الأسئلة الغربان الصارخة في عقلي، وأنتهي بسحابة من الريش المتطاير وأصداء صوتها وهي تختلط بأصوات الماضي. غدًا يوم آخر.
*بمعنى agency. تحوي ترجمة «الوكالة» في نظري عنصرًا من معنى الوساطة وجدته أكثر تناسبًا مع دور الأهل، حيث إن دورهم كراعٍ لا يقتصر فقط على كونهم أصحاب القرار بالنيابة عن الطفل، ولكن تكتنفه كذلك رغبة غريزية في إعداد الطفل للاشتباك مع بيئته بشكل مباشر ومستقل باستخدام المهارات والمعرفة المكتسبة والمتوارثة لدى الأهل، فيصبحون وسيطًا ما بين الطفل وبيئته.
آراء أخرى
من آبائنا إلى أبنائنا.. كيف نربّي ونتربَّى؟
«هل أسعى للانخراط في الجماعة؟ هل ولّى زمن التمرد؟»
الأمومة: إرثٌ من الأشباح
«الحراك النسوي الحالي في مصر، لا يستغل الإمكانية الكامنة في اشتباكه مع الأمومة»
تدوينة| كيف أصبحتُ أمًا؟
«هل النساء راغبات بالغريزة في الأمومة ومستعدات دائمًا للحمل والولادة؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد